محمد رشو: هذه الفاصولياء بسبع ليرات ونصف

6:22:00 ص
 خاص - الرومي
١
مريشك

يبدو أننا سنلتقي هنا طويلاً،
أنا أنتظر الرجل الذي يكذب عليّ: شعرك طويل، إربطه وستبدو إسبانياً على الطريق،
مارشا لتظفر بمن يدفع لها مئة دولار خلال ساعة،
الرجل ليكذب علي وليمازح مارشا: عظيمة ٌروسيا التي أنجبت هذه المؤخرة.

تمر بجانبنا قرب النافورة، فيخاطبها: مريشك، لنر كم بيضة ستبيضين هذا اليوم، لكنها تبتسم و تنفخ بإتجاه باب الميترو، ولا تترك على بلاط الظهيرة تحت أقدامنا سوى شتيمة سلافية باردة تنال أصل الأكراد ويصطدم فيها السين والكاف في ساحة أكسراي.

منذ شهرٍ وأكثر،
الرجل يقول: إنتظر قليلاً وتطير من هذه البلاد،
مارشا تظل تمشي تحت شجرتي الصنوبر ثم تملّ وترضى بعشرة دولارات،
وأنا ألمحُ طائرةً أخرى في سماء إستانبول وأصدّقه ليوم ٍ آخر،
أعرف أنه يكذب
لكن يعجبني شعري مربوطاً من الخلف، إسبانياً أمضي على الطريق.

٢
كوليطس

أنا محظوظٌ لأن الباصات ذات طابقين على خط أسان يورت، فالطابق العلوي الذي هرعت إليه أتاح لي أن أرى قبلة الشاب الأبيض للفتاة الأفريقية في محطة شيرين آڤلار، لم يكن الشاب يكتفي بالقبلة على الوجنة مع إنحناءة الرأس العاطفية تلك التي نصادفها في محطات الميترو، أو القبلة الشهوانية التي تصوّت، ماج، بق، في الرحلات الليلية في عربات الترامواي بل كان يمسّد بيده  اليمنى ما حول السرّة ويمدّ اليسرى تحت حواف الشورت الجينز لتلمس جلد المؤخرة التي تشكل كما أظن أكثر الألغاز غموضاً  في الجسد البشري، الفتاة لم تكن تتحرك وكأن الأمر يجري خلف أبواب مغلقة لكنها أستدارت وهي تضحك ضحكاً خفيفاً مشيرة نحو كلب يرفع إحدى قائمتيه الخلفيتين ويتبول، الكلب الأسود ذو الوبر الطويل كان يتنزه بسلسال معدني لامع خلف ساقي السيدة سازان أكسو، ليست سازان أكسو مغنية البوب ذات الشعر الكارو الأشقرالتي تضغط بأصابعها على أنفها لتصدر خنّة محببة وتصيح: ديكات ديكات، أحذر أحذر، كما أن ساقاها لم تعد جميلتين في عيني زوجها السيد بولند أكسو الذي يراقب الجزء الشرقي من إستانبول من مكتبه التجاري في برج عال وهو يستمع إلى تبريرات أرول، أرول  هذه الظهيرة كان مشتتاً ولم يعتنِ بالمكتب كما يجب بل كان منزعجاً منذ الصباح من المستأجر الذي يشغل الطابق الأرضي من بيته في ضاحية أسانيورت، منحه منذ أسبوع كنبتين وشيفرة خط الأنترنيت مقابل عشرين ليرة تركية لمدة شهر لكنه جلب أصدقاء آخرين ليشاركوه المسكن، المستأجر حل عليه ضيوف من حلب فجأة في الرابعة فجراً، ألو ننتظرك في ساحة أسانيورت، عجّل، البرد شديد والصغار لا يحتملون، وأنا لم أحتمل أيضاً، خرجت مبكراً إلى ساحة أكسراي لأرى مهرّباً، عرفته دون أن يقول لي: أنا الذي أقف بين النافورة ومدخل الميترو، وعرفني دون أن أقول له: شعري طويل وأضع نظارات طبية ، إقتربت منه وأنا أتذكر " في عزلة حقول القطن " لبرنار ماري كوليطس، حيث زبون وبائع وبضاعة ممنوعة، تقرأ ويهتز الهواء بين قدم الرغبة الخفيفة نحو الأمام وقدم الرعب الثقيلة في الخلف، وتقرأ ولا تدري إن كانت سراً أو حشيشاً أو دعارة، أأسف لأنني لم أجلب الكتاب معي، تركته في بيتي الذي لم يعد بيتي، في بيتي الذي أظنه لم يعد موجوداً، ثم تذكرت أنني لم أعد أنزعج من ذلك أكثر مما أنزعج من دخول مرحاض لا ماء فيه، أكثر مما كنت أنزعج من حرف الطاء الذي يصر عليه المترجمون المغاربة، كوليطس كوليطس كوليطس،  أردد  بينما أراقب هذه القبلة بين شاب أبيض من بلد ما و أفريقية على محطة شيرين أڤلار، أحس أن كل شيء على ما يرام بينما أقرأ ما هو مكتوب على لوحة إعلانية طويلة و كأنه يخصني دون أحد آخر:
تشكورلر حياة.
 الشمس مشرقة هذا اليوم، معي واحدة ممتلئة من بطاقات النقل الممغنطة وأرى  أنني محظوظ لأنني أستقل باصاً ذا طابقين على خط أسان يورت.

٣

I am old man

في منتصف باحة كنيسةٍ بكاديكوي تتركُ عروسٌ من طائفة الأرمن يدَ الإشبين، تتكوّم على نفسها كمن أصيب بألم حاد في الزائدة الدودية، ثم تنتفض أمام ذهول الحاضرين متفتتة ً إلى طيور بيضاء ترتفع فوق مضيق البوسفور وتحوم حتى تصل إلى المنازل العالية في باخجه شاهير حيث تلتف في سرب يهبط بإندفاع ليرتطم بنفسه مختفياً في مرآة كبيرة ينقلها عمال نقل الأثاث في أسان يورت.
أتنقل بين الممر و السطح وأنا مشغولٌ بالفكرة، أهز رأسي للضيفة ذات الحول الخفيف في العين اليمنى وهي تقول: إنهم ينظرون إلينا كأننا قرباط، أغيّر مكاني حين تضيف السيدة، نحن أيضاً كنا نملك سيارة وأراض ٍ وثلاثة منازل بالأشرفية، ثم أخرج حين تعتذر لتهاتف إبنها في ليماسول، أخرج وأصعد، يقول لي ياغمور: تعال إجلسْ هنا، وأجلسُ على القرميد الأحمر المائل، أراقبه يضبط لاقط التلفاز، أكاد أناديه صديقي، أكاد أستسلم بسذاجةٍ وأغمغم: كل شيء كان ..، لكن أكتفي بأن أراقبه وهو يستند إلى المدخنة ويشغّل المثقب الكهربائي ليعود الستيني شاباً قوياً يمارس السباحة وينتزع الميداليات، يضيّق بين عينيه ويضغط، ويغني: هذه الفاصولياء بسبع ليرات ونصف،  وحين يفلت برغي من تحت إصبعه يزفر بقوة، ويقول:
I am old man  ويضحك ببطء وخبثٍ أبيض يذكّرني بروبن وليام ، أترك روبن وليامز يضحك وأنظر، نحو الأسفل، نحو السماء، أحس بالهواء يأتي من كل الجهات، عيناي واسعتان لكني لا أرى في الظلام، قلبي في الأربعين لكني لا أحتمل ربّاً حكيماً يؤنبني على كلّ خطأ، ولا شيطاناً يلقمني الأمل بملاعق اللذة، أنشغل بشيء آخر، وأجيب من يسألني أي شيء " لا أعرف "، لا أقصد أنني لا أعرف، بل لأقول: دَعْني، أنتظر العاشرة لأسمع البيانو الذي يسبق حصة الموسيقى في المدرسة المجاورة ثم أحاول منذ أسبوعين أن أتعلّم البقاء في البيت، أكون الصغيرة تتقيأ ثلاث مرات في شراشفها الزهرية الموسومة بسندريلا وحورية البحر ثم تنمو بين روائح البيض والإقياء، أكون الأم تخفق البيض في المطواة وتشتم منذ الصباح، أكون الأب يخرج مسدسه الفضي عيار 6 ملم ويقترب بهدوء ليطلق رصاصتين من الخلف، وقبل أن يرى جسدها يلامس الأرض يشم رائحة البيض المقلي ويطلق رصاصة في فمه، فلا أكون سوى حلب في ليلة طويلة قبل أربعة عشر عاماً، يوقظني صفير القطار السريع في محطة بغداد قادماً من دمشق، ثم أرى آينشتاين يمدُّ لسانه لي فأمدُّ لساني نحو صورته الشهيرة في ملصق دعائي بأنحاء إستانبول، أمشي في جادة الإستقلال وأكون حذراً، أمشي ولا أقف إلا عند الموسيقيين الجوالة، أبتعد مترين كيلا أقبّل عازفَ ناي أعمى في فمه، أتقصد أن أؤذيه، لك ثدياي عذراء وأنت جميلٌ لكنك ستبقى أعمى، أبتهجُ لأغنيةِ حبٍّ إيطالية من عازفة أكورديون دون أن أترك نقوداً في قبّعةٍ مقلوبة لأرى في اليوم التالي كم كنت وقحاً حين مشيتُ أمامها بظلٍّ سيءٍ طويل، لأنني أستيقظت اليوم أيضاً أغبط نفسي وأشفقُ على شابة صغيرة ترتدي الجينز الأسود وتقرفص سكرانة على أرضية الترامواي بين رفيقين لها في رحلة الثانية عشرة، أغبط الميتالية الصغيرة على خزامة الفضة في جناح الأنف، على القرط في جلدِ حاجبها الأيمن، أغبطُ حبيبها في وشمٍ على الذراع، وأشفق على نفسي حين ألمحُ وجهي في بلور العربة مسطَحاً، لا ملامح له، رماداً بليداً دون شرٍّ أخضر يلتمع في العينين.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا