ياسين الحاج صالح... أربعة وأربعون شهرا وأربعة وأربعون عاما/ 5- المصادرة: صورة طبقة

7:05:00 ص

في الأيام الأولى من هذا العام استولت داعش على منزل أسرتنا في الرقة. أجلت منه قريبا كان يقيم فيه، وصادرت البيت بكل ما فيه، وأسكنت فيه "مجاهدين" وافدين من طاجيكستان. كانت وضعت بدها على بيوت أخرى في المدينة، وأعطتها لدواعش أجانب، يقيمون فيها مع أسرهم، أو يكونون فيها بالتزاوج أسرا. مقر الهيئة المستحدثة للاستيلاء على العقارات هو مسكن مستولى عليه لأسرة من اللاجئين تقيم اليوم في تركيا. البيوت المستولى علها اعتبرت أملاكا مباحة لأعداء.
مصادرة الأملاك الخاصة والموارد العامة وجوه تأسيسية لسلطة داعش كاستعمار استيطاني، وكمشروع هندسة اجتماعية وسكانية شامل، ينشئ من الصفر دولته ويخلق سكانه المناسبين، ويفضل عموما أن يكونوا مستوردين، يشكلهم في البيئة الجديدة بالصورة التي تناسبه، أكثر من سكان قدماء في بيئتهم لهم فيها جذور عميقة. تعمل داعش على نزع الصفة المحلية للسكان، وتشكيلهم من جديد كغرباء متعصبين، يعادون ماضيهم ومجتمعهم، ومستعدون للتعامل كسمتعمرين أجانب معه.
من الوجوه الأخرى لهذه السياسة العنصرية التطهير العرقي، وقد كان إيزيديو العراق من ضحاياه، ويعاني منها عموم السكان الذي ليسوا من الدواعش (نظام داعش مبني على "مهاجرين"، هو الدواعش الوافدون، و"أنصار" هم أتباهم المحليون، ثم "عامة المسلمين"، وهم السكان المحليون الذين يراقبون ويعاقبون وينهبون، أما خارج هؤلاء فهم أعداء مباحو الدم). ومن الوجوه الأخرى الترويع المنظم للسكان المحليين وكسر مقاومتهم بمذابح وعمليات قتل مشهدية. ومنها أخيرا المنهج الفاشي المألوف في الربط بين التعليم والحرب، أو تسخير التعليم كليا للحرب الدينية التي تخوضها داعش في كل وقت. داعش لا تقوم بالحرب، داعش هي الحرب. 
ومن نصيب الشرق الأوسط النموذج الأصفى للاستعمار الاستيطاني، إسرائيل، التي استوردت سكانا وأقامت كيانا كاملا في فلسطين عبر إبادة كيان الفلسطينيين ومصادرة أراضيهم. 
مصادرة الأراضي والموارد العام والأملاك الخاصة ليست شيئا جديدا في سورية المعاصرة. لها تاريخ يطابق تاريخ النظام البعثي الذي يقارب اليوم 52 عاما، وقد اختلط فيها التأميم لـ"دواعي المصلحة العامة" مع الاستيلاء الخاص. في البداية كان يغلب وجه عام لهذه المصادرات، بخاصة ما يتصل منها بالإصلاح الزراعي في الأرياف، لكن بعد أقل من عقد واحد من الحكم البعثي، تلاشى هذا البعد "التقدمي" تماما، واندرجت أكثر المصادرات الباكرة وكل ما تلاها في العملية التاريخية لتكون البرجوازية السورية الجديدة، التي تكونت ثرواتها عبر امتلاك جهاز الدولة والموقع الامتيازي الذي تشغله من الموارد العامة. آل "التأميم" كله إلى تخصيص لمصلحة هذه الطبقة عبر اقترانه مع الإلغاء السياسي لـ"الأمة". 
كتمثيل لهذا السجل المختلط من التأميم والصعود الخاص كان الدمشقيون يتندرون منذ وقت مبكر من الحكم البعثي عن الرفاق الاشتراكيين البعثيين الذين خصوا أنفسهم بأحسن مساكن حيي المالكي وأبو رمانة، أرقى أحياء العاصمة وقتها. باسم العمال والفلاحين كان حكام البلد الجدد، العسكريون والمدنيون، يحتلون المواقع السياسية والاجتماعية لمن أزاحوهم عن السلطة.
واقترنت مخططات التمدين طوال عقود حكم حافظ الأسد (1970- 2000)، وأكثر في سنوات ابنه بشار بتمكين برجوازيي الدولة من الاستيلاء على أراضي بأثمان بخسة، لا تلبث هذه الأراضي أن تشمل بالمخططات العمرانية، فترتفع أسعارها أضعافا خلال وقت قصير. ويميز سكان دمشق مثلا بين المزة أوتوستراد والمزة فيلات، وهما حيان منظمات وراقيان، وبين المزة القديمة، وقد كانت ضاحية زراعية جرى استملاك معظم أراضيها، ودفع سكانها إلى حيث لا يرون في الأحياء الخلفية الأدنى تنظيما والمتدنية الخدمات، وبين المزة 86 التي يسكنها عليون كانوا أوائلهم جنودا في سرايا الدفاع، التشكيل العسكري الطائفي الذي كانت وظيفته حماية النظام. أغلب سكان هذا الحي متواضعو الحال، لكن كثيرين منهم يعملون أدوات قمع للنظام ضد المحتجين على النظام. وفي عام 2012 جرى تجريف ما كان بقي من أرضي مصنوعة بالصبارة المزاوية المشهورة في دمشق بالبلدوزرات في سياق سحق مقامة المجتمع المحلي للنظام في عام الثورة الثاني. 
مثلك ذلك يصح على منطق كفر سوسة في دشق التي تتميز بثلاثية المزة نفسها، لكن بطريقة مختلفة: قسم حديث منظم، مكون من أبراج سكنية، ظهر بينها أول مول ضخم في دمشق قبل الثورة بسنوات، وغير بعيد عنه العديد من مقرات الأجهزة الأمنية، ثم قسم متدهور وغير منظم وغير مرئي أزيح إليه سكان المنطقة الأصليون، ومعهم من في مستواهم الاجتماعي. ومن نافل القول أن التجمعات الاحتجاجية والمظاهرات الليلية كانت تجري في القطاع الأخير. 
ولم يكن خارج المألوف أن تسمع سكانا محليين من المزة أو داريا أو المعضمية أو كفر سوسة أو برزة يعبرون عما يأملونه من الثورة في عامي 2011 و2012 بأنه استعادة الأراضي المغتصبة، وهي لغة لا يسمع المرء مثللها في سورية إلا من الفلسطينيين. 
ومن جملة الملفات التي كان النظام وعد أهالي مدينة حماه بإعادة النظر فيها في شهور الثورة الأولى هي الأملاك التي جر الاستيلاء عليها إثر سحق المدينة واستباحتها لنحو شهر في شباط 1982، حيث قتل بين 20 و30 ألفا من سكانها. 
وفي وقت أبكر، سبعينات القرن العشرين، اختلط في مخطط "الحزام العربي" الذي كان يفترض أن يسكن فيه قرويون عرب من ريف الرقة الذي غمرته بحيرة سد الفرات محل قرويين كرد في محافظة الحسكة على الحدود الشمالية الشرقية للبلد نزعة قومية ضيقة مع إضعاف احتمالات مطالبة كردية مستقلة بتلك الناطق ذات الكثافة الكردية العالية. وراء حل مشكلة المغمورين هناك توجه شوفيني لخفض وزن الكرد السوريين، وفصلهم عن الكرد الأتراك، ومحاولة احتواء النشا الساسي الكردي. 
مصادرة الأملاك كانت أيضا وجها من وجوه مصادرة الحياة العامة للسوريين والاستيلاء على الفضاء العام. كان محرما على السوريين الاجتماع العلني حتى في أماكن خاصة، ومحرما بالقدر نفسه التعبير العلني عن الرأي. ليس هناك أية مبالغة في ذلك. بلغت هذه المصادرة ذروتها حين جرى توريث بشار الأسد منصب أبيه. وبقدر ما عنى ذلك تأسيس سلالة حاكمة فتية، ضارية، كان معناه أن البلد ككل ملك لهذه السلالة وأتباعها. 
وفي هذا تنفرد سورية عن البلدان العربية كلها. فلا هي مثل الجمهوريات التي تفجرت فيها ثورات حققت شيئا مهما أيا تكن حصائلها الأخرى: تصفية مشروعات توريث الحكم، وكانت قيد الإعداد في تونس ومصر وليبيا واليمن، ولا هي مثل الممالك الأقدم عهدا في الخليج والمغرب والأردن، وقد ظهرت سلالاتها كلها مع ظهور البلدان ذاتها كدول ترابية معاصرة. هذه نقطة مركزية لمن يريد أن يفهم السر في العنف الهائل الذي مارسته السلالة الأسدية في سورية. يتعلق الأمر باندماج الحكم بالملك، وبظهور طبقة جديدة تكونت في جيلي الحكم البعثي، وهيمنت على الحياة السياسية العامة في عهد بشار الأسد. بشار نفسه، وزوجته أسماء، وأخيه ماهر وابن خاله رامي مخلوف، من أركان هذه الطبقة. 
ويبدو أن مخططات إعادة الإعمار التي يجري التفكير فيها اليوم تسير وفقا لنهج يتيح الاستيلاء على مزيد من الأراضي والتحكم الكامل بمراكز المدن. التنظيم العمراني وتخطيط المدن هو في كل مكان من العالم أداة للتحكم السياسي والسيطرة الاقتصادية. في سورية يقترن ذلك بعنف متوحش، يعكس حداثة السلالة والطبقة معا. 
في العقد السابق للثورة كان ظاهرا أن المجتمع السوري يتشكل بسرعة في صورة أمتين أو قطاعين اجتماعيين وسياسيين وثقافيين: قطاع حديث منظم، له أحياءه شبه الخاصة وضواحيه المحمية ومدراس تعليم صغاره المميزة بمستواها ووسائل نقله، وأماكن لهوه، مع علاقات كبيرة بالمراكز الأوربية والأميركية. كان أفراد هذه الطبقة يعرفون الكثير مثلا عن ضواحي باريس ولندن مثلا، لكن لا شيء تقريبا عن ضواحي دمشق المفقرة. أنتجت هذه الطبقة فنها وفنانيها ومثقفيها العضويين ووسائل إعلامها، لكن من أطرف خصائصها ضيوفها من صحفيين وإعلاميين غربيين، كانوا يقضون أوقاتا في صحبة بشار ومستشاريه وضباطه ومثقفي أمته المتحضرة العضويين، ويقضون على حساب الشعب السوري أياما وأسابيع في الفنادق الفخمة، ثم يكتبون مواد صحفية أو كتبا عن سورية بوصفهم "خبراء في شؤون الشرق الأوسط". كثيرون منهم، وبينهم روبرت فسك وديفيد ليش وباتريك كوكبيرن والمرحوم باتريك سيل، لم يلتقوا بثائر سوري واحد أو يزوروا حيا مهمشا. 
المجزرة هي النهج السياسي الذي تتعامل به هذه الطبقة مع تمرد السكان غير المرئيين، المدفوعوين إلى الهوامش والذين لم يكن يتكلم عليهم أحد. الطيران الحربي والسلاح الكيماي وصواريخ سكود، والقتل تحت العذيب في المقرات الأمنية، هي أدوات للتربية السياسية لـ"الأمة" المتمردة التي توصف بأنها حثالات ورعاع ومتخلفون. 
داعش تبني على منهج عريق مجرب. إذا كان مدى العنف والوحشية والاستيلاء الذي بلغه النظام ممكنا، ويستطاع تبريره بالوطنية، فماذا لا يكون عنف داعش ممكنا، ويسهل تبريره بالإسلام؟ قبل أيام نشر ناشط سوري محظوظ، أحمد ابراهيم الذي خرج من سجن داعش بعد شهر واحد فقط، مقالة عن مشاهداته في سجن داعش: أثناء تعذيب مروع لأحد معتقليهم، كانوا يقولون له: يا عرص، هذا ربع اللي شفناه بصيدنايا! 
صيدنايا معمل للتعذيب، للمعذِّبين والمعذَّبين. ورث في عهد التحديثي بشار سجن تدمر في صنع جوهر النظام: الهلع. بعد تمرد العبيد اعتمدت النخبة التحديثية لمملكة العبيد استراتيجية "تدمرة" سورية، تعميم سجن تدمر على البلد بكامله.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا