رنا حاف... جميل

9:49:00 ص

جميل 

لا أعتقد أني أبالغ إن قلت أن البدايات لم تكن سهلة، أو على الأقل لم تكن عادية.
في السنتين والنصف الأول، لم تكن الألعاب تلفت نظر جميل. صرت أختار أشياء مميزة، من ماركات معروفة، أراعي العمر المكتوب على العلبة، وأستشير البائعة في المحل علني أفلح بخيار يرضي ذوق جميل، لكن جميل ظل لا يلتفت للألعاب، ثم لم أعد أشتري ألعاب، سئمت.... إلى أن عرفت أن جميل متوحد، وأن هذا سبب عدم اهتمامه بالألعاب.
لا يبادر المتوحدون باللعب بلعبة، وإن فعلوا، هم بستخدموها بغير الهدف المتشود منها، فمعروف عنهم مثلا أنهم يحبون رصف الأشياء جنبا إلى جنب ، قد يرصفون قطع الليغو مثلا في صف واحد بدل تركيبها فوق بعضها، أو قد يمسكون السيارة بالمقلوب ويبرمون دولابها لوقت طويل بدل تكريجها على الأرض.
لكن المتوحدون قادرون أيضا أن يحبوا اللعبة ويستخدموها بالشكل الصحيح بالتحفيز والتدريب، والإثنان مهمان جدا، وهما قد يساعدان حتى بالكشف عن مواهب كامنة لديهم.
قبل الدخول للمدرسة، تحضر جميل في البيت مع أشخاص مختصين. بدأت الألعاب تدخل حياة حياته بالتدرج إلى أن صارت جزء منها.
أحب جميل البازلز كثيرا. هي المفضلة لديه. وصرت أكثر منها، وأنوعها، خاصة الخشبية منها، أشتريها بكميات كبيرة من المحلات الصينية الرخيصة.
في البداية، كان جميل لا يعرف حتى تحريك أصابعه لرفع قطعة البازل عن الطاولة، بل كان يجهل ماهية البازل والهدف منها. لكن مع التمربن اليومي والتشجيع عندما يصيب، والتصويب عندما يخطئ تقدم جميل ونجح.
اليوم قضينا بداية النهار في المنزل. سررت بجميل لأنه كان يبادر لطلب البازلز حتى يتسلى. يفكها، ثم يركبها، ثم يطلب أخرى... صارت البازلز إذن مصدر متعة لديه، بعد أن كانت لا تعنيه، وبين المرحلتين كانت البازلز مصدر تعلم لأنها غالبا ما تأتي وفق موضوعات محددة.
هنا، في صورة جميل، جالس وحده على أرض المطبخ يركب بازل لأشكال هندسية، وفي صورة أخرى، جميل أيضا وحده، مستلق على بطنه في غرفة نومه، يركب بازل عن وسائل النقل.

 ـــــــــــــــ

أشعر دائما أني طفلة.
كأني طفلة أكبر في العمر الذهني من أترابها، لا إمرأة أقل نضوحا من النساء الأخريات.ألبس كعشرينية، أحب أدب الأطفال، والألعاب، والغاتو والبونبون والشوكولا، وعندما يعود التلاميذ الصغار جدا من المدرسة وتكون الكهرباء مقطوعة، فيبدؤون بالنق لأن عليهم أن يصعدوا الدرج، أتضامن في داخلي معهم بقوة، وينتابني دافع لأفعل ما يفعلون.
جعلتني الهوة بين عمري النفسي وعمري البيولوجي أن أختار مهنة التعليم. إعتقدت أن فضائي المدرسة لأني لا أعرف أن أعيش بين الكبار، ولا تثرني إهتمامتهم، أراها معقدة ومفتعلة. ثم تركت التعليم، عرفت بعد ممارسته بسنوات قليلة أنه مهنة للكبار... لكن جميع المهن هي للكبار، الصغار لا يعملون، يلعبون أنهم يعملون، لكنهم لا يعملون
 هذه الهوة نفسها بين عمري الإثنين، ساعدتني كثيرا على فهم جوجو: كيف يفكر? ما الذي يحبطه وما الذي يشجعه? ما الذي يحزنه وما الذي يفرحه?
سعيدة جدا بعمري النفسي، أما عمري البيولوجي فلا يعنيني حقا، كأنه شأن شخص آخر.
سعيدة أيضا بطفلي المنتظر، سيتسع بقدومه عالمي الذي صنعته على قياس حجمي الذهني، والذي باقي له الكثير الكثير ليبلغ ال34 عاما.


شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا