«فلاحو سوريا..» لحنا بطاطو الفهم العميق لسلطة البعث الأسدي

12:15:00 م






محمد حجيري
لسنوات خلت، كان بعضنا يظن أن المؤرخ الفلسطيني المقدسي (الأميركي الجنسية) حنّا بطاطو، عراقياً بسبب كتابه «الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية في العراق»، إذ لم تتيسر لأي مؤرخ عراقي الفرصة للاطلاع على وثائق دوائر الأمن في أواخر العهد الملكي الهاشمي (1921-1958) وفي عهد عبد الكريم قاسم (1958-1963)، مثلما تيسرت لبطاطو. فلقد أعانه الاطلاع على تلك الوثائق، وما تضمنته من معلومات في غاية الأهمية والسرية، لإنجاز كتابه المرجعي. وفي عمله أكد بطاطو، أهمية ودور العوامل الاقتصادية والاجتماعية في سير حركة التاريخ العراقي الحديث، وكان يعتبر ان «البنى الاجتماعية هي التي تحرك التاريخ» واعتمد على تحليل النصوص، وإجراء المقابلات الشخصية، واستنطاق الوثائق. يقول عنه الباحث فالح عبد الجبار. يلوح بطاطو، للوهلة الاولى، في نظرة كثير من قرائه ومحبيه، انه جامع معلومات لا يبارى، شغوفاً بالتفاصيل وتفاصيل التفاصيل. وهذه بلا ريب خصلة من خصاله الكثيرة. غير ان هذه النظرة تنطوي على تبسيط مفرط. فمنهج جمع مادة البحث، وتحليلها، وتركيبها، ثم عرضها على النحو الذي فعله حنا بطاطو، عملية معقدة، عميقة الغور. فمادة البحث، أي بحث، أشبه بسديم له بداية وليست له نهاية.

وقدم بطاطو بحثاً شاملاً مماثلاً لما قدمه عن العراق حين قام بدراسة حول سوريا بعنوان: «فلاحو سوريا: أبناءُ وجهائهم الريفيين الأقل شأنًا وسياساتهم»، بدأها عام 1992 ونشرت سنة 1999، ولم تترجم الى العربية إلا قبل أشهر ضمن سلسلة «ترجمان»(المركز العربي)، وربما التأخير يعود لأسباب سياسية اقليمية رقابية، والدراسة مساهمة تحليلية مركزية لطبيعة السلطة السياسية القائمة في سوريا، بالعودة إلى الجذور التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية للفئات المشكّلة لها، ويشمل ذلك تسليط الضوء على الجوانب العقائدية والمذهبية لتلك الفئات.

انتقل بطاطو من المصادر والوثائق المكتوبة إلى الشهادات الحية للأشخاص، الذين كان لهم شأن في الحوادث التي يتناولها، أو الذين كانوا شهودا عليها، أو متأثرين بها، كلقائه فلاحين عاديين ليجمع شهاداتهم في المسائل التي يتناولها، التاريخية منها أو الحديثة التي تؤثر فيهم تأثيرا مباشراً. ثم يعمد إلى مقاطعة المعلومات والروايات المختلفة عن الحوادث لتكوين صورة متكاملة معقدة عن واقع هو ذاته معقد. ويذهب أحياناً إلى مقابلة الأشخاص الذين يرد ذكرهم في مصادر معينة، ليطرح عليهم الآراء المختلفة ويقف على رأيهم فيها. ما اقتضى منه كثيرا من السفر إلى سوريا وفي وخارجها، على الرغم من حرصه على توثيق معلوماته ودقتها.

رسم حنّا بطاطو لوحة شبه شاملة، رغم بعض الثغرات التي تحدث عنها المترجمان عبد الله فاضل ورائد النقشبندي، لطبيعة النظام السوري (الأسدي) وتركيبته وسياساته. وأتت الدراسة منهجاً لفهم عميق لسلطة الأسد، وقدرتها على البقاء في الحكم خلال هذه المدة الطويلة جداً من تاريخ سوريا ونجاحها من دون أي مقاومة تذكر في توريث الدولة السورية إلى وريث عائلتها ممثلاً في بشار الأسد، كما فسرت وعلى نحو غير مباشر الأصول الاجتماعية للثورة السورية، والتي هي نفسها الطبقات الاجتماعية التي ادعى حزب البعث الدفاع عنها وتصدى للتحدث باسمها. ويعرض بطاطو للشروط الاجتماعية والاقتصادية للفلاحين، بما في ذلك التمايزات في ما بينهم من حيث العقيدة الدينية والملكية والخلفية التاريخية والارتباط بالأرض والاستعداد للقتال، وغير ذلك من التمايزات التي كان لها شأن في تشكيل وعي الفلاحين وسياستهم. واذ كان ثمة مسلّمة لا تقبل الجدل في شأن المجتمع الريفي في سوريا، فهي أن الفلاحين لم يشكلوا جماعة اجتماعية متجانسة أو متماسكة، طوال قرون الحكم العثماني وصولاً الى الفترة التي تلت الاستقلال مباشرة، وهذا ما تجلى بأوضح ما يكون في الثورة السورية الكبرى (1925 -1927) ضد الانتداب الفرنسي، ويلاحظ أن جباية الضرائب في العهد العثماني قامت على كاهل الفلاحين اكثر من غيرهم وهم الذين أُرهقوا بها وعانوا تبعاتها، ولم يغيّر الانتداب الفرنسي هذا الواقع، لذلك كانت لهم ثوراتهم وتمردهم بين وقت وآخر، وإن اشتهر بها الفلاحون العلويون والدروز أكثر من غيرهم.

انقسم الفلاحون بستانيين وزراعيين، ولعل الفلاحين البساتنة من أوائل من تشكّل في تنظيمات، ومن مظاهر وعي حقوقهم أن افرادها كانوا يتمتعون بالحماية ضمن طائفتهم، وكان هناك حرص على ابراز مصالحهم، اما الفلاحون الريفيون فكان عليهم انتظار أكرم الحوراني المنضوي في الحزب العربي الاشتراكي عام 1950. ذلك أن فلاحي سوريا كانوا يختلفون بعضهم عن بعض من حيث التجربة التاريخية والولاء الديني والصوفي والمذهبي والافق الاجتماعي والمصالح الاقتصادية.. انعكس التداخل بين أبرز حوادث القرن العشرين والعمليات التي ترجع الى ماض بعيد، في حقيقة أن أكرم الحوراني وهو أول زعيم سوري في التاريخ الحديث ركز انتباهه على الفلاحين وحياتهم القاسية، التي لم يكن يكترث لها أحد، وسعى الى التواصل معهم على أمل صهرهم معا في قوة سياسية فاعلة، ولمع نجمه بينهم بعدما كانت الصوفية والرفاعية تسيطر عليهم، ومما كانت له أهمية بالغة تشجيع الحوراني لكثير من شباب أعضاء حزبه، ممن يتحدرون من أسر ريفية أو حضرية ذات طابع اجتماعي متوسط أو متواضع، على الانضمام الى الدراسة المجانية في الكلية العسكرية في حمص وتأمين موطئ قدم لهم في سلك الضباط، وميله الى توجيه أنصاره الى المهنة العسكرية كان أحد العوامل المهمة التي ساهمت في إحكام سيطرة العناصر ذات الأصول الريفية، في لحظة محددة على القوات المسلحة السورية، وعلى الدولة في نهاية المطاف.

يعرض بطاطو لأنماط وعي الفلاحين وتنظيمهم وسلوكهم السياسي، قبل تسلم حزب البعث السلطة في عام 1963، ويبين الأشكال المبكرة من التنظيم الحرفي للفلاحين، وينصبّ اهتمامه على الجوانب الريفية والفلاحية في عقيدة حزب البعث وسياساته، بما في ذلك الأصول الريفية لكثيرين ممن انضموا إليه، وأصبحوا قادته في ما بعد، ويبّين انقسام التجربة التاريخية لحزب البعث إلى ثلاث مراحل: المرحلة الأولى من البدايات حتى تسلّم البعث السلطة في عام 1963، وتمتد بعض خصائصها حتى عام 1966. والمرحلة الثانية، وهي مرحلة انتقالية تمتد بين حركة 23 شباط 1966 واستيلاء حافظ الأسد على السلطة في 16 تشرين الثاني 1970، وتعود بعض خصائص هذه المرحلة إلى عام 1963. أما المرحلة الثالثة فتبدأ باستيلاء حافظ الأسد على السلطة. ويبيّن بطاطو الاختلافات العميقة بين هذه المراحل، ليستنتج أن بعث الأسد يختلف تماما عن بعث المرحلتين الأولى والثانية، وهو اختلاف يصل إلى حد التناقض أحيانا.

ويعدّ حنا بطاطو، حافظ الأسد أول حاكم لسوريا من أصل فلاحي. وفيه يعرض للنظام الذي بناه الأسد ومراحله وأزماته، والشخصيات والأجهزة السياسية والعسكرية التي شكلت ركائزه، وسياسته الداخلية والإقليمية والدولية. ويحلل بنيته الطائفية والعشائرية والمناطقية، ومستويات السلطة، في السياسة العامة للنظام. تغير طابع حزب البعث في عهد حافظ الاسد. وأحد أسباب ذلك هو أن الحزب أصبح بالمعنى العددي جماهيريا. لكن ازدياد حجم الحزب لم يترجم على شكل قوة سياسية لها نفوذ قوي على الممسكين بالسلطة الحقيقية، حيث جرى الحد من استقلال الرأي، الذي كان أعضاء الحزب يتمتعون به في الماضي، بشكل او بآخر، وأضحت الأولوية هي للتطابق في الرأي والانضباط الداخلي. وأصبح الحزب اداة في الواقع أداة أخرى يستخدمها النظام في سعيه للسيطرة على المجتمع بأسره، والنتيجة هي ترسيخ سلطة الأسد في مقابل تشتت منافسيه الغارقين في صراعاتهم نتيجة صدمة 1967.

يبين بطاطو أن الأسد ذو موهبة خاصة في التكتيكات السياسية واستاذ في تفريق صفوف الخصوم وضرب بعضهم ببعض، لما فيه مصلحته النهائية. في سياق صراع الأسد على لبنان، قام بنسف تحالفات وبناء جسور على نحو متتال، وتارة على نحو متزامن، مع مجموعات قومية عربية وانعزالية ومع قوى علمانية وأخرى إسلامية. يقول بطاطو في هذا السياق عن الأسد «يصعب تفسير اختياره الحلفاء في لحظة معينة أو تغيير اصطفافاته إلا بأسباب تتعلق بمسائل سلطوية صرف، على الرغم من أنه كان يلبس خطواته دائما لبوس القومية العربية. والواقع، أنه من الصعب على المرء ألا يستنتج أن «القومية العربية«، (بمعنى توحيد الشعوب العربية، تمييزا لها عن مجرد تنسيق جهد الدول العربية، خصوصا في مواجهة اسرائيل) قد تراجعت على يد الأسد من كونها هدفا أو غاية أو قناعة فكرية، لتصبح رمزية أكثر منها جوهرا، أو أنها أصبحت مجرد وسيلة«.

وتكشف الوقائع جانباً من شخصية الأسد، هي قسوته. فعلى الرغم من قدرته على ابداء مرونة في سعيه إلى تحقيق أهدافه، واعطائه فرصة للدبلوماسية، عندما تكون الظروف مؤاتية، لتقوم مقام السلاح في تحقيق العمل المطلوب، فإنه قادر أيضا على استخدام القوة العمياء الشديدة في اللعبة، عندما تكون «سلطته في خطر». وبيّن العنف غير المألوف الذي تعامل به مع مدينة حماه التاريخية ضد الإخوان المسلمين في العام 1982، أن رعاياه راحوا ضحية هذا الجانب من سياسته بقدر لا يقل عن حربه على الفلسطينيين في لبنان سواء في طرابلس أو في المخيمات في الثمانينات، وصرخة تلك المرأة الفلسطينية وسط انقاض المنازل وجثث الاطفال بفعل القصف الآتي من المواقع السورية جنوب طرابلس، لا تُنسى «حافظ الأسد اسرائيلي أكثر من الاسرائيليين». وعلى الرغم من نجاح الأسد في أن يصبح الحكم في مصير لبنان، ونجاحة في تجريد منظمة التحرير الفلسطينية من سلاحها الثقيل ومنعها من تأدية أي دور عسكري جدي مستقل في لبنان، فإنه فشل في تحويلها الى بيدق على رقعة شطرنجه الدبلوماسي. ويستنتج حنّا بطاطو «أن فصول كتابه تستند الى المصادر المتاحة، وأن طبيعتها التجريبية أمر لا مفر منه. وكان من الممكن أن يؤدي الوصول إلى ملفات النظام السوري الداخلية وملفات الحكومات الأخرى الى تأويلات مختلفة». لأن كل تأويل يحمل، ولو من دون قصد، عنصراً ذاتياً. و»التاريخ... سجال لا ينتهي» بحسب المؤرخ الهولندي بيتر جيل. 

كثر يعتبرون ان كتاب حنا بطاطو عن العراق تفوق على كتابه عن تاريخ سوريا، لأنه (أي كتاب سوريا) لم ينضج بسبب تعب المؤلف النفسي، وحين كتب حازم صاغية عن هذا الكتاب بعد صدوره بالإنكليزية، أشار الى أن ثمة بعض الغائبين الأساسيين عن تحليله لسياسة الأسد الاقليمية: فلبنان والسادات وعلاقات دمشق بموسكو والرياض، لا تحضر الا كهمزات وصل بقضايا ومسائل أخرى اختار التوقف عندها. ويمكن، بدرجة أقل، قول الشيء نفسه عن العلاقة بطهران. وثمة من كتب حديثاً بأن بطاطو «يرذل بعث حافظ الأسد ويُمالئ عرفات»، وهو كان موضع شك من بعض الكتّاب، لمجرد انه استطاع الوصول الى وثائق وارشيفات مهمة ونادرة، تساءل (بعضهم) عن الجهة التي يعمل لصالحها، كأن الأبحاث الرزينة لا تقوم بها إلا جهات محددة. وأيا تكن النواقص في كتاب بطاطو، وأياً تكن الجهة السياسية التي ينحاز اليها، سواء أكان يسارياً أو يمالئ ياسر عرفات أو يحب عبد الناصر أو يتعاطف مع الشيوعيين، فكتابه في أيام صدوره يعد انجازاً ضخماً، اذ قلما وجدت دراسة جدية عن الواقع السوري في خضم النظام البعثي ايام حافظ الاسد. فإن يحصل حنا بطاطو على بعض المعطيات فهذا انجاز يأتي في خانة التجريب كما يسميه، بمعنى آخر كل شيء مهم عن النظام السوري كان ممنوعاً، بدءاً من «الدولة البربرية» لميشال سورا (اغتيل سورا بسبب هذا الكتاب حسب الكثير من المعلومات) مروراً بكتاب مذكرات أكرم الحوراني الممنوع في لبنان في زمن الوصاية. وصولاً إلى كتاب «الصراع على السلطة في سوريا» لنيكولاوس فان دام الذي يتضمن بعض وثائق الحزب المشوّقة (السرية أصلاً)، والتي تلقي الضوء على سيكولوجية الولاءات العشائرية والطائفية في سوريا... 

نوافذ 


شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا