يشار كمال في: سلطان الفيلة

3:16:00 م


رحل يشار كمال
وفي السبت في إسطنبول الروائي التركي يشار كمال عن 91 عاما بعد تدهور حالته الصحية إثر صراع طويل مع المرض، وهو يعد أحد أهم الكتّاب في تركيا وأكثرهم شهرة وقد ترجمت أعماله إلى أربعين لغة.
وكان الأديب الراحل قد نقل إلى مستشفى في إسطنبول منذ منتصف يناير/كانون الثاني الماضي لعلاجه من مشكلات في الجهاز التنفسي والقلب، لكنه توفي بعد تدهور حالته الصحية.
ووصل كمال إلى العالمية من خلال خياله المدهش والمتدفق في أعماله الروائية وفهمه الكبير لأعماق النفس البشرية واستلهامه التراث التركي والكردي، وهو ما تعكسه أعماله الأدبية التي جعلته واحدا من الشخصيات الرائدة في الأدب العالمي.


وكتب عنه آزاد أحمد علي في موقع التمدن:


يعتبر يشار كمال أحد أهم الروائيين في تركيا المعاصرة، فهو من مواليد منطقة وان الكردية على الحدود الإيرانية، ولد عام 1923. رحل أهله إلى منطقة جكوروفا قرب البحر المتوسط. عاش فيها طفولته وشبابه، وترعرع ضمن وسط قروي تركي كردي تركماني مختلط. كان يشار ابنا لأسرة فقيرة ومهاجرة فلم يتمكن من إتمام تعليمه، كما لم يحصل على شهادة عالية، إذ دخل المدرسة وهو كبير نسبيا وكان هاجسه أن يقرأ فقط. أتم تعليم الابتدائي واشتغل بعدها في التدريس. ففي أعوام 1941 ـ 1943 ساعد معلم مدرسة القرية وعلم الأطفال. ومن ثم تابع قراءة الصحف والمجلات بشغف، وكان دائما يحلم بأن يصبح كاتبا. وتحقق حلمه فنشرت له في البدء مجموعة قصائد، في الصحف والمجلات بمدينة أضنه.
عمل لاحقا كاتبا للعرائض، إلى حين أن رقي إلى العمل في صحيفة الجمهورية الصادرة بإستانبول، نشر فيها تحقيقات عديدة. لمع اسمه ككاتب مع صدور روايته الأولى أنجه محمد «محمد يا صقري» التي نشرت في أعوام الخمسينات ولاقت إعجاباً ووزعت بشكل واسع روايته هذه، كما ترجمت إلى العديد من اللغات منها العربية.
استمر في إصدار الروايات المميزة التي تدور أحداثها في الريف الكردي والتركي، واستلهم من البيئة التي نشأ فيها بمنطقة جكوروفا مجمل عناصر ومادة رواياته، صور معاناة العمال الزراعيين والتطور الذي تبع استخدام الجرار في الزراعة والتأثير السلبي الذي لحق بمجتمع الفلاحين والعمال الزراعيين. تجسدت تلك الأفكار بأجمل صيغة في روايته الرشيقة (شجرة الرمان) وهي رواية قصيرة ممتعة ترصد شقاء وجماليات حياة العمال الزراعيين في سهول جكوروفا وهم يكدحون ويرحلون من قرية إلى أخرى بحثا عن العمل ولقمة العيش. وعلى ما يبدو أن هذه الرواية لم تترجم إلى العربية. 
أما روايته التي نحن بصدد استعراض خطوطها العامة فهي جديدة ومختلفة عن باقي روايات التي كتبها يشار كمال. تأتي خصوصيتها من حيث أسلوب السرد وبناء الحدث، كما أن الدلالات والرموز موظفة سياسيا وفكريا في النص الروائي. تجري أحداثها في عالم الحيوان المفترض. يرتكز النص على دلالات اختيار عالم الحيوان أولا، ومن ثم تقسيم هذا العالم إلى سلاطين وحكام، أي حيوانات قوية وضخمة وكسولة ممثلا ب "الفيل" ، وعالم آخر صغير ميكروسكوبي ممثلا بمملكة النمل، هذا الكائن الصغير النشيط العامل بجد طوال حياته.
تبدأ الرواية بهجوم الأفيال على بلاد النمل وتدمير مدنهم وقراهم وسحقهم تحت الأقدام واحتلال وإخضاع مملكتهم للسلطان ـ الفيل. ونظرا لإسلوبه الوعظي الإرشادي التبشيري في النص يبالغ يشار كمال في إبراز تناقضات هذين العالمين: عالم الفيل ومجتمعه وعالم النمل ومجتمعه، وبالتالي عالم الكائنات الصغيرة المسحوقة وعالم الحيوانات العملاقة التي تسيطر على الآخرين الأصغر حجما وقوة.
ومن خلال تنامي الأحداث والصراع بين النمل والفيل تتبلور أفكار جديدة ويبرز وعي النمل بواقعه وضرورة الخلاص من جور الفيلة وظلم سلطانهم. ورفض تجميع البذور والأطعمة المجففة واللوز لهم، وتخزينها ليلتهمها السلطان في المحصلة.
يدخل على خط تماس الأحداث طائر الهدد طائر "الملك داود" الذي ربما يشير بدلالة رمزية إلى دور اليهود أو إسرائيل في الأحداث والصراعات المعاصرة في تركيا، حيث يشغل الهدد منصب مستشار السلطان ومراسله الخاص إلى مملكة النمل.
وينسق ويخطط مع السلطان الذي ظهر في النص الروائي فيلا ضخما أبيض اللون هائل الحجم لا يريد لأحد المنافسة أو تقاسم السلطة في مملكته التي تحكم النمل وتسيطر عليهم وعلى مخزونهم.
يدفع طائر الهدد السلطان للعمل على تفتيت جموع النمل وإخضاعهم لسلطة الفيل المتوارثة، مما أدى إلى قيام مجاميع النمل الفقيرة باللجوء لتأسيس رابطة تحمي حقوقهم وتحفظ مصالحهم في كل الأصقاع والمناطق البعيدة /ص25/ 
يساهم الهدد مع السلطان لنشر نظرية تشير إلى أن النمل أصله فيل ويحاولون إقناع النمل بذلك، فيقتنع جزء من النمل بهذه النظرية ...
هنا تبرز في النص إشكالية رمزية الانتماء ودلالات توظيف عوالم الحيوان، فبالإضافة لهذا الغرض، أي غرض الانتماء إلى هوية طبقية وقومية محددة..
يتم مقاربة فنية لعوالم تركيا وهوياتها القومية والاجتماعية المركبة، فثمة قراءة أخرى لهذه الرواية تشير إلى أنه من حيث التوظيف والدلالة الرمزية فإن مملكة النمل تعبر بصيغة ما عن بلاد الأكراد ومناطقهم ومجتمعهم النشيط الكادح المغبون، وان مجموعة الفيلة تمثل السلطان والحكم التركي وسلطتهم التاريخية.واحتلالهم التاريخي لكردستان.
في حين القراءة الأكثر تفصيلا والأوسع ترجح اعتبار جموع النمل هي التعبير عن الطبقات الشعبية التي تعمل وتنتج الخيرات، فهم بالتالي جماهير الكادحين حسب أدبيات أواسط القرن العشرين الاشتراكية.
تسير الأحداث ويتضرر عالم النمل ويشتد غضبهم، يقاومون جور الفيل وسلطانه، يلجأ كل من الهدد والفيل لزرع بذور الشقاق بين أطياف النمل فيعم الخلاف مملكة النمل وينقسمون إلى ألوان (الأحمر، الأصفر، الأبيض)، يختلفون، يتصارعون وتجري بينهم معارك طاحنة، تسيل دماء النمل بغزارة على الأرض، تتعزز سيطرة الفيل وتسلط السلطان على ما تبقى من مملكة النمل، لدرجة أن يخضعهم خضوعا تاما ويفرض عليهم شروط قاسية لجمع الثمار وتخزينها في المستودعات، وبناء قصر من الكريستال للسلطان، وكذلك تأمين كل مستلزمات الحياة الرغيدة له وصولا إلى طلب تأمين ماء الحياة والشباب والخلود للسلطان نفسه، وإلا ستكون عاقبة النمل وخيمة.فتتضاعف معاناة النمل ودرجة شقائهم.
تجري كل هذه الأحداث بلغة روائية بسيطة وسرد سلس. تعيد مملكة النمل وحدتها لاحقا ويبرز الطموحات في تحررها من جور سلطان الفيلة من جديد. إلا أن يثور النمل فتنطلق ثورتهم من الجبال ضد سلطة الفيل، ولكن تفشل المحاولة ويلجأ السلطان من جديد إلى سحق النمل وترهيبه وخداعه لضمان السيطرة على هذه الكائنات المليونية النشيطة. 
وبعد طول معاناة وتردد تصطف جموع النمل حول قائدهم "الحداد الأعرج" ويتفقون جميعا على حفر الأرض تحت أقدام وقصور وكل مواقع السلطان وأتباعه من الفيلة.
ثم يرددون أغنية جميلة هي أغنية التحرر من بطش وجور السلطان، ويرفع جموع النمل راية حمراء، وهنا يستحضر الروائي الكبير يشار كمال أجواء الرومانسية الثورية في النصف الثاني من القرن العشرين، ويواكب انتشار فكرة الثورة الطبقية بكل رومانسيتها وعنفوانها. ويلفت النظر إلى ترابطها الجدلي مع قضايا تحرر الشعوب المضطهدة.
ينجح النمل في حفر الحفر الكبيرة تحت أقدام الفيلة، الذين يسقطون بغباء في حفريات عميقة وتزلزل الأرض تحت أقدامهم...
ربما كان هذا هو حلم يشار كمال بعالم لا يسوده السلاطين ضخمي الأجساد، عالم يعيش فيه النمل المنتج ضمن مملكة ووطنه بسلام.
بدت الرواية على الرغم من دلالاتها ورمزيتها وشفافيتها وصياغتها للعلاقات في علم الحيوان الموازي والمتداخل مع علم البشر وكأنها خطاب أيديولوجي مصاغ فنيا في منتصف القرن العشرين. طغت على النص النزعة الرومانسية الثورية، وكذلك عانت من بعض الاضطراب في توظيف الرموز والدلالات، مما سبب تباينا في مستويات قراءة وتحليل النص.
لكن نصه هذا أكد من جديد على نهاية حياد الكاتب، وعلى الأرجح سببت هذه الرواية بتصنيفه أيديولوجيا ووضعه على القائمة الحمراء، ولربما أضرت بمجمل نتاجه وباقي رواياته الجميلة. فمازال يشار كمال جالسا في الظل، يراقب ويكتب، وهو شبه منسي، إذ لم ينل حقه كأحد أهم كتاب تركيا وآسيا وربما العالم المعاصرين.
ــــــــــــــــ
سلطان الفيلة ـ رواية ـ يشار كمال
ترجمة: مصطفى ايدوغان
طبعة: نودم ـ باللغة الكردية ـ السويد 1998
عدد الصفحات 239 ـ قطع متوسط

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا