الحمل

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟
مقاربة

فيروز "المصرية" من دون مناسبة
محمد حجيري | الخميس 08/01/2015 شارك المقال : 316Google +20


"فيروز بدون مناسبة" عنوان عدد "الأهرام العربي" التذكاري في القاهرة، وقد كتب رئيس التحرير علاء العطار "قصدنا أن نحتفي بها دون مناسبة. هي وغيرها (...) جعلوا حياتنا أكثر جمالا وبهجة... هؤلاء العظام أفنوْا حياتهم من أجلنا، أم كلثوم، عبدالوهاب، حليم، صباح... هؤلاء لا يحتاجون إلى مناسبة كي يُحتَفَي بهم. وعلى الأخص فيروزنا". يتضمن العدد جهدا في تدوين شهادات ووجدانيات كثيرة من كتّاب وصحافيين لكن غاب عنه معظم الضالعين في حيثيات "الفن الفيروزي"، تمت استعادة بعض القصائد والكتابات لمحمود درويش وأنسي الحاج مع كليشيات مدائحية عهدناها في كل مناسبة عن فيروز. وكان يمكن أن يكون العدد أكثر جذرية في انتقاء مواضيع ومحاور عن فيروز وصوتها وأغنياتها وزمنها، أيا يكن ما تضمنه عدد المجلة فهو امر ايجابي وجدير بالاهتمام يدفعنا للحديث، عن فيروز "المصرية" اذا جاز التعبير، أو علاقة فيروز بمصر والقاهرة، بعيداً من المقارنة الساذجة بين فيروز وأم كلثوم، التي وردت في الكثير من المقالات الثقافية والانفعالية، والمقارنة الساذجة والشوفينية ان بعضهم كان يكتب عن فيروز ضد أم كلثوم من منطلق ايديولوجي- قومي وطائفي، أو مع فيروز "اللبنانوية" في مواجهة أم كلثوم "العروبية" أو مع فيروز المسيحية الأقلوية ضد أم كلثوم ابنة الأكثرية المسلمة، مع أن الباحث محمود الزيباوي، أثبت في أكثر من مقال وحوار أن "فيروز مشرقية"، ولا يمكن حصرها بفئة أو جهة أو حزب أو حتى وطن.

وبمنأى عن بعض الترهات الكتابية هنا وهناك، يمكن رصد حضور فيروز في مصر في بعض الكتابات والمواقف والأحداث المعبّرة التي تعكس جزءا من الثقافات والسياسات العربية، فذات مرة نقل الكاتب المصري وائل عبد الفتاح عن صديق له بأن لبنان لا يشبّه فيروز كما يعتقد الأغلبية بل يشبّه صباح. فهي تحب الغنج والدلال. تغرم بالحياة إلى حد النشوة. تريد امتصاصها إلى آخر رشفة. صباح انطلقت فنياً من القاهرة، لكن فيروز مختلفة كلياً، والارجح لم يكن حضورها كما ينبغي في مصر التي تحتضن مشاهيرها قبل كل شيء، وطرح الكاتب المصري نائل الطوخي في إحدى المرات سؤالا مفاده "لماذا لا يسمع المصريون فيروز؟ وأردف "لسنوات طويلة ظل ألبوم وحيد لفيروز رائجاً في الأسواق المصرية. حمل عنوان "نخبة من أجمل أغاني فيروز" واشتمل على عدد من أشهر أغنياتها بدءاً بـ "حبيتك بالصيف"، ومروراً بـ"شادي" و"يا أنا يا أنا"، وانتهاءً بـ "أعطني الناي وغني". لهذا السبب أو ذاك لم يسمع المصريون الألبوم، برغم انتشاره النسبي، أي أنهم لم يسمعوه بالجدية نفسها التي يسمعون بها فريد الأطرش وعبد الحليم وعبد الوهاب وأم كلثوم"، هذه المشهدية تبين الواقع الفيروزي في القاهرة، الأرجح إنها لعنة السياسة قبل كل شيء، وثانياً لعنة "اللوبي الفني" اذ جاز التعبير.

لم يتحدّث نائل الطوخي عن الأسباب الحقيقية التي تجعل المصريين لا يسمعون فيروز، وربما كتب ما كتبه من منطلق عاطفي نحو "أمته" ونحو مطربته المفضلة. يقول إن كثيرين يسمعون المطربة العظيمة لأجل القول إنهم يسمعونها. و"كثيرون يسمعونها لأجل معرفة شيء عن الشام أو عن المحيط العربي خارج مصر، فالمعرفة هي ما تؤدي ببعض المصريين في خطوة لاحقة إلى التمتع بصوت فيروز، وغالباً ما لا تصل إلى درجة المتعة، أي تقف عند كونها معرفة".

أوضح كاتب آخر في جريدة "الدستور" المصرية: "منذ أن تفتّح وعينا نسمع فى مصر كل عام تقريباً الشائعة الشهيرة: فيروز ستغني قريباً في مصر. الأوبرا أوشكت على التعاقد مع فيروز، ساقية الصاوي ستدعو فيروز، فيروز ستغنى في مكتبة الاسكندرية. شائعات لا تنتهي وحلم مجهض لملايين المصريين الذين يحلمون برؤية فيروز تشدو على أرض مصر". يسأل صاحب المقال الذي لم نعرف اسمه: "لماذا تبدو علاقة المصريين بفيروز استثنائية؟". يجيب: "ربما لأن فيروز نفسها تجربة استثنائية"، ويسند مقاله بموقف لجمال عبد الناصر، حينما قال لمحمد حسنين هيكل "من أخطاء المصادفات أن فيروز وُلدت خارج مصر"! لا نعرف مدى صحة هذه الرواية!!

لنقل أن عبد الناصر يحب فيروز، أو هكذا تقول الروايات، لكنه استكثر ألا تكون مصرية كما جاء في رواية هيكل، والأرجح أنّه لم يحب سوى أم كلثوم وعبد الحليم حافظ لأنهم جزء من سياسته. في سلوكيته يذكرنا عبد الناصر بمواقف الشاعر الراحل سعيد عقل وقوميته وحبه للانتماء اللبناني، إذ كان يكره الفلسطينيين، لكنه كان يطالب بتجنيس المبدعين منهم، وعبد الناصر كان مصريا - عروبياً، لكنه في بعض مواقفه يبدو "شوفينياً" مصرياً يريد "مصرنة العرب"، ربما يأخذنا هذا الموضوع الى نقاش في معنى العروبة والانتماء، فلمّا كان عبد الحليم حافظ يعتبر جمال عبد الناصر والده الروحي؟ كتب الناقد اللبناني الراحل عماد الحر بأن بعض المصريين لم يصفقوا لفريد الأطرش لأنه شامي أي من بلاد الشام، وأم كلثوم لم تقبل لحناً من فريد لأنه ليس من أصل مصري. 

يعتبر بعض الكتاب أن فيروز هي المطربة العربية الوحيدة التي لا تعني لها القاهرة شيئاً في مشوارها الفني، بمعنى أنها انطلقت من لبنان إلى العالم العربي مباشرة وكان مرورها بالقاهرة عابراً وحدثاً استثنائياً. فالقاهرة كانت في ذلك الزمن مركز الانطلاق إلى العالم العربي أما بالنسبة إلى فيروز فكانت المسألة مختلفة، لا سيما أن عناصر تميزها الفني كانت أقوى من أن تبحث لنفسها عن قاعدة تنطلق منها، وهذا لا يعني ان فيروز كانت على خصومة مع القاهرة، فهي كانت على ود مع الجميع، من القاهرة الى مكة والقدس ودمشق بيروت.

زارت فيروز مصر مرات عديدة وتعاملت مع الكثير من ملحنيها، هذا طبعاً بخلاف غنائها عدداً من أعمال سيد درويش. أول زيارة لها إلى مصر كانت عام 1954 حينما كانت تقضي شهر العسل مع عاصي الرحباني، وأحبت هذا البلد جداً كما تقول، خصوصاً الإسكندرية التي كتب عاصي عنها أغنية "شط اسكندرية". وفي العام التالي، تلقى الزوجان ومنصور دعوة من "صوت العرب" لتقديم أغنيات لدعم القضية الفلسطينية، وكانت رؤية القيمين على الإذاعة آنذاك بقيادة المذيع أحمد سعيد أن صوت فيروز هو الأفضل للتعبير عن القضية الفلسطينية. قدمت فيروز آنذاك الأغنية الشهيرة "راجعون" بمشاركة كارم محمود الذي أدّى فيها وصلتين، وأُعيد تسجيلها في بيروت بعد عام أو عامين، مع بعض تعديلات في النص. ولمصر، في زمن عبد الناصر، غنّت فيروز "أرضنا أنشودة الزمان/ سخية الغلال عميقة الإيمان"، "لضجة المصانع لحني وللقباب/ فيض دخان طالع يعانق السحاب".

أمّا التسجيل الثاني لـ"راجعون"، فصدر عام 1957 على أسطوانة 33 دورة من الحجم المتوسط، ضمّت على الوجه الثاني أربع أغنيات قصيرة، وصدر بعد فترة منفرداً على أسطوانة 45 دورة. في خريف 1966، سافرت فيروز إلى مصر برفقة الأخوين عاصي ومنصور رحباني، ملبيةً دعوة رسمية من وزير الثقافة والإرشاد القومي أمين هويدي. قبل وصول الثلاثي الفني إلى القاهرة، رحّبت مجلّة "الكواكب" بهذه الزيارة، وزيّنت غلافها بصورة كبيرة لوجه فيروز مرفقة بعبارة: "أهلا بفيروز". كتب الناقد المصري رجاء النقاش يومذاك: "فيروز والأخوان رحباني يمثلون زهرة بديعة أصيلة من زهور الفن العربي المعاصر. زهرة خالدة، ثمرها دائم، وعطرها أصيل، وأوراقها ربيعية لا تعرف الإصفرار، ولا تعرف الذبول. وكم سعدت قلوب العرب في كل مكان بصوت فيروز وألحان الرحباني، فأهلا بفيروز في القاهرة، وأهلا بها في قلوبنا: عرش فيروز الدائم".

اللافت أن فيروز توقفت بعدها تماماً عن الغناء في القاهرة لأكثر من عقدين ولم تعد إليها إلا عام 1976 في حفلتها الشهيرة في "حديقة الأندلس" حيث غنت "مصر عادت شمسك الذهب"، والأغرب تأكيد الناقد علي الراعي في بعض مقالاته الأخيرة أن غياب فيروز عن مصر طوال تلك السنوات كان نتاج "مؤامرة من مطربة كبيرة". لكن رغم الأقاويل كافة التي ترددت عن "مؤامرات"(الأرجح هي سياسات اعلامية) لمنع انتشار صوت فيروز في مصر، إلا أنها تعاونت مع بعض الملحنين المصريين مثل محمد عبد الوهاب الذي غنت له "يا جارة الوادي"، "سكن الليل" و"سهار".

ومن الاشارات اللافتة في ملف "الاهرام العربي" أنه بعد منتصف السبعينيات من القرن الماضي بدأ الخلاف يظهر بين فيروز والأخوين رحباني اللذين كانا يفرضان سياقاً "حديدياً" على صوت فيروز، خصوصا في ما يتعلق بالألحان، انفصلت عن المؤسسة الرحبانية، ووقع اختيارها على رياض السنباطي، واتصلت به وقد رحب بالفكرة، وقال إن هناك مناطق جديدة فى صوت فيروز لم يتطرق لها أحد من الملحنين قبل ذلك، وأنه سوف يعمل على إظهار هذه الطبقة ويركز عليها، خصوصا أنها في مرحلة عمرية مناسبة تماماً حيث إنها لم تكمل الخمسين من العمر، ووقع اختياره على ثلاث أغنيات واحدة من تأليف عبدالوهاب محمد هي "آه لو تدري بحالي" واثنتين من تأليف جوزيف حرب هما "بيني وبينك خمرة وأغاني، أمشي إليك".

وبدأ السنباطي في وضع التصور الرئيسي لهذه الألحان واختار أن تكون البداية مع أغنية "بيني وبينك خمر وأغاني" لجوزيف حرب إلى أن انتهى منها ثم سافر فى زيارة سرية مدتها خمسة أيام لـبيروت فى منتصف عام 1980، وهناك التقى فيروز وأسمعها الأغنية على العود، وقاما بتسجيلها على شريط كاسيت حتى يتم رصد الملاحظات المهمة والتعديل الذى تريده فى الألحان وكان مطلع الأغنية يقول: بيني وبينك خمرة وأغـاني، فاسكب فعمري في يديك ثوان، فما همنا انطفأت نجوم بيننا، وتوقـفت أرض عـن الـدوران، آه لو احـتـرق الزمان وأنـنا، برماده في الريح مرتحلان.

وعندما انتهى من الغناء على العود قالت فيروز ليس في الإبداع أفضل من ذلك، وعاد السنباطي الى القاهرة للوقوف على الشكل النهائي للألحان الثلاثة، لكن اشتعال الحرب اللبنانية ووصول العلاقة بين فيروز وعاصي الرحباني إلى طريق مسدود انتهى بالانفصال، أخذ وقتاً طويلاً حال دون ذلك، وفي سبتمبر 1981 رحل رياض السنباطي حاملاً سره وألحانه معه، ولم تفرج فيروز عن هذه الألحان. 

  وكانت آخر زيارة قامت بها فيروز إلى مصر عام 1989، حينما قدّمت حفلتين تحت سفح الهرم. أما على الجانب الآخر فتلوح "سفيرتنا إلى النجوم" كائناً بعيداً عن الجمهور المصري، لا يعرف عنها شيئاً اللهم إلا "زهرة المدائن" التي دأب التلفزيون المصري على إذاعتها أثناء "انتفاضة الأقصى"، و"طيري يا طيارة" الواردة في مشهد قصير من مسلسل "امرأة من زمن الحب"، و"سهر الليالي" بسبب الفيلم المصري الذي حمل اسم الأغنية واعتمد عليها في أحداثه.


فيروز الحاضرة الآن في ملف "الأهرام العربي" لم تكن حاضرة كثيراً في الشارع المصري،  برغم أن ام كلثوم وصفت صوتها بـ"الفريد" وعبد الوهاب قال:"إنها "أقدر المطربات في أداء الأغاني القصيرة" نظراً إلى قدرتها على أن تطرب السامع في أقصر وقت كأنه استمع إليها لساعات.
- See more at: http://www.almodon.com/culture/a33d8a98-4da0-4f79-84f7-eec8980fddce#sthash.6rbTISYl.dpuf

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top