إلى الكاتب السعودي رائف بدوي الذي حُكم عليه بألف جلدة

10:36:00 ص


الاستجواب


حسين الموزاني
 

«ولك عميرة، يا عميرة، يا طراگ ابن الطراگ، چـندوب أعلّم وأفهّم يابو المصايب والطلايب؟ ولك چـا مامليت، ما جزعت روحك، شو أهلك صاروا مجادية ما تلحـگ عليهم حتّى الفطايس، وربعك صاروا شذر مذر ما يلم شملهم حتّى صاحب الزمان، يا سليت ابن السليت، ولك كلّ هذا وبعدك حازب للوادم حزب يابو حشفة المايلة، عليمن؟ شنهي فسرها؟ شنهي؟ ولك وين اطي وجهي منك؟ المن أشكي عمايلك ومصايبك يالحيمر أبو عطبة؟ المن؟» وبعدما أنهيت عتابي وتقريعي لعميرة لطمته في حافة الخوان مرّات عدّة حتّى أذميته، إِلاّ أنّ غليلي لم يشف منه، فحملته وطرحته تحت حنفي الماء في المغسلة اللامعة الحليبية، ثمّ جلدته جلداً مبرحاً، الجلد الأوّل في مصر، وبعد برهة بدا منفلقاً حزيناً منكسراً، فحاولت أن أداعبه. فانقلبت على ظهري انقلاب العقارب، وطويت ساقيّ حتّى كادتا تمسان هامة رأسي، وصنعت من جسدي نصف دائرة وطفقت أتأرجح ذات اليمين وذات الشمال. وبعد ذلك نهضت مستنداً إلى أطراف أصابعي وقفزت بضع قفزات سويدية وضربت دقلتين بغداديتين ثمّ زحفت إلى المطبخ مثل جندي مغوار. ففتحت الثلاجة وألقيت نظرة إلى محتوياتها: فكانت هناك قطعة من جبن الجاموس مغطاة بطبقة بنيّة خفيفة، لكنّها لم تكن فاسدة تماماً وخيار ماء ناعم وثلاث بيضات من دجاج عربي، وكيس نايلون معبأ بطرشي اللفت والقرنابيط والفليفلة اللبنانية الحرّاقة. فالتقطت خيارة ماء وبدأت أقرط كالأرنب. وقفزت قفزة عنيفة مباغتة، فاستطعت أن ألمس السقف براحة يدي، لكنّني فقدت توازني في الهواء وأوشكت أن أسقط على رأسي. وامتنعت اليوم عمداً عن تناول القهوة، إِذ أنّني مقبل بعد ساعة على استجواب وتحقيق أمنيين، وربّما ستجعل القهوة ضغطي أكثر هبوطاً. ففتحت المذياع فأصدر خربشة وكلاماً مخلوطاً، فأدرت المؤشر نحو محطة أخرى كانت خالية من التشويش، لكن موسيقاها كانت عسكرية رتيبة، فقلبت المؤشر مرّة أخرى فانطلق فوراً صوت امرأة دافئ كما لو أنّه انطلق من مخدع النوم. فبدا صوت المذيعة ناعماً ومغرياً ويتزلج رقيقاً منغماً «هنا صوت إِذاعة إسرائيل من أورشليم/القدس» فهتفت بصوت مرتعب «يا خبر أبيض! العدو التاريخي حتة وحدة!» وأخيراً استقرّ المؤشر على إذاعة «صوت العرب» التي كنت أصيخ لها السمع زماناً لعلها تأتي لي بخبر موت أو مقتل واحد منهم. كنت أعرف أنّ أصواتهم أُخذت عن رغاء الأباعر وفحيح الحراذين. ودخلت الحمّام وقذفت بنفسي تحت رشّاش الدوش، فارتفع صوت المذياع صادحاً بأغنية في فضاء الحمام، كان صوتاً عارياً بعيداً وهشاً في آن، فتخيلت المرأة نفسها تقف عارية في بادية مقطوعة ومتناثرة الأطراف «آآه، آآآه، آه... إِيه بس اللي خلاّني افتحلك شباك قلبي... ووجداني... آآآه... آه... حرام عليك بتهجرني وتنساني... آآآآآه، مكانشِ... كده... كده طبعك... يا، يا غزال...».
واختلط الماء الساخن والصوت الأنثوي الأثيري على جسدي، فأصابني التوتر، وشعرت بحاجتي أنا نفسي إلى الغناء. فبدأت أدندن وبعد حين طفقت أغنّي أنشودة المتسوّل المجذوب الذي كان يقبع في مقام الشيخ عبد القادر الكيلاني ببغداد:
«يا زارعاً بيمينه
شجرَ المحبة والمودة
بالسباخ،
ومنيّماً بيضَ القطا
تحت الحدا يبغي الفراخ،
إِنّ الذين ظننتَ صحبكَ أنّهم،
همْ،
ينصبون لك الفخاخ...».
رددت المقطع مرّات كثيرة حتّى بدأ الحزن يتسلل إلى نفسي لدرجة لم أعد معها أحتمل المزيد من الغناء. فجففت جسدي مررت بالمنشفة برفق شديد على العضو الجريح. وفركت شعر العانة جيّداً، خوفاً من القمل، ووقفت عارياً أمام المرآة، وابتسمت دون أن أكشف عن أسناني، وكرّرت ابتسامتي الخفية مرّات عديدة لكي أتأكد من إتقانها ثمّ أخذت أبحث عن معنى آخر مرادف للمباحث، لكنّني، وبعد إمعان فكر، لم أعثر على شيء محدّد، فاستعنت بالعلامة الذي قال ذات يوم منذراً ومحذّراً «يا بني: لا تقل بحّاثة، بل قل باحثة، لأنّ البحّاثة إنّما هي الدجاجة»، نعم، إنّ المباحث البحّاثة عن الأسرار هي الدجاجة التي تبحث عن اللقط، إِذاً مباحث الأمن القومي، هي المؤسسة الكبرى ذات العلاقة بالدجاج أو الدواجن عموماً، أو على الأقل إنّها الأداة التي تُذبح بها الدواجن. يا سلام. أبانا الذي في المباحث يبحث عن الروث واللقط والسكاكين. أنت ياود عايز تشتغل إيه؟ عايز أشتغل إرهابي يابيه! وعلى حيّن غرّة اجتاحتني رغبة عارمة في أن أقلب الأسماء والاستعارات والأفعال إلى بدائلها ونقائضها. "فما الذي سيحدث لو قلبت الكفاح المسلّح إلى الكفاح المشلّح والعربي إلى العبري، والعبري إلى حبري وحسين حبري إلى قلم جاف والقلم الجاف إلى قلم جائف وبقايا قنّاصي القطعة إلى أقطاب ثقافة الشاورما ومدارس اللصوصية إلى مدارس السعودية، وفسأ إلى فشا وهكذا إلى هيكذو أو إلى چـذي سعودياً، والسعودي إلى لبناني، وهونيك اللبنانية إلى هونيكر الألمانية، واسم العلم إلى اسم الدرهم والدرهم إلى معمّر ومعمّر الخايس إلى مخمّر وهكذا دواليك إلى چـذي صعاليك وچـذي سعاليك إلى هيكذو دعاليك أبناء الدعاليك...” وقذفت بحسرة حرّى كادت تتهشم لها أضلعي ووضعت رأسي على كفّي كما توضع الطنجرة على النار ثمّ تلفلفت وأخذت أبحث عن نفسي كالدجاجة: لا بدّ من ملاقاة المباحث، فلا مناص اليوم من ذلك، ولا حتّى القدر نفسه قادر على تأجيل الدعوة. فارتديت ثيابي وعقدت ربطة العنق على ركبتي ثمّ علقتها في رقبتي، ومسحت شعري بدهان لامع لكي أسرّحه، ثمّ نزلت إلى الشارع أصفر لحناً جنوبياً عن المراكب البيضاء والمشاحيف والفراق الذي كثيراً ما كنت أسمع جدّتي تردّده. وكان الهواء في الخارج ساخناً مغبراً، والأشجار مقصوصة الأطراف، مغسولة ومغمورة بشعاع عميق الخضرة، أشجار المانجو العملاقة والوحواح والسيسبان بأوراقه المرهفة الأطراف التي كانت تتنسّم أنفاس الصيف المبكر، محتفلةً ومتفتحةً شديدةَ الفتنة والزهو. وخطوت في الصباح الذي أسكرته الشمس فصار أبيض شفافاً يغشي الأبصار، وشممت رائحة نوارات صغيرة لم تزل ملفوفة في براعمها، شممت رائحة الأرض، تلك الأرض الطيبة المباركة. ثمّ وضعت يداً في جيب سروالي الفضفاض، ماسكاً حقيبتي السوداء باليد الأخرى، صافراً لحني الجنوبي لكي أطرد عن نفسي الوحشة والهواجس. فجأة لفحتني خفقة تراب ودخان. مررت بحفرة مكشوفة جثمت على فوهتها آلة غريبة الشكل ثبتت إلى الأرض بقضبان حديدية نحيفة، وقد أحاط بها رجال يستخرجون منها سوائل لامعة تشبه مياهاً متعفنة زرقاء. فقطعت الحفرة بسرعة، إِذ أنّ رائحة قوية خانقة كبحت رأسي ومرقت على الفور إلى حجيرات الدماغ، وشعرت بها وهي تخنق أنفاسي. قفزت إلى الجانب الآخر وانطلقت مهرولاً على شكل نصف دائرة حول البقعة الزرقاء. فقرصت أرنبة أنفي ورفعت يدي الأخرى ملوّحاً بحقيبتي لسيّارة أجرة. كان الشارع مزدحماً تماماً. فسألت السائق وأنا ألهث إن كان يقلّني إلى ميدان لازوغلي، لكنّه لم يفقه ما قلت، فاقتربت منه وصرخت من جديد:
ـ «ميدان لازوغلي، لازوغلي ياريس...».
ـ «ايوه، أيوه»، ردّ ضاحكاً، «مالو ميدان المنيّل ده؟»
ـ «عايز أروح لهذا الميدان".
ـ «وايه اللي مانعك؟ طيب ما تركب عشان أوصلك».
ـ «عايز تاخذ كم؟»
ـ «حاوصلك الأوّل، بعدين نشوف...».
فقرصت أرنبة أنفي قرصة سريعة ونطقت بصوت أخن:
ـ «لا، الأوّل عايز أعرف تأمر كم!».
ـ «الأمر لله وحده»، قال بصوت عال وكأنّه يخاطب أحداً غيري، ثمّ سألني بهدوء «عشرين جنيه كويس؟»
ـ «لا، مش كويس. أربعة جنيه وبس. أربعة جنيه كتير كمان على المشوار».
ـ «الله يسامحك! طيب وبعدين معاك؟ اركب الأوّل. إن شاء الله مش حنختلف».
ـ «لا، ما راح اصعد قبل ما أحسم الأجرة...».
ـ «الله الله الله»، قال بنفاد صبر، «اركب بس يا ابني، حاوصلك لآخر الدنيا على حسابي، اركب بس عشان الزحمة اللي ورانا».
فركبت إلى جانبه وألقيت عليه تحيّة عراقية لم استخدمها منذ زمن طويل:
ـ «صبحكم الله بالخير!»
فرد بعفوية:
ـ «ويصبحك كمان!» ثمّ استدرك «ايه الكلام الحلو ده؟»
ـ «دنتو كلامكم أحلى من العسل يابن عمي!»
سأل بلهفة:
ـ «الأخ من سورية؟» 
ـ «لا، مش من سورية. من السعودية. سعودي».
ـ «سعودي؟»
ـ «ايوه ايوه، سعودي».
ـ «أهلاً بأخيار العرب، أهلاً بأخيار أمّة محمد»، قالها بنبرة ترحيب، لكن لا يمكن القطع بمدى صحتها، وسألني مجدداً:
- «من أي ناحية من السعودية؟»
ـ «هو حضرتك تعرف السعودية؟»
ـ «الله؟ أعرفها إزاي! هو فيه واحد ما يعرفهاش؟ من نجد والا من الحجاز؟» قال وأخذ يزمّر زمارات طويلة. فقلت مشاكساً:
ـ «احزر بعد!».
ـ «من الأحساء، من عسير، من الهفوف، من جبل شمّر، من الطف؟»
ـ «الطف؟ الطف مش اللي ذبحوا فيها الرضيع عبدالله بن الحسين؟ دي في كربلاء يابن عمي. أنا من الربع الخالي، من ناحية العبيلة. بس دي بقالها زمان... أنا دي الوقت صرت سويدي.».
فردّ بدهشة مصحوبة بضحكة خفيفة:
ـ «سويدي؟ معقول؟ الله يسامحك! غيّرت أصلك كده بالسرعة دي؟ كلام جميل. قلك الأخ سويدي. حلو. والله حلو. سويدي من الربع الخالي. بس دي جت إزاي؟»
في البدء، فكّرت أن أترك سؤاله معلقاً في الفراغ، إِذ أنّني كنت قادراً تماماً على الصمت، لكنّني، من ناحية أخرى، كنت بحاجة شديدة إلى حوار تمهيدي يكون مشابهاً للاستجواب الحقيقي الذي ينتظرني في دائرة الأمن، فقلت بصوت هادئ بطيء:
ـ «مفيش ربع خالي ولا حاجة، الاسم ده مجرد تمويه. بيسموه بالفرنسية كوموفلاج».
ـ «إِيه؟ ميت أبو الكوم؟ بلا مؤاخذة، سامحني! عمري ما سمعتش فيها».
سألته بأدب:
ـ «يعني، ما تعرفش حضرتك شوية فرنساوي؟»
ـ «كلام والا حاجة تانية؟» قال ذلك بشيء من الابتسام، ممّا اضطرني إلى الصمت، لأنني أدركت أنّ الحديث بدأ يأخذ مجرى غريباً. لكنّه عندما لاحظ صمتي قال معتذراً:
ـ «متواخذنيش يا باشا! دَنا بأحمد ربنا اللي علمني شوية عربي، إِداني حبتين نعيش بيهم. الفرنساوي ده يعرفو واحد خواجة زي حلاتك. بس سيبنا دي الوقت من الكلام ده. أنا نفسي عايز أحكيلك حتوتة صغيرة سمعتها من زميل لي في السعودية. قال إِنّه فيه شاب سعودي زي حضرتك سافر عَ فرنسا عشان يتعلّم. لمّا رجع بعد سبع سنين، مسكوه قبل ما يسيب المطار. بعديها اختفى. اختفى خالص. محدث كان يجرؤ يسأل عنه. بعد كده، راحوا كاتبين جواب لأهله. قالوا لهم أنّه مفيش داعي تسألوا عن ابنكم. لأنّ ابنكم جاب معاه مرض خطير جدّاً يمكن أن يبيد المملكة عن بكرة أبيها. عن بكرة أبيها! زي ما بيقولوا بالعربي القديم، واخد بال حضرتك؟ عشان كده قررت الحكومة أن تدفنه وهو حيّ يرزق. دفنوه بثيابه وكتبه اللي جابها معاه. الرجل ده يا سيدي، زي ما قال زميلي، لمّا كان عايش في فرنسا صار ايه؟ صار شيوعي! فتخيّل حضرتك: شيوعي في السعودية! الله يرحمك يا فريد الأطرش اللي كان يقول (الحبّ من غير أمل أسمى معاني الغرام). طيّب، هو المسلم الشيعي عندهم كافر وزنديق، إزاي بقى لما يكون الواحد شيوعي!»
حين أنهى الرجل عبارته الأخيرة أصابتني رجفة اضطراب، وذلك على الرغم من مبالغته المكشوفة، إِذ أنّني كنت أعلم أنّ كثيراً من بقايا الشيوعيين، عرباً وأكراداً وشوّاماً سوريين ولبنانيين وأقليات إثنية وعرقية ودينية، بقديمهم وجديدهم، أصبحوا الآن قنّاصين وقوادين ثقافيين حسب نظام القطعة تحت خيمة المملكة الواسعة الكريمة. وظللت لحظة واجماً صامتاً أتطلع في وجه السائق الذي بدا خالياً من أي تعبير، فالتفت إِليّ وابتسم ثمّ قال من جديد بنبرة مجاملة هذه المرّة:
ـ «بس، والحق يقال، السعوديين ناس كرماء، رجّالهم رجّال وريالهم ريال.» وتوقف قليلاً ثمّ استطرد بالوتيرة ذاتها: «السويد شعب كريم. مش الملك بتاعكم هو اللي أكرم نجيب محفوظ بتلاتة مليون جنيه حتة وحدة؟ بلا مؤاخذة، حضرتك رايح للمباحث؟ مضبوط؟»
هنا جعلني سؤاله المباغت أشعر بالرعب حقّاً، فقلت متصنّعاً الدهشة:
ـ «عرفت إِزاي؟».
ـ «هو فيه حاجة تانية في الميدان المهبهب ده غير المباحث؟ عايز منهم إِيه؟»
ـ «عايز؟ أنا؟ هم اللي عايزين يشوفوني. يمكن يكون في وجودي هنا مصدر قلق وتهديد للأمن القومي...»
ـ «أمن قومي»، ردّ بامتعاض وحدّة. «جتهم خيبة. الله! هو فيه واحد قادر يحمي طيزه اليومين دول، عشان يحمي الأمن القومي؟ يا راجل، يا سعودي، يا سويدي صحصح شوية، ده التعريض والسمسرة بقت بالفاكس. دنا مسموح لي دي الوقت اشتم المقدسات كلها، بس مش مسموحلي أجيب سيرة أسد وفهد ونمر وضراط، أرجوك، أرجوك، كفاية كده، الناس مش لاقيه قبور تسكن فيها، ولا حتّى عظمة كلب يلحسوها! بلا أمن قومي، بلا أمن خولات...» بدا السائق متوتراً شديد الانفعال، فحاولت أن أخفّف من حدّة كلامه، لكنّه لم يستجب، فزعقت به «خفف السرعة أرجوك، أرجوك...».
قال وهو يهزّ رأسه"
ـ «حلو. والله حلو، واحد يشفط فلوس من السويد والتاني يخش مباحث... معاملة مافيش أحسن منها. حلو! والله العظيم ده معاملة بالمثل مفيش زيها!»
ونظرت إليه ثانية فوجدته يختلس النظر إليّ بطرف عين كبيرة، وعندما أدار وجهه ناحيتي، أبصرت حولاً خفيفاً في عينه الأخرى، فقلت في نفسي (ربما هذا هو سبب خفة دمه وظرافته التي غلبت على دمي العراقي الثقيل: حقّاً! لمَ أنا عاجز عن أن أصبح مرحاً مثله وساخراً؟ فلمَ أنا متخشب هكذا، غير قادر على المرح والانفعال؟) فزمّر السائق طويلاً ثمّ قال بصوت لا يختلف كثيراً عن زمارته:
ـ «أنا يا أستاذ مبسوط جدّاً إنّي التقيت واحد كريم وابن عرب زي حضرتك. أنت النهار ده ضيفي. سيبك من حكاية الأمن والمباحث البايخة دي. أنا عازمك على قهوة وشيشة في حين الحسين، ده أجمل حي في مصر كلّها. خليك جدع واسمع منّي: متروحش! داحنا المصريين ناس غلابة وعلى قد الحال، طيبين وأولاد حلال. ومصر دي الكبيرة اللي شايفها قدامك مش ملك لأيّ حد. دي بلدك وبلدي وبلد الناس كلّهم، بلد الأمان والعيشة الطيبة، أنا بتكلم معاك جد...سيبك من الوساخة دي» قال وأخرج علبة سجائر مصرية لفّ تحت غلافها الخارجي بضعة جنيهات بنيّة اللون متربة. وقدّم لي سيجارة:
ـ «دخن عشان تبرد أعصابك!»
ـ «شكراً، أعصابي باردة والحمد لله!»
وضع السائق السيجارة في زاوية فمه وأشاح بوجهه ناحية النيل. فتمنيت أن ينتهي من استجوابه العجيب ويكف عنّي. لقد شعرت حقّاً باليأس، فتساءلت في نفسي (إِذا كان سائق التاكسي هكذا، فكيف سيكون المحقق الأمني إِذاً؟)
وكما لو أنّني كنت أنتظر إِجابة منه قال مقلداً اللهجة السعودية:
ـ «راحت رجالٌ تبلعُ المرشاقِ / وظلّتْ رجالُ الحامض السمّاقِ...
مش كده بيحكوا أخيار العرب عندكم؟ أمعط لبيسك يا ولدي عندنا الـگـارص چـثير يباه، يباه، يالمعود، يباه، حنّا بنضرب الطيازي... سمار البصاروة يباه، الوحدة العربية، أوعاه، و حياة الأمير عجلان، جلعوط بلعوط يلبط لبط الشبّوط، عريان مصلّخ بالشطوط، اواعه، اواعه، بعرانها بعران وخصيانها خصيان، يالمعود يباه... ده كان كلام الرجالة زمان. يا عربي! على فكرة، صحيح الملك بتاعكم يشكي من فتق داخلي؟» أهو مجنون هذا الرجل؟ ماله لا يتركني بسلام؟ أي ملك منهما يقصد، كارل غوستاف أم الآخر؟ فقلت بضيق:
ـ «كفاية كده، مش عارف، هو أنا المدلك بتاعه والا إِيه؟ أرجوك نزّلني هنا، عايز أنزل... عايز أنزل حالاً!»
لكنّه كان عنيداً ومنفعلاً، وكما لو أنّه أراد أن يفرغ كيس أفكاره دفعة واحدة في هذه الفرصة النادرة، فقال:
ـ «دنا أصلي خايف اسأل المدلك بتاعه وبعدين يطلع لي زي الدكتور علي العطيفي اللي كان يدلك رأيسنا المرحوم في النهار ويتجسّس عليه في الليل! تخيّل حضرتك أن رأيسنا مكانش عايز يصدق أنّ العطيفي جاسوس إسرائيلي. الرئيس المؤمن اللي شال زبيبة الصلاة من جبينه بعملية جراحية وحط فوقها برنيطة، فتخيل يا عربي، يا ربع خالي، يا أمن قومي، صحصح شوية يا شيخ، يا شيخ...».
أخيراً أنزلني السائق بضع خطوات قبل الميدان القرغيزي، وبدا منفعلاً تماماً، لدرجة أنّه رفض الجنيهات الخمسة التي اعتقدت بأنّها أجرة مناسبة للمسافة، وانطلق بسيّارته السوداء مخلّفاً دخاناً أبيض كثيفاً.
كان مبنى مباحث أمن الدولة يقع عند تقاطع طرق عديدة رمادية اللون كالحة، وكانت حيطانه من جهة الميدان مرتفعة شديدة الارتفاع وكأنّها أسوار قلعة حربية مهجورة، وكان لونها هجينيّ يشبه لون الطين والسبخ كذلك. وبدت البناية العملاقة وكأنّها شُيّدت عمداً في مفازة منخفضة كالوادي الصحراوي. وقد أحاطت بها أبراج حراسة، وفي مداخلها العديدة وقف جنود وشرطة بغدارات صغيرة مطوية الأخامص. وكان العسكريون يرتدون قيافات سوداء متربة بعض الشيء، وظهرت عليها بقع العرق الناضح بيضاء ملحية البياض. فتقدّمت من حارس وسألته مبتسماً رافعاً رأسي باعتداد لكي أوهمه بأنّي صاحب شأن ولست مجرد مطلوب للتحقيق، سألته عن مكتب العقيد سرور الألفي، فردّ بعينين مندهشتين «الستْ سرور؟» فقلت بصوت مرتفع «عقيد الأمن سرور الألفي!» فهزّ الجندي رأسه تعجّباً من الاسم غير المألوف وخاطب من بعيد رجلاً مسناً «يا عم محجوب شوف الأستاذ عايز ايه.» 
كان العم محجوب يمسك بآلة صغيرة سوداء، انفلت منها هوائي طويل ومستدق، وحين أقبلت عليه أخذ يعبث بالهوائي، فصار يستله ويغمده بحركات آلية وبطيئة. فكررت سؤالي عن رجل المباحث، فقال بصوت ممطوط وممدود على نحو لم أسمع به من قبل:
ـ «ايوآآآه، العقيد أبو سعده موجوود، عايز منوووه إِييه؟ تخطب بنتوووه والا حاجة تانية؟»
فقلت علىالفور هو الذي عائزٌ أن يشوفني، وسنطرح موضوع الخطوبة فيما بعد. فأشار العم محجوب بهوائيه المنتصب إلى بوابة صغيرة وقال:
ـ «مش الباب ديات اللي جدامك، الباب اللي بعديها على طووول».

فدخلت في رواق ضيّق ورطب وخال من النوافذ وينتهي بطاولة جلس إليها ثلاثة رجال يتوسطهم شاب ذو وجه شديد التدوير ومتغضن وشارب كثّ غير مشذّب، وكان يضرب الطاولة المعدنية بقبضته الممتلئة ضربات خفيفة، وفجأة هبّ واقفاً وزعق في وجه رجل يعتمر عمامة صعيدية بيضاء هجعت في وسطها طاقية بنيّة مثل بيضة اللقلق، وقد وضع على منكبه العريض شالاً طويلاً ناعم الصوب جميلاً:
ـ «قلت لك ألف مرّة إِستنى، إِستنى، إِستنى شويه يا راجل. متخلينيش أفقد أعصابي وأنا صايم! خليك قاعد زي البشر وبعدين نناديلك. مستعجل على إِيه، قلّ لي: على... إِيه؟»
(صحيح! مستعجل على إِيه؟ رددت في نفسي مستجيباً بشكل لا واع لرغبة البواب الأمني ووقفت وراء الرجل الصعيدي بضع دقائق وقفة رجل مندحر منذ البدء. أخيراً انتبه أحد رجال الطاولة إلى وجودي فسألني بهدوء:
ـ «ليه واقف كده؟ أي خدمة؟» فقلت عندي مقابلة مع العقيد سرور، فصحح لي الرجل ذو القبضة المتينة «العقيد سرور الألفي».
فاعتذرت بلهوجة:
«ايوه، ايوه، آسف جدّاً، العقيد سرور الألفي.» وناولته قصاصة التبليغ. وحالاً دوّن تاريخ اليوم وأرفقها بورقة صفراء تشبه ورق لفّ السجائر وكتب عليها «العقيد أبو سعده/ مطلوب». كان خطّه قويّاً ومدرّباً.ثمّ دسَّ اللفافة في ثغرة ضيقة تناظر جحر الفئران دون أن يلتفت إلى الثغرة نفسها. ولمحت أيضاً الرجلين الآخرين وهما يدونان ملاحظات سريعة «زيارة خاصة/ مطلوب/ مراجعة/ جماعات...».
أعطاني الموظف ذو القبضة المتينة رقماً مطبوعاً على ورقة صفراء صغيرة تشبه تذكرة السينما وأمرني بنبرة ليست آمرة «استنّى من فضلك في القوطة».
دخلت في القوطة التي بدت لي للوهلة الأولى مثل مقهى شعبي كراسيه من الخيزران والخشب القهوائي اللون، وضعت في تعارض مع بعضها البعض، ومن ضمنها مقاعد وثيرة مكسوة بالجلد الأملس الرقيق. فاخترت مقعداً أحمر الجلد، وحالما وضعت جسدي فيه وخزتني أضلاعه المعدنية الناتئة، فأبدلته بآخر بدا وكأنّه قُدّ من الصخر والحديد معاً.لكنني ظللت مسترخياً فيه على مضض، غير قادر على النهوض، هكذا مثل زاهد هندي، لكن دون استمتاع. وابتسمت في سرّي لهذا التكريم الغريب، ولكي أطرد هواجس الخوف من نفسي، بدأت أتأمّل وجوه المنتظرين الصامتين. كانت القوطة الأمنية مشبعة برائحة الترقب والخوف والصيام. (لا شك أنّ هؤلاء المساكين كلّهم مطلوبون مثلي، ولعلّهم من المتطرفين الجهاديين أو الشوقيين أو من جماعة التكفير والهجرة أو ربّما من بقايا التروتسكيين)، قلتُ في نفسي وقمت أعبث بربطة عنقي التي أخذت تحفر خطاً دقيقاً من الألم في العقدة الناتئة. ومسّدتُ عظم الترقوة في محاولة لاستعادة لياقتي البدنية، لأنّني موشك لا محالة على استجواب لا تحمد عواقبه، قد يؤدّي إلى تطوّر خطير، أو إلى استفزاز صريح، أو على الأقل إلى نمط من التحدي والكراهية... وتطلعت إلى ساعتي طويلاً دون أن أتمكن من تحديد الوقت حقيقة، إِذ أنّني كنت منشغلاً تماماً في تفحّص أفكاري التي أخضعتها الآن إلى رقابة دقيقة وصارمة، رقابة غريزية، فنشأ على الفور إحساس داخلي عميق وهو أنّني ربّما كنت مشبوهاً في كلّ تصرّف من تصرّفاتي دون أن أعلم، وقد يعود ذلك إلى الانتقال الشديد السرعة من السلوك غير المتبلور أصلاً إلى سلوك آخر ملتبس، ولعلّ "السوري" الذي رأيته في المطار كان مخبراً فوشى بي! وابتسمت لطرافة هذه الخاطرة المبتورة، ثمّ فتحت حقيبتي وفتشت فيها عن صور لي وعن أوراق رسمية تثبت شخصيتي الألمانية وسلوكي الإنساني الطبيعي، ونقّبت كذلك في ذاكرت عسى أن أجد سبباً واحداً يبرّر استدعائي إلى مباحث أمن الدولة، لكنّني لم أعثر على أي تعليل معقول. وبعد حين تشكّلت في نفسي مسافة عميقة من الصمت، مسافة ليس فيها سوى ذئب أمعط وحيد فرد يعوي في الصحراء الكبرى: «عراقي الأصل، عراقي الأصل، عراقي الأصل...».
فوضعت يدي في جيب سترتي، وتحسّست رقمي السرّي الذي لا قيمة لي الآن من دونه، وقبضت عليه بأطراف أصابعي بقوّة حتّى كدت أمزقه. هذا هو رقمي إِذاً، هذا هو حمدان قاطع الربيعاوي نفسه مختزلاً على نحو أمنيّ. وفجأةً دوّى في القاعة الرحبة صوت رنّان يهتف بالرقم، فانتفضت كالمذعور، وهرعت نحو البوابة التي يحرسها الرجال الثلاثة، فتطلعوا إليّ باستغراب وشيء من السخرية. وفتشوا ثيابي وحقيبتي ثمّ شكّوا في ياقة سترتي علامة حديدية وأمروني بالدخول.
ودخلت في ممر يفضي إلى فناء واسع، رُصف بالبلاط والحجر الرمادي، خال إِلاّ من بضع نخيلات منفردة غير مشذبة وغليظة الكرب. فوقفت برهة على دكة حجرية أنتظر مرور أحد لكي أسأله عن مكتب سرور الألفي. وسألت شرطياً عن العقيد كما لو أنّني أسأل عن مجرم هارب، قال إنّ العقيد في الطابق الرابع وليس هناك مصعد كهربائي، فارتحت لفكرة الصعود إليه على السلّم، لأنّني، مثلما أعرف نفسي، أكون أشد تركيزاً وأكثر قوّة في المجادلة والمحاججة كلّما توشك أنفاسي على الانقطاع. فصعدت السلّم قفزاً درجتين درجتين في كلّ وثبة، حابساً أنفاسي إلى أن وصلت إلى الطابق المنشود. فوقفت لحظة أمام باب مكتب العقيد، وسرّحت شعري بأصابعي وسوّيت ربطة عنقي ونفضت التراب عن بذلتي ثمّ دخلت عليه على نحو مرتبك ومتشنج. فرأيته يحضن الطاولة بذراعيه الطويلتين كما لو أنّه يحضن صاحباً عزيزاً طال غيابه. وألقيتُ التحيّة ومددت يدي مصافحاً ومقدماً له نفسي «حمدان قاطع الربيعاوي». أومأ لي برأسه طالباً منّي الجلوس ورمقني بنظرة قصيرة ثمّ أحنى رأسه من جديد وقال:
ـ «ليه حضرتك رفضت التوقيع على استمارة الاستدعاء؟»
قلت نافياً على الفور:
ـ «لا، مش صحيح. أنا في الواقع حاولت فقط الاتصال بسفارة دولتي لأنّي رعية أجنبية».
ـ «عارف... ما حصلش حاجة. تفضل استريّح. احكي لنا شويه من فضلك عن المعارضة!».
المعارضة؟ لقد أجاد عقيد المباحث مباغتتي، لكن ما علاقة سرور الألفي بها؟ هكذا سألت نفسي مندهشاً.
ـ «معارضة مين يا أفندم؟».
فأجاب بصوت ناعم، شديد النعومة، وكأنه ليس بصوت:
ـ «المعارضة اللي حضرتك فيها». 
ـ «يبدو أنّ حضرتك تعرف عنّي وعن المعارضة أكثر ممّا أعرف أنا عن نفسي».
ـ «يمكن! بس فيه واحد زي حضرتك يلف من قارة لقارة من غير معارضة؟»
ـ «طيب هي المعارضة سندويتشة أو برتقالة عشان أحطها في جيبي؟ بصراحة يا أستاذ معنديش معلومات يمكن أفيدك فيها».
ـ «أمّال عندك معلومات بخصوص ايه؟»
هنا أدركت أنّ الرجل بدأ يغيّر من لهجته على نحو واضح.
ـ «أنا رجل تاجر خضروات ولحوم الحلال، ما عندي علاقة مباشرة بالموضوع اللي تتحدّث عنه...».
ـ «إِيه الكلام ده اللي بتقوله؟» قال هذه المرّة بنبرة حادّة. «عايز تتمسخر علينا والا بتهزّر؟»
ـ «صدقني، مفيش أي داعي للمسخرة. أنا دي الوقت بقّال يا افندم. صحيح، في الزمانات كنت أشتغل بالجرايد، عفواً أقصد بيّاع مقالات. بس دي الوقت أنا عطّار في برلين».
ـ «ايوه، كده جميل»، قال بصوت أشدّ نعومة من ذي قبل.«بس احنا مالنا ومال برلين؟ أنت، أنت، جيت هنا، على مصر، عشان إِيه؟»
ـ «أنا؟» تساءلتُ مرعوباً. «أنا أصلي جيت سايح».
ـ «وبعدين؟»
ـ «بعدين صرت باحث»، قلت واعتدلت في جلستي حذراً واضعاً جلّ تفكيري على حركة شفتيه.
ـ «كويس قوي. صرت باحث... نورنا شوية...».
ـ «مش باحث حرفياً يا أفندم...».
ـ «متقولش أفندم لو سمحت!»
ـ «آسف جدّاً! أقصد أنا أبحث دي الوقت عن راحة البال، عن الكلام الحلو، عن الدفء والعشرة الطيبة... وبعدين، أو إلى جانب ذلك، أنا أبحث عن صفقة فول أو باسطرمة إِسلامية مدخنة. وحسب الصدفة والظروف يمكن أبحث أيضاً عن سيدة عربية من أجل الزواج».
ـ «لقيت حاجتك إن شاء الله؟».
ـ «أكو أمل. المسألة محتاجة طبعاً شوية صبر...».
ـ «عجبوك الستات المصريات؟» قال ومسح جبهته المصابة بصلع وبهاق خفيف، ثمّ أردف بعد لحظة تأمّل أمنّي: «مبروك مقدماً. آسفين جدّاً عشان احنا دي الوقت في شهر رمضان، وإلاّ كان عزمناك على حاجة صاقعة».
ـ «شكراً جزيلاً على كرمكم يا أفندم.».
ـ «الله؟ وبعدين معاك؟ يعني مش حتبطل سيرة أفندم دي! الضيافة واجب. بس قل لي لو سمحت ايه السبب بالضبط اللي خلاك تجي مصر؟».
ـ «من غير سبب واضح. جيت كده سايح من سيّاح الله، يعني إن كان ماجيتش سايح لمصر حاسيح بقى فين؟ في الصين مثلاً وألا في الصومال؟» قلت متصنّعاً تقليد اللهجة المصرية وتوقفت على الرغم من رغبة الاستطراد التي انتابني الآن، لأنّني شعرت بحكّة تحت الخصيتين بالضبط، منعتني من مواصلة الحديث.
قال مؤكداً:
ـ «مضبوط. اختيار موفق. لكن ماعندكش هنا ارتباطات بأبناء جلدتك؟»
عندما جاء على ذكر الجلدة، التي كنت أحسبها منقرضة، ازدادت رغبة الحكّ في نفسي، فأخلفت ساقي فوق بعضهما البعض، صارخاً من أعماقي: أين هي جلدتي يا سيدي! أين هي الجلدة المنقرضة! بل أين هي جثتي؟
ـ «ما عندي علاقة بأحد. أبناء جلدتي موتى. أنا لي إخوان في مصر، هم اللي شجعوني على الزيارة. قالوا انزل إلى مصر وتنحل مشاكلك كلّها إن شاء الله! فعلاً مصر دي زي بلدي وأهلي...».
ـ «أهلاً بيك في بلدك وأهلك. كنّا عايزين بلا مؤاخذة نتعرّف على حضرتك وبس. بالطبع لينا معاك كلام تاني، مش مهم النهار ده».
شعرت أثناء ذلك بشدّ إلى عباراته القصيرة المتوترة، فلم أنتبه لما كان يجري في الغرفة، و حينما التفت رأيت أربعة رجال، كانوا قد دخلوا الغرفة خلسةً وجلسوا على أريكة طويلة. لم أتمكن من التفرّس في وجوههم، إذ أنني كنت مضطرباً منفعلاً، فصنعت وجهاً متبرماً جديّاً لكي لا أتيح للمحقق فرصة للمجاملة والاستطراد بغية الإِجهاز على حذري. ورغبت في الوقت ذاته أن أظهر ودّاً له، لكنّني أصبحت في الأخير مثل أسير.
قال كما لو أنّه كان يتابع نظراتي الحائرة:
ـ عايزين ندردش معاك شوية. بكرا مثلاً؟ إِذا بتحب ممكن بعد الإفطار، الساعة عشرة مثلاً؟»
ـ «كده متأخر؟» سألت بلهفة مستبشراً بنهاية التحقيق. «كده يعني في نص الليل؟».
ظلّ العقيد صامتاً، وللمرّة الأولى نهض من كرسيه وقدّم لي يده الطويلة الخالية من الشعر.
غادرت الغرفة برأس متصدّع، لا أعرف كيف أهبط السلّم، كنت عاجزاً أيضاً عن الالتفات إلى الجانبين، ربّما خوفاً من إِثارة الشبهات، ولم التفت حتّى للنخيلات الصغيرة المفلطحة الجذوع في دائرة الأمن. وبدا لي وكأن ممحاة هائلة محت خلايا ذاكرتي، فاختلطت بقايا أفكاري كما تختلط الهموم في الرأس، ولم تعد فيّ أدنى رغبة في التذكّر أو إِعادة التحقيق من جديد، فقد كنت قلقاً متوجساً خائفاً حتّى من نفسي.
كان الشارع المحاذي لبوابة المبنى خالياً تماماً من المشاة في تلك الساعة الصفراء، وتراءى لي لوهلة وكأنّه مفازة مغناطيسية تفقد فيها الأجسام جاذبيتها. وأخذت تقاطعاته الأربعة تنفرج لتكشف عن حراب الحراس المسلولة البراقة وخوذهم القديمة المهترئة الشباك. فوقفت حائراً عند صليب الطرقات لا أعرف إلى أين أمضي. ونظرت إلى ساعتي، فوجدتها تشير إلى زمن متوقف منسي، فأصابني العجب وازددت حيرة واضطراباً. أخيراً اخترت أكثر الطرقات سعةً، إِذ أنّه لا بد أن يؤدّي إلى قلب المدينة، فقد أردت أن أختلط بالناس حالاً وأن أرتطم بأجسادهم وأشمّ رائحتهم وأسمع أصواتهم. فسرت في نهر الشارع الذي تكسّر جيره ونُزعت عنه أرصفته المتآكلة. فسرت بمحاذاة عربة بطيئة يجرّها حصان أملط هزيل وحمار ممتلئ ويهش بذيله الذباب الذي كان يتطاير حول ردفيه. كانت العربة محمّلة بأكياس الرمل والإِسمنت لدرجة جعلت الحيوانين يشهقان بغية الحصول على الهواء، ويبعثان بحدواتهما إيقاعات رتيبة مملة وحزينة معاً، بينما كان السائس يجلدهما بالسوط بين آونة وأخرى. وبعد حين انفرج الحمار عن صاحبه ومال نحوي ثمّ كشّر لي بأسنانه الكبيرة الصفراء الضاحكة. هنا لسعه قائد العربة بسوط صافر ورمقني في الوقت ذاته بنظرة عتاب واستهجان. فشعرت بنفسي حصاناً صغيراً ضائعاً ومنبوذاً، أو حماراً عتيقاً يجرّ أدران أبناء جلدته في مفازات الأمن ودهاليز المخابرات وصحارى العري والهلاك. فدنوت شيئاً فشيئاً من الساحة التي تقع عندها "الجامعة الأميركية.” فوجدت نفسي أقف أمام بناية بيضاء غارقة في الضياء والغبار الذي اختلط بخيوط الشمس، وبدت معزولة منفردة في الشارع الطويل الفسيح، وقد صبغت على أحد أضلاعها دعاية كبيرة لسفن آڀ-;-، لكن لم تكن أمامها ساحة أو جامعة، فأدرت ظهري للبناية وأغمضت عينيّ ثمّ سرتُ في الاتجاه المعاكس الآخر كالسرنمي.
ما الذي أراده المحقّق المبهوق منّي عندما سألني عن أبناء جلدتي؟ ألا يعلم أنّ الجلدة اهترأت منذ دهر بعيد، وأصبحت أنا، ابن الجلدة الأصيلة التي هُتكت، شريداً طريداً في بوادي الشمال كالكلب الأجرب

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا