الحمل

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟
مقاربة

زيدان الرئيس"، عبارة شاهدتها كل فرنسا على قوس النصر في باريس عندما حاز فريقها الوطني على كأس العالم في كرة القدم عام 1998، وهتفت كل فرنسا بإسم زيدان، وظهر شعار "أبيض، أسود وعربي مهاجر blanc,black,beur". الصورة التي تريد فرنسا إعطائها عن تنوع مجتمعها وغناه ونجاح واقعي وفعلي بانصهار المهاجرين ومشاركتهم في صنع مستقبلها.
هذه العبارة كانت حاضرة مرة أخرى في أحداث باريس، ثلاث ضحايا من رجال الأمن سقطوا برصاص الإرهاب من مجموع الضحايا السبعة عشر، مثلوا أيضاً تنوع المجتمع الفرنسي!.
حدثان هزا فرنسا ووحداها، أنزلا الملايين إلى الشارع فرحاً وفخراً أو حزناً وعضباً، وعبّرا عن طبيعة الأمة الفرنسية الحديثة بتركيبتها العرقية والثقافية الحالية، عنوانان يبقيان في ذاكرة الفرنسيين؛ انتصار فريق كرة القدم الوطني حامل لواء الإبداع والتفوق الرياضي ومجزرة "شارلي إيبدو" والسبعة عشر ضحية ومنهم الضحايا الثلاث من جهاز الشرطة حامي امن وحياة المواطنين، عنوانان ورمز بشعار توحدي وإنصهاري مجتمعي واحد؛ أبيض، أسود والعربي المهاجر!.(blanc,black,beur )، أبطال الكرة زيدان وبارتيز وهنري ورجال الشرطة ضحايا الإرهاب أحمد وفرانك وكلاريسا!
صورة التنوع هذه في الرياضة والمؤسسات الإدارية والرسمية نجدها أيضاً في الحكومات وفي المقاعد الوزارية الأكثر حساسية، فكانت العدل لرشيدة داتي والتربية آلت لنجاة بلقاسم في الحكومة الحالية وكذلك وزارات ومواقع أخرى. وهذا نتيجة رغبة رسمية وكذلك مصلحة حزبية من خلال التسابق على الأصوات الإنتخابية لإشراك مختلف شرائح المجتمع في السياسة العامة وفي إدارة البلاد، وإعطاء الفرصة للكفاءات من أصول مهاجرة لتأخذ دورها وهذا يحسب لفرنسا ولتقاليدها الديمقراطية وعدالتها ويعبر عن اهتمام جدي من أصحاب القرار ومن الحريصين على المصلحة الوطنية بأن يكون الفرنسي من أصول عربية وأجنبية مواطن كامل المواطنية.
ولكن وبرغم كل الجهود والمبادرات والنوايا الحسنة ما زال هناك الكثير من الخطوات المطلوبة ومن الجميع؛ مؤسسات رسمية وكذلك حزبية ودينية للوصول إلى بناء مجتمع وطني فرنسي وبالحد الأدنى متوافق مع ذاته ومع تاريخه وثقافته وتنوعه.
ذيول حرب الجزائر ما زالت متوقدة بأذهان الكثيرين وما يحدث في فلسطين والشرق الأوسط له تفاعلاته أيضاً، والأخطر هو انتشار الأفكار الدينية المتزمتة بين بعض الشباب المتهور والناقم على المجتمع وبالمقابل تتصاعد قوة وتأثير الحركات والأحزاب العنصرية المتطرفة معتمدة على تجاوزات وأعمال قلة قليلة من الخارجين على كل قانون وكل أعراف كما حصل الأسبوع الماضي ويدفع ثمنها الأكثرية الساحقة من الفرنسيين من أصول عربية وإسلامية الذين لا يريدون إلا العيش بكرامة وسلام وأمان.
ومن المهم التذكير والإضاءة على بعض العوامل التي سببت وتسبب حالات من ردود الفعل والخوف والتخويف من الأخر ففي يوم جريمة "شارلي ايبدو" راجت رواية الكاتب ميشيل اويلبيك "الخضوع" وفيها يروي كيف ستصبح فرنسا إسلامية في عام 2022 وسيرأسها محمد بن عباس بعد أن يتحالف مع حزب الإخوة الإسلامي(حزب غير موجود) مع الحزب الإشتراكي والوسط وكيف ستتمدد أوروبا نحو دول الجنوب لتضم المغرب والجزائر ومصر وتنتقل عاصمة أوروبا إلى روما والبرلمان الأوروبي إلى أثينا ويسرد في روايته كيف سبتغير المجتمع الفرنسي وتتغير أسسه وتقاليده ومعتقداته.

وقبل هذا التاريخ بأسابيع قليلة صدر كتاب للصحفي ايريك زيمور "الإنتحار الفرنسي" الذي يتوقع فيه نهاية مأساوية لفرنسا وأسلمتها وإن هذه المأساة يتحمل مسؤوليتها العرب والسود والمسلمون والإتحاد الأوروبي والحزب الإشتراكي! ودعا في مقابلة صحفية في ايطاليا الى طرد العرب والمسلمون من فرنسا مما استدعى ردود كثيرة عليه واتهامه بالعنصرية وأوقف تلفزيون "i télé" عقده معه وانتقدته مختلف وسائل الإعلام وحتى رئيس الحكومة في أكثر من تصريح.
بالإضافة إلى تصاعد ونمو قوة الجبهة الوطنية ورئيستها مارين لوبون وخصوصاً بعد مجزرة "شارلي ايبدو" وقد صرحت مؤخراً بأن الوضع والرأي العام سيكون لمصلحتها ومما يذكر أن الجبهة الوطنية وفي الإنتخابات الأوروبية الأخيرة كانت الحزب الأقوى في فرنسا وحصلت على 25.4 من الأصوات و 24 نائبا" من أصل 74 هي حصة فرنسا في البرلمان الأوروبي، وكانت قد دعت لوبون في الأيام الماضية إلى تجميد العمل بإتفاقية "شينغين" وإعادة صياغة شروط الحصول على الجنسية الفرنسية.
وبموازاة ذلك يتصدر الإعلام في الفترة الأخيرة إنخراط عدد كبير من مسلمي فرنسا في الحركات الجهادية في سوريا ويقدر عددهم حسب وزارة الداخلية بـ 1400 شخص ويتخوف الأمن الفرنسي من الآثار السلبية وخطورتهم على الأمن الوطني عند عودتهم إلى فرنسا. وبين فترة وأخرى يعمد رجال الشرطة إلى توقيف مجموعات وخلايا بتهمة بالتشدد والتآمر على أمن فرنسا وتتم مداهمات عديدة ومراقبة شديدة لبعض المساجد في ضواحي باريس والمدن الأخرى.
ويبقى أن نشير وبعد الهجوم على المتجر اليهودي في باريس إلى أن الدراسات تؤكد تضاعف عدد اليهود الفرنسيين الذين هاجروا إلى إسرائيل خلال السنة الماضية ونذكر بالتصريحات الإسرائيلية التي دعت اليهود للهجرة الكثيفة الى إسرائيل بحجة تعرض حياتهم للخطر والردود الرسمية الفرنسية عليها وبأن يهود فرنسا مكانهم في فرنسا وليس في اسرائيل.

أمام هذا الواقع وحالة التجاذبات والخطابات العنصرية والمتشددة  هل ستنجح فرنسا بالخروج من المحنة ومواجهة التحديات بالوحدة الوطنية التي دعا إليها هولاند ؟ هذا يبقى رهن عمل الحكومة وسياستها في تطمين كافة مكونات المجتمع والعودة من الجميع إلى الخطاب الهادئ والمنفتح والمتفهم وربما يلزم صدمة إيجابية على وزن زين الدين زيدان .



(*) سياسي لبناني مقيم في فرنسا

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top