من «الأحمر» إلى «الأخضر»، دانييل كوهين بنديت ـ بشير هلال

6:37:00 ص


بشير هلال

بدا دائماً رجُلاً يجيد القدوم من الهوامش والأطراف والأقاصي ليلعب في الرقعة المركزية للأحداث. هكذا منذ الثورة الطلابية في 1968، التي كانت ثقافية جيلية وسياسية معاً. ضد سلطة ديغول ولكن ايضاً ضد كل «سلطة» بالمعنى التراتبي والتنخيب الطبقي الإقصائي، وضد الضبط الاجتماعي التقليدي القامع للفرد وللجنس وللنسوية وللشباب. وضد الرأسمالية لكن أيضاً ضد اشتراكية مركزية شمولية تدَّعي، وهي تشيد غلبة نظامها الجهازي، أنها تقيم للبروليتاريا «المُخلِّصة» والمؤلَّهة كنيسة الشباب والتجديد الدائميْن. ضد المع والضد معاً. رجُل القيادة الميداني لمشروع تجاوُزي يوتوبي يلخصه الشعار «الغنائي» الذي انطلق خلال هذه الثورة: «كونوا واقعيين، اطلبوا المستحيل». «المستحيل الواقعي» الذي يجمع في «باتش وورك» ساحر بين ماركس، من دون لينين، وباكونين وماركوز وغيفارا وهوشي منه وماو وثورته الثقافية والبيتلز والرولينغ ستونز وحبوب منع الحمل وبراعم البيئوية السياسية و«الفهود السود» ومارتن لوثر كينغ والعداء للامبريالية والتسيير الذاتي واللامركزية والعودة الى الطبيعة وكراهية مدن التنك.
رجل حركة 22 آذار (مارس) الذي منعته سلطات فرنسا، وطن والدته، من الاقامة في أراضيها اثناء «الثورة»، ليدخلها مراراً في السر قبل انطفاء الثورة الميداني وتمددها الفعلي في ثنايا الحياة الفرنسية والاوروبية عبر تحديث ما بعد المجتمع الصناعي. الرجل الذي كان يبدو كما لو أنه يتلاشى بعد ذلك، لم يكن في الواقع يفعل أكثر من مراجعة تجربته ليضيف اليها براغماتية تُواصِل ولا تقطع مع المصادر الحقيقية ليوتوبيا واحلام تلك المرحلة، وليبدأ منذ 1984 نشاطه مع الخضر الالمان وليصبح عام 1994 نائباً عنهم في البرلمان الاوروبي، ثم رئيساً لكتلة الخضر فيه منذ 2002 وناطقاً رسمياً باسم حزب الخضر الاوروبي المُنشأ عام 2004 قبل أن يترشح لانتخابات هذا البرلمان وينجح كمرشح في فرنسا على لائحة «اورويا البيئة» التي حصدت أعلى رقمٍ للخضر في تاريخهم: 16.28 بالمئة من الاصوات.
هكذا من الطرف الهامشي الذي كانه الخضر في فرنسا والمانيا واوروبا عموماً قبل ثلاثين عاماً، باشر مرة ثانية السياسة ليعود فيصبح في قلب ديناميتها كمواطن «اوروبي» وفيديرالي، كأنه استشرف تحول القضايا التي يحملونها محوراً تاريخياً جديداً للعمل السياسي، بصرف النظر عن تفاصيل حيواتهم الحزبية وتبدلاتها وتلويناتها. التأثير في التغيير وعبره يبدو اليوم في قلب نشاطية دانييل كوهين. وهو يدين بذلك ليس الى حزب بذاته ولا الى فكرة بعينها، بل ربما اكثر الى رؤيته بأن المجتمع بإمكانه لعب دور لا تستطيعه الدولة ولا يجب ان يقتصر عليها، ولإيمانه ببراغماتية تكره توهُم السياسة انطلاقا من منظومة تدّعي تفسير وحلّ كل شيء.
في نهاية مقابلة معه في مكتبه بمقر البرلمان الاوروبي في ستراسبورغ، قلتُ له إن أول مقالٍ كتبتُه ونشرتُه في جريدة «الاخبار» الشيوعية آنذاك، كان في نقد سياسته في الثورة الطلابية باعتبارها يساروية مغامِرَة. نقدٌ استلهم حذر الحزب الشيوعي الفرنسي ومُحافظته السياسية والايديولوجية. لم يتسع الوقت لأضيف أن «مغامرة» الثورة الطلابية التعددية العصرية فشلت ميدانياً لكنها نجحت في إذابة جليد المحافظة وعالم النظام الصناعي التقليدي وبقايا الكولونيالية، بينما نحن نجحنا عبر «واقعيتنا» اللينينية الزاعمة الضديةَ لمغامرة «اليسار الطفولي»، في الانقياد إلى أحضان الحروب المتناسلة التي أوقفت تيار إذابة جليد العصبيات الأهلية وحروبها «الوطنية» الباردة. فاقتضى التنويه...
بشير هلال: لقد انتقلت من اقصى اليسار الى المعارضة البيئوية. من داني الاحمر في الثورة الطلابية عام 1968 الى داني الاخضر. هل هناك شيء خلاصي ما
تستبطنه سيرتك؟ 
دانييل كوهين بنديت: ليس الأمر كذلك تماماً. فالثورة الراديكالية اليسارية التحررية لعام 1968 التي لعبت فيها الحركة الطلابية دور الكاشف والحافز، كانت ثورة سياسية من النمط الراديكالي الكلاسيكي، بمعنى انها كانت تحمل الأفكار الثورية لديموقراطية هادفة إلى المساواتية والتحرير في العادات وتلك المنتسبة لأقصى اليسار والداعية إلى التسيير الذاتي. وهي مزائج استلهمت مروحة واسعة من المفكرين من باكونين إلى هربرت ماركوز. وهي في الواقع أفكارٌ من القرن الماضي. وانتقالي إلى «داني الأخضر» كما تقول هو عملية مركّبة نتجت عن وعي مُضاف ببدء مرحلة جديدة من التاريخ الانساني عنوانها الضرورة العاجلة لايقاف الانهيار البيئوي لعالمنا عبر إيصال المجتمعات إلى مرحلة التمكّن من تبني السياسات واتخاذ التدابير الآيلة إلى ذلك. ما يستلزم وعياً سياسياً جديداً أسْميتَ ذلك خلاصياً أم لا. اليوم لا تستطيع انتظار الثورة لحل مسائل التدهور البيئوي. وهذا ما اختبرته جيداً من موقعي كنائب عن «الخضر» في البرلمان الاوروبي.
بشير هلال: من الممكن حماية البيئة من مسارها التدهوري دون اجراء
تغييرات سياسية؟
دانييل كوهين بنديت: لا، التغييرات السياسية ضرورية الى ابعد الحدود. ولكن السياق الوحيد الذي يسمح لك بالوصول الى هذه التغييرات هو عملية الاصلاح في المؤسسات الديموقراطية.
بشير هلال: عندما تقول انك كنت تحمل مشروعاً كلاسيكياً لأقصى اليسار التحرري، يكون رد فعلي الأول سؤالك عمّا بقي لديك من هذه الأفكار؟
دانييل كوهين بنديت: يبقى ذلك التوجه المجتمعي الإعتاقي والمساواتي والعمل على قاعدة انه لا يمكن ايجاد الحلول عبر الدولة وحدها، وأنه لا بد من تحسيس المجتمع كمواطنين بمسؤولياته الخاصة في التطور السياسي، بهدف توسيع أشكال التسيير الذاتي في المؤسسات والمدينة. والتحسيس بالمسؤولية هذا لا يعني تشريكاً يلائم التوجه التحريري للفرد المواطن في الدول الديموقراطية وحسب، بل هو يشكل أيضاً ضمانته.
بشير هلال: كثوْري راديكالي في وقت معين من حياتك ماذا يعني لك اليوم النشاط البرلماني؟ هل يسعدك أن تمارسه؟
دانييل كوهين بنديت: أنا اعشق البرلمان الاوروبي. إذ أجده برلماناً فريداً وشديد الخصوصية بعكس البرلمانات الوطنية التي أعتبرها مضجرة إلى حدٍ ما. إذ في الأخيرة تتموضع غالباً في سيناريوات مغلقة. فإمّا أن تكون من مجموعة الأكثرية وفي هذه الحالة يتوجب عليك القول ان الحكومة على حق أو في مجموعة المعارضة وعليك ساعتها أن تقول ان الحكومة على خطأ. في البرلمان الاوروبي يجب دائماً ايجاد أكثرية. كل قانون وتشريع يجب ان يجد أكثريته الخاصة التي قد لا تتطابق بالضرورة مع التمايزات السياسية. هذا ما هو مثير للاهتمام وساحر. البرلمان الاوروبي بهذا المعنى اكثر انفتاحاً. وهذا ما يجعلني أجد نفسي في هذا الفضاء السياسي.
بشير هلال: إلى اي درجة انخرط رفاقك واصدقاؤك في أيار 1968 في مسارات شبيهة؟ وهل اتخذوا مسافة مع ماضيهم؟
دانييل كوهين بنديت: قلة اختطّت المسار الذي اختططتُه. تجد أناساً مثل ألان جيسمار الذي كان أحد قادة حركة 1968 وغدا بعدها أحد مؤسسي تنظيم «اليسار البروليتاري» الماوي وسُجِن لهذا السبب، قبل أن يجد نفسه لاحقاً في الحزب الاشتراكي ومفتشاً تربوياً عاماً ثم أستاذاً محاضراً في معهد العلوم السياسية. ثمة شخص آخر مثل جاك سوفاجو الذي كان نقابياً طلابياً وعضواً في الحزب الاشتراكي الموحد وانصرف بعد ذلك الى تدريس مادة النهضة والقرون الوسطى. معظمهم لم يتابعوا في العمل السياسي وأغلبهم غدوا أساتذة ومدراء مؤسسات وصحافيين مثل سورج جولي الذي ساهم في تأسيس جريدة «ليبراسيون» وقليل من السياسيين مثل هنري فيبير الذي غدا نائبا عن الحزب الاشتراكي في البرلمان الاوروبي. هل اتخذ هؤلاء الناس مسافة مع ماضيهم؟ لا، لقد تطوروا وطوروا مواقفهم مع الوقت. يكون عندنا تاريخ نتطور فيه وعبره. نُعطى فرصة للتأمل والتفكُر في تغير المجتمعات والأزمنة.
بشير هلال: على سبيل المثال يقول جوزيه بوفيه الذي هو صديقك ان البيئوية لا تتلاءم مع الرأسمالية؟ هَل لا زلتَ تطالب انت أيضاً بتغيير النظام الرأسمالي؟
دانييل كوهين بنديت: نتناقش كثيراً في هذا الموضوع. ولكل منا طريقته في التعبير عما يعتقد. في الحقيقة، البيئوية تستلزم إصلاحات تغير الرأسمالية بعمق.على هذه النقطة نحن متفقون كما نتفق على أننا لا نريد اقتصاداً دولتياً أو مُخَططاً مركزياً. ولكن النقاش هو كيف يمكننا القيام بهذه التحولات وقيادتها. ومن وجهة نظري فإن اقتصاد سوقٍ مقرون بضبطٍ وقوْعَدَة، وفيه إلى جانب الشركات مؤسسات مُسيَرة ذاتيا واقتصاد تضامني بدائلي، قد يكون أحد مفاتيح الإجابة. ولا علاقة لذلك بما يسميه الحزب الحاكم في الصين مثلا اقتصاد سوق اشتراكي. المقاربة ليست مشابهة. لنأخذ مثلا بسيطا: كل الناس اليوم يناقشون أزمة المديونية. أقصى اليسار ورفاقي البيئويون الفرنسيون هم ضد السوق، وبعضهم لهذا السبب يقف مع فكرة «نزع العولمة» Démondialisation، أو مع فكرة إبطاء النمو Décroissance دونما تمحيص لمآلاتهما. وأعتقد أنه كي نكون منسجمين مع أنفسنا كبيئويين يقولون بمجتمع الرزانة في الاستهلاك، علينا العمل وفق قاعدة أنه لا يسَعْه أن يكون مجتمعا اقتراضياً سواء كان هذا الاقتراض عمومياً او خاصاً، وإلاَّ استمررنا بانتاج وصناعة المديونية التي هي السبب الرئيس في الأزمة الراهنة المتحولة من ماليةٍ بدايةً إلى اقتصادية شاملة الآن. إن لم نقُل ذلك ونعمل بوحيه فإننا نمر الى جانب الاصلاحات البيئوية الضرورية. فإذا كنا نُحبِذ تقليص استهلاك الطاقة الناضبة فإن ذلك يُلزمنا على سبيل المثال - وبين عناصر أخرى- باعادة النظر بقطاع وبكيفيات البناء والعمارة مما سيعني نمو وزيادة بعض الانشطة الحرفية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. إبطاء النمو هو مفهوم عمومي اجمالي بينما يجب ان نُعيِّن اين نريد النمو أو التقليص وكيف. هذا يعني ان إطلاقية المفهوم تنزع عنه الصدقية العلمية والعملية. مثل آخر، البيئويون يطالبون بتقليص اعتماد الطاقة النووية في انتاج الكهرباء ولكن بالمقابل يجب ان يكون لديهم مقترحات حقيقية لتنمية طاقات بديلة. بعضهم يتصرَّف كما لو أن هناك عبارة او مفهوماً يحلان كل المشاكل.
بشير هلال: هل هذا مدخل لتبرير عدم ايمانك بالأفكار الكبرى، وبالتالي ما يتهمك به البعض من تغييب او اضاعة للمعايير في نشاطيتك السياسية عبر دعواتك إلى إعادات نظر متتالية بتركيبات المشاهد السياسية والتحالفات في فرنسا والمانيا وعلى النطاق الاوروبي؟ 
دانييل كوهين بنديت: لا ليس هذا بالضبط. أنا لا أؤمن بالتبسيط عبر الأفكار والمنظومات الكبرى. إذ يجب في السياسة تدبير التعقيدات والتشابكات المختلفة وهذا لا يتم بالتبسيط والاختزال وبالتمسك بالتعميمات الاطلاقية. هناك تبدلات طيلة الوقت تستوجب المعالجة وجل ما نستطيعه هو تضمين مقارباتنا عدداً من المعايير والقيم الاخلاقية الأساسية مثل العدالة والمساواة والتضامن والتعاضد. ومن جانب آخر فعندما أتكلم عن اعادة النظر بتركيبة المشهد السياسي فلأن التغييرات التي نطالب بها كبيئويين لا يمكن فرضها بواسطة أكثريات بسيطة من نوع 51 الى 49 بالمئة. إذ أنها تغييرات في طُرز الحياة تتطلب العمل لانتاج إجماعات مجتمعية جديدة ونوع من التوافقات السياسية الموازية في امور محددة. وهذا ما تعنيه بالنسبة لي اعادات تشكيل المشهد السياسي.على سبيل المثال هناك نقاش اليوم بين الاشتراكيين والبيئويين على موضوع الخروج من النووي. أنا مع هذا الخروج بينما الاشتراكيون منقسمون بين مؤيدين، أكثر او أقل، وبين معارضين له. البيئويون يقولون للاشتراكيين اليوم بمناسبة التحضير للانتخابات الرئاسية وانتخاب التشريعيات العام المقبل: نريد اتفاقاً فورياً على الخروج من النووي الذي يمثل 70 بالمئة من انتاج الكهرباء في فرنسا. أنا لست موافقاً على مطالبة رفاقي لأن البلاد لم تشهد حتى الآن نقاشا وطنياً عاماً حول الطاقة من مصدرٍ نووي، ولأن هذا النقاش بقي ضمن دائرة تكنوقراطية مغلقة. ما أقوله انه يمكننا اليوم صياغة اتفاق على تقليص نمو المعامل النووية وعلى إطلاق نقاشٍ وطني حول موضوع تجديد هذه المعامل او تفكيكها. يجب تحسيس المجتمع والمواطنين بمسؤوليتهم وصولاً الى استفتاء. كما انه يجب ان تربح الانتخابات أولاً لتستطيع إطلاق النقاش. هذا سياق جرى اختباره في المانيا: فاتفاق «خضرها» واشتراكييها على الخروج من النووي سبقه نقاش وطني لمدة عشرين عاماً ومؤتمران للحزب الاشتراكي الديموقراطي. بينما لم يكن هناك في اي يوم نقاش حول الخروج من النووي في الحزب الاشتراكي الفرنسي ولا في غيره من الاحزاب. وبالتالي، لا يمكننا اعتماد المثال الالماني كما هو.
بشير هلال: العام القادم هناك رئاسيات وتشريعيات فرنسا. ولديكم في «اورويا - الخضر» مرشحة على ما يبدو، وهو ما لا يستهويك؟
دانييل كوهين بنديت: لا ليس هذا تماماً. انا ارى ان مجال الخضر في المعركة الرئاسية شديد الضمور كما تشير استطلاعات الرأي. ولا اعتقد ان عليهم المشاركة فيها. وهذا ما دافعت عنه دائماً. ولكن غالبية البيئويين تريد ذلك وعلينا انتظار ما سيعنيه قرارهم. وذلك لمفارقة بسيطة قوامها ان جمهور الخضر والبيئة الاساسي يريد هزيمة ساركوزي في الرئاسية المقبلة. فالناخبون يريدون للمرشح ضده - وهو مرشح الحزب الاشتراكي فرانسوا هولاند الذي اختارته التمهيديات المفتوحة لهذا الحزب - أن يكون في الطليعة عشية الدورة الاولى. وليس فقط لعدم تكرار مشهد 21 نيسان (ابريل) 1995حين تأهل لو بن زعيم الجبهة الوطنية اليمينية كمنافس لشيراك بدل جوسبان، ولكن لأن الخروج في الطليعة من الدورة الاولى يعطي دينامية ربح. وحتى التمهيديات برهنت ذلك على مستوى المعنويات. وفي هذا السياق وجدتُ من السيئ ان يقوم ناطقون ومنتخبون من البيئويين بالدعوة علناً الى مناصرة مارتين اوبري في تمهيديات الاشتراكي. هذا ليس دورنا، إذ ليس للخضر ان يحددوا مرشح الاشتراكيين. ولذا فلست متفائلا بمعركة مرشحتنا. ليس لأنها ضعيفة فهذا ما كان سينطبق عليَّ او على سواي لو ترشحتُ مكانها. انها مشكلة ضيق الحيز السياسي.
بشير هلال: في نفس خط البراغماتية تقول في مقابلة انه يجب التكيُف - ولكن ليس كثيراً - للوصول الى السلطة. هل هذا ما يلخص جوهر فكرتك عن السياسة؟
دانييل كوهين بنديت: لقد كنتُ دائماً متحفظاً على السلطة وممارستها. وما عدا مساهمتي الضرورية والاضطرارية في بلدية مدينة ألمانية فأنا لم أمارس سلطةً ما. منذ سنوات وأنا نائب ولست ولا اريد ان اكون وزيراً. ستقول لي إن النائب أيضاً لديه سلطة ما ولكن ما اريده حقيقة هو ان يكون لي تأثيرٌ دونما سُلطة. وكنائب فلي فعلاً بعض التأثير في نقاش عددٍ من المواضيع كما في النقاش حول البناء الاوروبي وسواه، لكن لا اريد ان اكون في السلطة لأنها تنشئ نوعاً من الاختزال والابتسار المُضِرَّيْن. هذه مسألة خيارات يتبعها المرء. رأيتُ اصدقاء مثل يوشكا فيشر [وزير الخارجية الالماني الاسبق] يصبحون وزراء وهذا خيار. خيار حياة وليس الحياة. أن تكون وزيراً يعني ان تصبح أداة للسياسة وخاضعاً للمفكرة التي يدْعونها أجندة الحكم، وليس هذا مفهومي للحياة، وهو كما ترى مفهوم شخصي. وانا أتكفل بهذه الفردانية وبحريتي.
بشير هلال: لنقترب من موضوعٍ آخر يبدو شاغلاً هو التركيز من منطلقات سلبية على موضوع المهاجرين في اوروبا وبخاصة المسلمين منهم؟ هل هو يأخذ المكان المنسوب تاريخياً للعداء للسامية الذي يبدو بنظر كثيرين في مرحلة التلاشي؟
دانييل كوهين بنديت: نعم ولا. موضوع العداء للسامية لم يُسوَّ تماماً. هناك عداء للسامية في طور الكمون لكننا اليوم نجده مُتجاوَزاً - ولكن غير ميت - يتجاور مع عداء آخر أكثر حضوراً هو الاسلاموفوبيا. الظاهرتان تتواجدان معاً ولكن هناك واحدة اكثر دوياً وحِدَّة من الثانية. اعتقد اننا امام مجتمعات تائهة تفكر ان التهديد يأتي من الاسلام والمسلمين وهي لا تميز بين الاثنين، ويجب القول ان هناك بعض القوى الاسلاموية التي تسهّل مهمتها. والحال اذا حكَّيت جيداً فستجد هذيْن العداءيْن. وعلى سبيل المثال اذا سألت العائلات الفرنسية الرفيعة عن رأيها في زواج ابنائها او بناتها من يهود فجواب ستين بالمئة من أعضائها سيكون أن ذلك ليس ضرورياً. واذا كان المقصود سؤالهم عن شركاء مسلمين فسيقولون لك بنسبة 80 بالمئة ان ذلك غير ضروري. وسأعطيك مثلا بسيطا: ابني الذي ليس يهوديا لأن امه غير يهودية، ويدرب شبانا من فريق محلي في فرانكفورت، كثيراً ما يسمع في المباريات متفرجين يصرخون: ها قد اتى اليهودي القذر، كما تحضر مباريات تسمع فيها هتافات من نوع المسلمون القذرون. الذي تغيَر ربما هو درجة «النضالية» في كلٍ من العداءيْن حيث يكتسب العداء للمسلمين والاسلام مساحة سياسية -إعلامية أكبر في اوروبا والغرب. ولكن هناك دائماً قوى اليمين المتطرف، كما هناك العداء الكاثوليكي التقليدي المنطلق من رواية قتل اليهود للمسيح. لا اقول انه عداء سيتطور على ما عرفه النصف الاول من القرن الماضي لكنه موجود وممكن الاستئناف. كما ان هنالك اليوم عداء للسامية جديدا هو ذلك الذي أخذ بعض المسلمين يكنونه لليهود انطلاقاً من كراهية إسرائيل كسبب للمشكلة الفلسطينية. فمع عولمة الاعلام وازدياد التواصل دخل على وعي المسلمين - وهذا ما يمكن أن أفهمه - البعد الفلسطيني، وهو يعني لهم اسرائيل وبالتالي اليهود في عملية اختزال اوتوماتيكية.
بشير هلال: أصدرتَ قبل أسابيع مع برنار كوشنير وزير الخارجية الفرنسي السابق وآخرين بياناً يدعو اسرائيل للاعتراف بدولة فلسطينية. بماذا تفكر بعد مبادرة السلطة الفلسطينية إلى تقديم طلب بالعضوية الكاملة إلى الامم المتحدة؟
دانييل كوهين بنديت: مبادرةعباس مُحِقة وسنرى كيف ستتطور. فكل العوامل حاضرة لتأكيد حق الفلسطينيين بدولة وقدرتهم على بنائها، وهذا ما يشهد لهم به نجاحهم في بناء مؤسسات وأجهزة هذه الدولة، إدارةً وموازنة وأمناً، بشهادة صندوق النقد الدولي والديبلومسيين الغربيين. ثم ان لإسرائيل مصلحة خاصة بعد الربيع العربي في دولة فلسطينية، اذ سيأتي بفعله جيل قيادي جديد غير مثقل بالنزاع ويسهل التحدث معه. كما ان الغرب سيفقد تسامحه التقليدي مع إسرائيل التي كان يعتبرها «الديموقراطية الوحيدة» في المنطقة. ثم إن إسرائيل التي تصرف 8 بالمئة من ناتجها الداخلي الخام في الدفاع لها كل المصلحة في ان تكرس بعض هذا الانفاق لمواجهة الأزمة الاجتماعية التي تغدو بنيوية بعد تدهور تقديمات نظامها ووعوده المؤسِّسة. ونرى صحة مبادرة عباس على ضوء لجوء نتانياهو الى الاتفاق مع «حماس» بقصد اضعافه. وبمعنى ما، لا يجب ان ننسى ان اسرائيل سهّلَت سياسياً نشوء «حماس»، هذا اذا اعتبرنا انها لم تساهم في ايجادها. واعتقد انه يجب ان يكون هناك وعيٌ جديد بأن ضمان أمن اسرائيل وديمومتها سيتعلق بانشاء الدولة الفلسطينية. ولكن انبثاقه متعلق بتطورات المشهد السياسي الاسرائيلي. وهذا عليه علامات استفهام كثيرة.
بشير هلال: تحدثتَ عن الربيع العربي كمُحفز إضافي للتسوية... والأبعاد الاخرى؟
بشير هلال ايام تخرجه عام 1970
دانييل كوهين بنديت: ما اشرتُ اليه عن أثر الربيع العربي في تطلُب التسريع بإنشاء الدولة الفلسطينية لا يختصر بالطبع أبعاده الأخرى على الأصعدة الوطنية والإقليمية. لكن سأشير إلى واحد منه بخاصة وهو ما يطرحه هذا الربيع على مستوى التعددية الثقافية. فأنا أعتقد ان التعددية الثقافية كما خبرناها في أوروبا مسألة معقدة ومركبة. هي واقعٌ بمعنى أنها تستند إلى معطيات مجتمعية، ديموغرافية وثقافية واقتصادية، لا يمكن تجاهلها. ونقطة الانطلاق هي أن لا نقاربها إيديولوجياً كما لو أنها مفهوم فردوسي. فالتعددية ليست فردوساً ولا جحيماً بل واقعٌ ينبغي تدبره. كما لا ينبغي أن نقاربها بتشاؤمٍ جوهراني يميل اليمين إلى تعميمه عبر القول ان التعددية ماتت او فشلت لأن هذا الحكم لا يعني شيئا بذاته. فالمسألة لا تتعلق باستنتاج او رأي بل من السؤال حول كيفية تنظيم حياة هذا المجتمع التعددي. والربيع العربي في مختلف بلدانه مُلزمٌ بمواجهة هذا السؤال والإجابة عنه، ويُفترَض ضمناً أن يكون مُسهِّلاً لإنتاج إجماعات إيجابية عليه. هذا ينطبق على سوريا المتعددة دينيا واثنياً ولغوياً والتي يعاني شعبها وضعاً دراماتيكياً بسبب ضراوة القمع ووحشيته، وعلى مصر المتعددة دينياً، وبالطبع على العراق وبلدان اخرى.
ان قداس مستقبل الربيع العربي لم يجرِ قوله بعد في هذا الميدان كما في غيره. ومن جهتي أجد غريباً كل هذا الهجْس والتلويح بفوز الاسلاميين نتيجة هذا الربيع كما في تونس مثلاً. النهضة لا تملك اكثرية ساحقة وهي مُجبرة على التوافق مع كتل أخرى غير دينية لتحكم، وقد تعهدَّت باحترام قانون العائلة والالتزام بالنظام البرلماني وبتداول السلطة كما نجحت وفق دفتر شروط سياسي، وبالتالي فالناس سيُغيِّرون موقفهم منها إن هي شطَّت عنه جوهرياً.
هناك بعض الخطابات المقلقة أحياناً مثل خطاب مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي الليبي حول تعدد الزوجات ومنع الربا، ولكنه عاد في اليوم التالي عن اعتبار ذلك نافذاً وكان ذلك تحت ضغط انتقادات داخلية وخارجية. كما هنالك ما يمكن أن تسفر عنه انتخابات مصر ووضعها القلق. لكن كل ذلك لا يجعلني أتشاءم، فمتى لم يستلزم التقدم وتوسيع الحريات معركة دائمة. لننظر ماذا حدث منذ الثورة الفرنسية ونستخلص العبر. الأهم أن ثورات الربيع العربي أدَّت إلى تصعيب أي عودة لدولها إلى الأحادية السياسية والاستبداد التسلطي


Read more: http://www.kalamon.org/articles-details-121#ixzz3SZx4LvR9 
(Kalamon: http://www.kalamon.org) 

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا