الناشطة أليس مفرج، تروي حكايات المعتقل وتفاصيله، في النيويورك تايمز

1:39:00 م


وهذه الترجمة العربية للمقال منقول هم صفحة روزا حسن

أليس مفرج مدرسة وناشطة
 كثيرٌ من السوريين رأوْا ما في سجون النظام. وكثيرٌ منهم لم يعيشوا ليرووا قصتهم، كما عشت لأروي قصتي. الاعتقالُ بسوريا يعني أن يقتربَ المرءُ من الموت حتى لا يعودَ بينه وبينه إلا شعرة.
في ربيع 2011، خرج مئاتُ آلافِ السوريين في مظاهرات أملاً في إحداثِ ثورةٍ سِلمية تُفضي إلى الديمقراطية والحرية. في البداية، استَخدم النظام أساليبَ الاعتقال التعسفي والإخفاء والتعذيب، المجرَّبةَ والمختبَرَةَ على المعارضة السياسية منذ سبعينات القرن الماضي. فنشرها الآن لقمع المتظاهرين السلميين الذين نزلوا إلى الشوارع يطالبون بإنهاء الحكم الدكتاتوري.
كنتُ أعمل مدرِّسةً في ضاحية جَرَمانا بدمشق، حيث كنت أقيم وزوجي. كنا نحن الاثنان ناشطيْن في حزبٍ يساريٍ معارض قُمِعَ لِعقود. كنت أدافع عن حقوق النساءِ خاصة، وأسست مع مجموعة من النساء منظمةً تدعى "سوريات لدولة المواطنة" تعمل منذ بداية ااثورة على خلق فرصٍ اقتصادية للنساء والترويجِ للسلم والحدِ من الصراع بين الفصائل المسلحة على المستوى المحلي.
اعتُقِلتُ أولَ مرة في 20 تموز 2011 لمشاركتي في مظاهرةٍ سِلمية وسط دمشق. تعرضتُ، وستة ناشطين آخرين، للكم والضرب بِعَصاً كهربائية من أفراد الشبيحة، الميليشيا البعثية الموالية لعائلة الأسد. أعطى النظامُ هؤلاء المجرمين شيكاً على بياض لترويع كل من يُشَك في تعاطفه مع المعارضة. وقد قاموا بالتحرش بي على العلن قبل تسليمنا للشرطة.
احتُجِزنا في فرع الأمن الجنائي – الشرطة السرية – لمدة 12 يوماً، ثم عُرِضنا على قاضٍ في محكمة أَفرَجَ عنا بكفالة. ثم تلقينا استدعاءاتٍ قضائية لم نستجب لها قط؛ وفي النهاية، أُسقِطَتْ عنا دعوى "التظاهر غير المشروع".
ومع تدهور الوضع الأمني خلال 2012، إزدادت تكتيكاتُ النظام عُنفاً. وتخطى عدد المغيَّبين 200 ألف، منهم 8 آلاف طفل دون سن 8 سنوات و 5 آلاف امرأة.
في 30 كانون أول 2013، عندما ذهبت إلى مكتب الهجرة والجوازات للحصول على تأشيرة خروج لحضور مؤتمرٍمبادرة سوريات من أجل السلام والديمقراطية برعاية الأمم المتحدة، اعتُقلت مرةً ثانية. وصَدرتْ كذلك مذكرةُ توقيف بحق زوجي، لكنه تمكن من الاختفاء مدةَ اعتقالي الثاني.
أبشع ما في تجربة الاعتقال أنها بلانهاية معروفة. كنت معرضةً للموت في أي وقت – كان المعتقلون يموتون بالجملة في كل يوم من أثر التعذيب. أشعر أنني محظوظة لمجرد بقائي على قيد الحياة.
كنا معزولين عن العالم الخارجي ولا نستطيع رؤيةَ محامٍ. ولأكثر من شهر، قَبعتُ في زنزانة مع أكثر من 30 امرأة اعتُقِلن بتهمٍ مختلفة، إما لنشاطهن الإغاثي في المناطق المحاصَرة أو لصِلتهن الشخصية أو الأُسَرية بأفرادٍ من المعارضة المسلحة أو بسبب تقريرٍ أمنيٍ كاذب. كانت مساحة الزنزانة أقلَ قليلاً من 5 أمتار مربعة وكانت مظلمةً باردة وبلا تهوية.
كان التعذيبُ روتيناً. يَعرف تفاصيلَ ذلك كلُ من دخل معتقلاتِ النظام. كان هناك حوالي 40 أسلوب تعذيب موثق، أقلّها تعليق السجناء من أذرعهم إلى السقف وبالعكس ، والصدمات الكهربائية، والضرب، والحرق بالسجائر، وقلع الأظافر. كانت صرخاتُ المعذبين لا تُطاق؛ كدتُ أفقد عقلي هناك.
كان أكثرُ من 60 رجلاً معتقلين في زنزانةٍ مجاورة. وبصرف النظر عن التهم الموجهةِ إليهم ، كانوا يُنعتون جميعاً بالإرهابيين ويُضربون. وكان عددُهم ينقص بموت من يموت منهم ويزيد بمن يُضاف إليهم من معتقلين. وكان بعضُ المعتقلين مجبرين على النوم بجانب جثثِ الذين ماتوا مِن رفقائهم إلى أن يُتخلَّصَ من الجثث. وغزا القملُ أجسادَنا المنهكةَ حتى أصابنا الجربُ والطفحُ الجلدي.
كنتُ محظوظة أني لم أوذَ بدنياً، بخلاف طبيبة كانت معتقلةً معي واتُهِمت زوراً بخطف جنديٍ سوري. فقد علقوها من شعرها بدل تعليقِها من رسغيْها، وراحوا يسكبون عليها الماءَ الباردَ ويصعقونها بالكهرباء حتى فقدت وعيها لأيام.
كنا نُستجوَب لساعات في المرة الواحدة، وكان المحققون يُبقوننا في حالةٍ من التوتر ليلَ نهار. كنت أُجَر إلى غرفة التحقيق معصوبةَ العينين مكبلةَ اليدين. وكان المحقق يلطمني مراتٍ ومرات، ويأمرني أن أوقِّعَ على أوراقٍ بيضاء ليدونَ فيها لاحقاً اعترافاتٍ زائفة.
تفيد تقاريرُ دولية أن 40 في المائة من المعتقلات بموجب قانون الإرهاب بسوريا لم يكنَّ ناشطاتٍ في المعارضة. وغالباً ما كن يُعتقلن لمجرد وجود صلة قرابة بينهن وأحد أفراد المقاومة المسلحة.
بعد نقلنا من معتقلٍ إلى آخر خلال 40 يوماً تقريباً، كنت محظوظةً أن أُطلِق سراحي في إحدى "المصالحات" الأولى، وهي اتفاقٌ لوقف إطلاق النار بين الجيش والثوار. كانت هذه المصالحات غالباً ما تأتي بعد أن يحاصِرَ النظامُ منطقةً ثائرة ويُخضِعَ أهلَها للتجويع؛ فكانت المعارضةُ المسلحة تلقي السلاح وتسلِّم المنطقةَ بموجب اتفاق يتضمن تبادلاً للأسرى.
عندما خرجت من السجن، هرب زوجي عبر الحدود إلى لبنان وكان قد بقي بسوريا لرعاية طفليْنا فقط. كنتُ آنذاك ممنوعةً من السفر لا أستطيع مغادرةَ دمشق. ليس هذا فقط بل إن القانونَ بسوريا لا يعترف بحقوق المرأة، فقد فقدت الوصاية على و ولديّ لأن القانون السوري لايحمي المرأة ويعطيها هذا الحق. ثم منحني قاضٍ في الأخير حقَ وصاية مؤقتة لهما وإذنَ سفرٍ مؤقتاً بحكم اختفاء الزوج . فغادرنا إلى بيروت وقدمتُ طلبَ لجوءٍ سياسي لكننا عَلِقنا هناك بلا عمل وظل ولدانا بلا مدرسة.
إننا، نحن الذين رأوْا ما بداخل سجون النظام، نناشد المجتمعَ الدولي أن يقفَ ضد الوحشية الكارثية بسوريا، ويضغطَ على جميع الأطراف وداعميهم لاستئناف المفاوضات السياسية استناداً إلى جنيف 1. الخطوة الأولى نحو أي حل هي وقف القتل والاعتقال والإخفاء. ولا بد من أن يُسمَحَ للمراقبين الدوليين بزيارة المعتقلين لتفقد ظروفهم.
وبالرغم من الوضع الأمني الرهيب، ما زلت أنوي العودةَ إلى سوريا إذا وجدتُ فرصةً لذلك. في النهاية، يجب إنهاء هذا النزاع المسلح والوصول إلى تسوية بشأنه ، وأعتقد أنه من الضروري إشراك النساء السوريات أيضاً في المحادثات من أجل التوصل إلى اتفاقٍ نهائي.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا