الحمل

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟
مقاربة

 من الطبيعي ان نصاب بهذه الصدمة المروعة وتتقطع قلوبنا ألما على آثارنا الغالية، فهي على الأقل اخر ما تبقى لنا كي نباهي به الشعوب الاخرى، فنحن لم نترك اثرا مهما منذ بابل وآشور وأور وسواها .

من حقنا ان نحزن بعمق، نحزن بطريقة تتناسب مع هذا الالم، وتتناسب مع مناسبة الحزن نفسها، اذ لا يعقل ان نحزن من اجل فناء رموز حضارية ، بطريقة غير حضارية، نتألم من اجل رمزية هويتنا التاريخية المشتركة، ولكن بطريقة تشكك بهذه الهوية وتعمل على تشتيتها، التعبير عن الحزن سلوك انساني راقي، وليس (وليمة عارية **) للشتائم والتشفيات.. الشعوب التي لا تعرف حتى ان تحزن بإنسانية، وتتكاتف في اللحظات العصيبة، لا اعتقد انها ستعرف طريقها للفرح والبهجة ايضا. 


كلنا نعرف الاسباب التي فقدنا بموجبها نينوى الغالية بيد عصابة همجية ، كلنا ندري بان داعش لم تواجه جيشا مدربا قويا قادرًا على حماية البلد ، لقد بدد اللصوص والفاسدون والكذابون ثرواتنا الهائلة وتركوا اخوتنا الجنود البسطاء يواجهون مصائرهم بلا عدة عسكرية وبلا تدريب وبلا غطاء جوي، لقد تركوهم في العراء يواجهون المذبحة . 

كانت نينوى وطوال تاريخها، تفخر بآثارها وحضارتها وجامعتها، الموصل ألان مثلها مثل المدن السورية، مختطفة ومغلوبة على امرها، وتواجه احقر مجموعة بشرية تحرق أسراها احياء في أقفاص من حديد . اي شخص منا قدر له ان يعيش في الموصل الان فمن المؤكد انه سيروع وسيصاب بنوبات الرعب على نفسه وعائلته، سيرتجف هلعا بين جدارن الجريمة الذي صممتها داعش من حولها . نحن نعرف اهل الموصل جيدا، عشنا معهم، دخلنا بيوتهم، تشاركنا معهم مقاعد الدراسة وخنادق الحرب، نحن نعرفهم جيدا. ليس من شيمتهم اطلاقا التنازل عن عمقهم التاريخي لحفنة من الاوباش. 

هناك مستعمرات طلحبية من العوام والدهماء و سفهاء العقول يجروننا في كل مناسبة الى مناطق تفاهاتهم ويقسموننا بمشيئتهم ويصنوفننا على هواهم ويحولون أحزاننا الوطنية الى حفلاتهم الطائفية البشعة . وللاسف نتورط معهم احيانا في لغة لا تليق بنا ، خاصة ونحن نبكي حضارات الاف السنين التي ندعي علاقتنا بها .

الآحزان الوطنية، مثل مجزرة يوم الامس الاسود ، مثل جريمة سبايكر ، مثل سقوط الموصل، يجب ان توحدنا ، يجب ان نضع أيدينا بايدي بعضنا كي نتقاسم الالم ، كي نتجرع المِحنة، كي نبقى اقوياء ، كي ندحر عدونا المشترك. عدونا الحقير الذي للاسف بات يعرف نقاط ضعفنا ويوظفها في كل مناسبة. 

قليل من الحب هو ما نحتاج اليه ، قليل من الحكمة والهدوء، هو ما نحتاج اليه ، لنجعل من مصائبنا الوطنية مناسبات للتقارب، للوئام، للسلم الوطني، لقد شبعنا من التفاهة ، لقد أصبحنا عبئا على أنفسنا . 

لقد افرطنا في الكراهية حتى تحولت الى داء وطني مزمن . 

خذ طائفيتك بعيدا عني ، أرجوك لم أعد احتمل .

** الوليمة العارية عنوان رواية لعلي بدر، هي من اروع ما قرأت...


(*) كاتب عراقي
فسبكة

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top