الحمل

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟
مقاربة

جرجس شكري
كلما قرأت لويس عوض أسأل نفسي من هو؟ سؤال يطرحه كل كتاب وضعه  سواء في الفكر أو النقد أو الشعر أو الرواية أو التاريخ وحتي الترجمة، فلويس عوض ليس فقط المبدع الناقد الأديب، بل ظني أنه صاحب رسالة وهو يعي هذا منذ أن بدأ حرفة الكتابة، وفي سبيل هذه الرسالة خاض المعركة تلو المعركة، وما أن يفرغ من واحدة حتى يبدأ في الأخرى بحماس لا يفتر وعزيمة لا تلين.

مازلت مندهشاً من شجاعته النادرة  وقدرته علي الاستمرار،حيث كان يضع نفسه في حقول الألغام غير عابيء بالنتائج أو قل الخسائر  التي تلحق به، فكان المفكر الثائر دائماً، فلو تأملنا بعض القضايا التي تبناها سنعرف أنه لم يكن فقط ثائراً بل كان فدائياً، ففي حياة كل كاتب أو مثقف معركة كبري شهيرة، وحياة لويس عوض  محض مجموعة من المعارك الكبرى
بدأت بديوان بلوتولاند ومقدمته الشهيرة تحت عنوان حطموا عمود الشعر، هذه الفكرة الرائدة التي أثارت جدلاً كبيراً لسنوات طويلة، وقضية ازدواج اللغة العامية والفصحي والتي أثارها من خلال "مذكرات طالب بعثة " ونال من أجلها اتهامات بالجملة، بالإضافة إلى بحثه الهام في التاريخ المصري قديمه وحديثه من خلال كتاب "تاريخ الفكر المصري الحديث" حين تناول التاريخ القومي والروحي إبان ثورات المصريين في وجه روما وبيزنطة، والتاريخ الثقافي والفكري أثناء الحملة الفرنسية ،ثم تناوله الجرئ والرائد لشخصيات شائكة في التاريخ المصري مثل يعقوب صنوع، الجنرال يعقوب، عبدالله النديم، جمال الدين الأفغاني، وبعض هذه الشخصيات مازال يثير الجدل حتى الآن، وبالطبع لا ننسي "على هامش الغفران" أو كما يحلو لي أن اسميها "حادثة الغفران" حين رجح لويس عوض أن أبي العلاء  كان مطلعاً على تراث اليونان قبل أن يكتب رسالة الغفران، فكانت الخطيئة الكبرى وكبيرة الكبائر، ومعركته الأخيرة حول كتابه "مقدمة في فقه اللغة".
كان لويس عوض يدرك - أنه في كل قضية من الأمثلة التي ذكرتها -  يخوض حرباً شرسة، إلا أنه كان مصمماً على المضي قدماً في طريقه فهو المعلم كما كان يقول عن نفسه " كل من عاصرني في تلك الفترة البعيدة من حياتي بين 1940 عام عودتي من كامبردج و1947 عام صدور ديواني "بلوتولاند" وكتابة رواية "العنقاء" كان يعرف أني لم أكن مجرد "مدرس" جامعي بالمعني المألوف، وإنما "معلم" من ذلك الطراز الذي لا يوجد عادة إلا في عصور الإنتقال حيث تسقط الحواجز بين المعرفة والحياة، وكانت تلهمني "شهوة لإصلاح العالم" وكنت دائم التفكير في عوامل التآكل التي استشرت في المجتمع المصري، ولا أقصد التآكل الخلقي، وإنما أقصد التآكل الإجتماعي الذي تجلي في تصدع الفلسفة الديمقراطية الليبرالية التي تبلورت في دستور 1923 " وهذه الشهوة في إصلاح العالم التي أدركته منذ الصبا ظلت تلازمه حتي الرمق الأخير، حيث بذل حياته في سبيل أن تسقط الحواجز بين المعرفة والحياة في كل أعماله، فكل أديب خاض معركة شهيرة في حياته، أما لويس عوض فحياته معركة كبرى من عدة جولات، ولهذا نال مجموعة من الألقاب والصفات من المستحيل أن تجتمع في إنسان أو كاتب.

فلنتأمل على سبيل المثال الصفات الي حازها لويس عوض، الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي والمفكر اللبناني حسين مروة أطلقا عليه لقب قائد الفكر اليميني، ونقاد مجلتي "الرسالة" و"الثقافة" منحوه لقب قائد الفكر اليساري الملحد في معركة الغفران وأضاف إليهم الشيخ محمود شاكر في نفس السياق أن لويس عوض آخر قنصل للعالم المسيحي في مصر منذ الحروب الصليبية، أما ميشيل عفلق الأب الروحي للبعثيين ومؤسس حزب البعث فرأى أن لويس عوض داعية فكري للفكر القومي المصري، وبالطبع عدو فكري للقومية العربية، وحتى الكاتب سعد الدين وهبة منحه لقب سفير أثينا وأسبرطة في مصر وحتى ولو كانت على سبيل الدعابة فهي لا تخلو من دلالة. فهل كان لويس عوض خطراً على الثقافة العربية إلي هذا الحد، وهل كان كل هؤلاء في شخصية واحدة، وهل كان يتميز بكل هذه الصفات التي أطلقها عليه كبار الكتاب، وكيف له أن يجمع بينها؟
فقائد الفكر اليميني اعتقل ستة عشر شهرا من مارس 1959 الى يوليو 1960 بتهمة الشيوعية، وآخر قنصل للعالم المسيحي كتب مادحاً تاريخ الأزهر في مصر ودور علمائه العظيم في مقاومة الحملة الفرنسية، ومساهمته الكبرى في إنشاء الدولة المدنية  في عصر محمد علي على الأسس الأوروبية الحديثة، ثم دوره الهام في إقامة الدولة القومية وتوحيد الأمة بعد ثورة عرابي! أليس هذا من المضحكات المبكيات!
  فقد صدرت ضده أربعة "كتب هي الغزو الفكري" لجلال كشك، "أباطيل وأسمار" للشيخ محمود شاكر، و"دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي" لحسين مروة ، و"دحض مفتريات ضد إعجاز القرآن وأباطيل أخرى"  اختلقها الصليبي المستغرب لويس عوض " للدكتور البدراوي زهران ردا على مقدمة في فقه اللغة، وبالطبع صادر الأزهرالكتاب فقه اللغة، بالإضافة إلي مئات المقالات، وأيضاً فصله من الجامعة عام 1954، ومنعه من الحديث في الإذاعة والتليفزيون، وفي أخريات أيامه قام أحدهم برفع دعوى في مجلس الدولة لسحب الجائزة التقديرية منه فماذا فعل لويس عوض حتى يسهر الخلق ويختصموا جراء كل ما كتب تقريباً؟ ولماذا كل هذا الهجوم الضاري عليه؟
ظني أن الخطيئة التي ارتكبها أنه حمل على عاتقه  تجديد تراث الآباء والأجداد بإعادة فتح باب الإجتهاد فيه علي ضوء المنهج العقلي والعلمي، ولم يكن أول من ارتكب هذه الخطيئة فقد سبقه إليها عميد الأدب العربي ورائد التفكير العقلي والعلمي في القرن العشرين دكتور طه حسين، والذي لولاه ماكان لويس عوض أو غيره فكر هكذا.
 كان لويس عوض يرى أن لا سبيل إلي بعث تراثنا وتجديده إلا بإعادة دراسته علي ضوء العلم والعقل لنغربله ونفصل هشيمه عن بذوره"، وتلك كانت مهمة لويس عوض وخاصة في التراث المصري فقد خصص الجزء الأكبر من حياته لدراسة تاريخ الفكر المصري الحديث، لقد رفض أن يستسلم للموروث الثقافي، أو عبادة الأصنام الفكرية كما فعل غيره، وكانت رسالته واضحة، وهي إعمال العقل،والدفع بروح العصر لمناقشة تاريخنا القومي. فهل هذه جريمة؟
وهل كان يستحق من أجلها كل هذه النعوت المتناقضة؟  فقط كان الرجل يخاف على التراث ويثق فيه أكثر من هؤلاء، ووفقاً لتعبيره هو  إن لم نناقش التراث كأننا نحنطه ونضعه في تابوت ونتلو عليه صلوات الكهان، أو نضعه كالعليل في محجر صحي، وإن حدث لن نصيب منه إلا الإقليمية والمحلية"، فهل هذا ما كان يرغبه أعداء لويس عوض، ومن هنا عدو التراث العربي لويس عوض أم من يرغبون في تحنيطه ودفنه؟
 لجأ إلى أدوات نقدية عديدة في بحثه الدائم  كما يحدد هو هذه الأدوات في تقديمه لكتاب "على هامش الغفران" مثل فقه اللغة المقارن، الأساطير المقارنة، الفلسفة المقارنة والأديان المقارنة، والقانون المقارن في محاولة لغربلة التراث ومعرفة وشائجه مع ماجاوره وما سبقه، حتي نضع أدبنا وفكرنا في سياق الأدب الإنساني والفكري العظيم.
 لقد  حمل لواء الفكر وراية العقل ليفتش عن المحتوى الفكري في كل المذاهب، حيث  يفسر لويس عوض الأدب من خلال تفسير الواقع الذي كان مصدراً لهذا الأدب، ويصل بين هذا وذاك علي نحو دقيق وغايته القصوي أن يزداد الإنسان تبصراً وتفهماً لنفسه حيث يبدأ دراسته المهمة عن الشاعر شيللي مؤكداً على أنه "لا سبيل إلى فهم المدارس المختلفة في الفكر والفن إلا إذا درسنا الحالة الاقتصادية في المجتمع الذي أنجب هذه المدارس، ولا سبيل إلى فهم المدرسة الرومانسية التي ينتمي إليها شيللي على وجه التخصيص، إلا إذا درسنا حالة انكلترا في عصر الانقلاب الصناعي" وهذا المنهج اتبعه في كل أعماله، وهو ليس بالأمر الهين ولا يتسني إلا لمثقف موسوعي مثل لويس عوض غزير الثقافة يستقيها من منابع شتي ويحسن تمثلها والإفادة منها  في النقد الأدبي ودراسة التاريخ، فهو يفسر الأدب ويفسر الواقع الذي كان مصدراً لهذا الأدب، وهدفه الأسمي أن يزداد الإنسان تبصراً وتفهماً لنفسه. فمقدمات لويس عوض في شتي أعماله  "برومثيوس طليقاً، فن الشعر لهوراس، بلوتولاند، ثلاثية أوريست، دراسات في الأدب الإنكليزي الحديث، وراوية العنقاء" على سبيل المثال وهنا أتحدث عن الأعمال الأولى، فهي مقدمات تحدد ملامح رؤية نقدية واضحة فتحت المجال أمام المنهج الإجتماعي لفهم الظاهرة الأدبية وربطها بالواقع الذي صدرت عنه سواء أكان هذا الواقع اقتصادياً أم اجتماعياً أم حضارياً، فكان يتناول العصر الذي تناوله الشعراء قبل الحديث عن الشعراء، فهو يشعر أنه صاحب رسالة. كان يؤمن  أن الآداب والفنون والفكر تتأثر كلها بالأوضاع الإقتصادية والمادية، بالتطور الاقتصادي والمادي  للمجتمع، عاش من أجل رسالته ولهذا لم يرض اليسار أو اليمين عنه، واختلف معه المحافظون والمحدثون أيضاً. عاش ضارباً عرض الحائط بالنظريات والمناهج التي لايستفيد منها الإنسان والتي تقف حائلاً بين المعرفة والحياة.

بلوتولاند
سوف أتحدث عن ديوان بلوتولاند كنموذج لرسالة لويس عوض الفكرية ورغبته الغريزية في التجديد والتجريب، وأنه كان يشعر في قرارة نفسه أنه برومثيوس سارق النار للبشر، ليس فقط من كبير الآلهة جوبيتر أو زيوس ولكن من كل من حجب المعرفة والتفكير عن البشر لذلك عوقب ليس فقط من كبير الآلهة ولكن من عدد لا يحصى من  الآلهة الصغيرة ولم ينل عقابا واحدا ولكن جملة من العقوبات.
كتب لويس عوض بلوتولاند ما بين أعوام 1938 ، 1940  ونشر الكتاب 1947، وكتب المقدمة الشهيرة قبل النشر عام  1947، وحتى نقرأ هذا الديوان والمقدمة الرائدة الحماسية لابد أن نعرف أعمال الدكتور لويس عوض في تلك الفترة من 1938 وحتى 1947، والتي استمد منها هذه الحماسة وهذا التمرد المبكر، ففي تلك الفترة اهتم لويس عوض بترجمة كتابين كان لهما تأثير كبير في رؤيته للشعر وهما  "فن الشعر لهوراس" وكان قد أنجزه عام 1938 في كامبدرج ونشره 1945 في دار النهضة بعد عودته مع المقدمة المهمة وهي دراسة مطولة عن الشعر، والكتاب الثاني "برموثيوس طليقاً" للشاعر شيللي ونشر عام 1946 مع دراسة استفاض من خلالها لويس عوض في  شرح حياة شيللي والمدرسة الرومانسية، وأصدر في نفس التوقيت عام 1946 ترجمة  لروايتين لأوسكار وايلد ، "صورة دوريان جراي، وشبح كانترفيل"  ثم صدر بلوتولاند عام 1947، ولا ننسي أنه في تلك الأعوام كتب لويس عوض "مذكرات طالب بعثة" وهي تجربة في اللغة قبل أن تكون جزءا من سيرة ذاتية أو أدب رحلات حيث يصفها قائلاً  فكرت أن أجرب النثر العامي في لغة السرد والوصف، والتحليل ولكن في حدود الفكر الجاد والعواطف السامية بل والقصد التراجيدي، وبهذا اكتشف امكانيات اللغة العامية عملياً لا نظرياً" .
وإذا القينا نظرة سريعة علي هذه الأعمال وأولها فن الشعر لهوراس، وفيه يبرز بقوة المنهج التاريخي للنقد وفيه يفسر كما ذكرنا سلفا الواقع الذي كان مصدراً لهذا النص، فالأدب والفكر والفن تمثل روح العصر وتجسده ، لأن جذورها ضاربة في البيئة التي أنتجتها ، فبعدأن يلقي نظرة علي سيرة  هوراس ويؤكد أن قصيدة  فن الشعر رسالة قبل أن تكون مقالا نقديا،ويعقد مقارنة بين الإغريق والرومان في فن الشعر،  يذكر هوراس أن الرومان كرهوا فن الشعر لأنهم قوم عمليون، ثم تهالكوا عليه لأنهم ظنوه فناً سهلاً لا يحتاج إلى دراسة" ثم يبدأ الجزء الأهم من الدراسة بتفنيد آراء أفلاطون في الشعر، ويشرح أسباب الحملة التي شنها على الشعراء ويرد عليه في كلمات تجسد الصراع بين القديم والجديد من وجهة نظر لويس عوض ينحاز فيها لأرسطو ضد أفلاطون، ويخبره بأن مقام الشعر حتى عهد أرستوفانيس وفقا لما جاء في كوميديا الضفادع كان مقام المعلم، وفضل الشاعر يقاس بمقدار ما  يهذب الناس في المدن، ويرقي بهم "فإذا كان أفلاطون يعيب علي الشعر أنه لحلاوته وطراوته مبني وموضوعاً يملأ الفتيان خنوثة وميوعة وفسوقاً... إلخ  ويرد لويس عوض بأن هذا الرأي خواطر ساذجة  ورغم هذا  أن بعض هذه التأملات على ما فيها من التواء على أساليب التفكير الحديثة تمثل اجتهاد عقل وافر الذكاء مستقيم المنطق خصب الخيال لتعليل طبائع الأشياء لهاوي الفلسفة أن أحب أن ينطح رأسه في الصرح الشاهق الذي شيده أفلاطون من لبنات القياس والاستنتاج والحوار النزيه والرغبة الخالصة في مطاردة الحقيقة والفضيلة والعدالة وما إليها جميعا من المجردات، أما نحن - يقصد الشعراء -  فنكتفي بجذب الدعامة من أسفل البناء لينهار الصراع على رأس بانيه، شاكرين له عنايته وعدوانه علي السواء. لكن أفلاطون جدير بشكر آخر وأبقى على هرائه الذي كان الحافز الأول لأرسطو إلى وضع فن الشعر" وهذا ما فعله لويس عوض في بلوتولاند، الرغبة القوية في سحب الدعامة من أسفل عمود الشعر، وإن كان لا ينكر دور هذا الشكل الشعري بلغته وبلاغته وأسلوبه في زمنه، فهذا التحول بدأ في الأندلس، وفي التراث الشعبي في مصر التي لم ينهض فيها الشعر العربي إلا على يد البارودي وشوقي وغاب عنها قروناً طويلة!
 ثم يختتم لويس عوض محاورته مع أفلاطون وأرسطو  قائلاً:  قابل أفلاطون أرسطو في الميدان الذي عينه الأخير، إذا كان الأستاذ قد تجاهل الوظائف الاجتماعية والروحية للشعر، وآثر أن يؤثر عليه التاريخ بإعتباره وثيقة للواقع  والفلسفة بإعتبارها وسيلة للحق، فإن التلميذ أي أرسطو أقام الدليل علي أن الشعر أدنى إلى روح الواقع من التاريخ، وأدني إلى روح الحق من الفلسفة.
وظني أن هذه الكلمات هي المادة الأولي لمقدمة بلوتولاند والتي كان محورها الصراع بين القديم والحديث ومدي قدرة الشعر علي التعبير عن الحياة  فهو  لم يقصد  بنشر هذا الديوان أن يفتح فتحاً بل أن يخلق دوامة صغيرة من دوامات الفكر وسط هذا الجمود الذي عاشه في اربعينات القرن الماضي من تراجع الشعر بعد موت أحمد شوقي وهو يعلم "أنه نهب الشعراء علي نطاق لم يسبق له مثيل، ونهب الألوان في محطات السكة الحديد وفي الطبيعة، وعذره أنه يرد مانهب إلى أصحابه في الحواشي، وعذره في النهب أنه لم ينهب لنفسه بل للشباب الحياري، الذين يعشقون الكاتبات على التايبرايتر، ويشمون رائحة الغابات في السينما ويأكلون الفول في إيزافتش... إلى آخره ولا يملكون إلا أحلاما يعلمون أنها أحلام، فإذا قرأوا شعرا فلم يجدوا إلا لخولة أطلال ببرقة ثهمد"، من أجل هولاء كتب لويس عوض هذا الشعر الذي يعرف جيداً أنه ليس عظيماً، ولكن يدرك أنه يلقي بحجر في المياه الراكدة فهذه رسالته.      
ثم يعد بأنه  لن يكرر هذا الخطأ مرة أخرى ولو نفي في بلاد الخيال، ولو أراد أن يقرض الشعر الآن لن يستطيع، فقد أجهز عليه كارل ماركس" فمن رأي السلاسل تمزق أجساد العبيد لم يفكر إلا في الحرية الحمراء!
وبعد خمسين عاماً من كتابة بلوتولاند عام 1988 يرى 11 "أن أزمة الشعر العربي التقليدي لم تبدأ لمجرد موت شوقي وحافظ ولكن بدأت لعجز المدرسة الرومانسية، عن التعبير عن أي مضمون إجتماعي أو إنساني بالمعني العام في زمن يقظة الجماهير وازدياد اندفاعها للمشاركة في تقرير مصيرها الإجتماعي والاقتصادي والثقافي والحضاري، التهاب الوجدان العام بقضايا الحرب والسلام والتقدم والحرية والمساواة والاخاء".
  ولم يختلف الأمر  حين قدم شيللي للقاريء العربي فراح يدرس انكلترا في عهد الإنقلاب الصناعي ليدرس شيللي والرومانسية ويخبرنا  أن" شيللي يري أن أي نوع من أنواع التفكير المجرد لا يخرج عن كونه تفكيراً اجتماعياً، لا يبحث عن الحقيقة اخلاصاً للحقيقة ذاتها ولكنها خدمة للجنس البشري، وعنده أن الإنتاج بجميع أنواعه إجتماعي في غايته، فإذا كان ميسوراً أن نتحسس هذه الغاية الاجتماعية في الانتاج المادي كزراعة الأرض وصناعة الأحذية أو التدريس في المدارس، فإن النظرة الشاملة إلي تاريخ الفكر والمفكرين  سواء أكانوا فلاسفة أو فنانين أو علماء أو ساسة للشعوب تهدينا إلي أن الانتاج العقلي كانت غايته دائماً خدمة المجتمع مهما غمضت تلك الغاية في نفوس أصحابها ، مهما استترت وراء الدوافع النفعية كطلب المجد أو المال.
لقد جاء ديوان بلوتولاند صرخة في وجه الجمود الشعري وانعزاله عن المجتمع، لذلك جاءت الجملة الأولى بعد العنوان حطموا عمود الشعر "لقد مات الشعر العربي بموت شوقي، لأنه كان يري أن جماعة أبولو والديوان وغيرها لا يناسب هذا الجيل" الجيل الذي عاش في الاربعينات من القرن الماضي "الذي عاش في الأرض الخراب التي انجلت عنها الحربان ورقص حول شجرة الصبار، فهو يقرأ بول فاليري وت.س. إليوت ولا يقرأ البحتري وأبا تمام، ورغم أن هذا الرأي مبالغ فيه يصدر عن حماسة أكثر منها رأياً موضوعياً،  لقد كتب لويس عوض المقدمة والديوان في لحظة فارقة ومؤلمة  عهد الأحكام العرفية واعتقالات وزارة عبد الرحمن صدقي للمثقفين والشيوعيين، ولذلك أطلق على الديوان "بلوتولاند" وهي كلمة يونانية تعني أرض الموتي نسبة إلي الإله بلوتو حارس هاديس أو الجحيم، ويفسر البعض بلوتولاند بأرض الذهب أو الثروة  وفقاً للفكر السائد  في التراث اليوناني أن كل ماهو ثمين في باطن الأرض، أي في نطاق بلوتو أيضاً، وفي خضم الحماسة الملتهبة والتشاؤم جاءت الصرخة المدوية في تسع تجارب أو تسع نقاط  تلخص أزمة الشعر في تلك المرحلة، سيطرة اللغة الفصحي  وحجب اللغة العامية المصرية وقدرتها علي التعبير عن الشعر، ثم الشعر القصصي، شعر البالاد أو القصة ذات المغزى، قالب السوناتا، وموسيقي الشعر ورفضه أن يختزل العرب ما في الوجود من موسيقي في ستة عشر بحراً ورأى أنها محنة الشعر العربي في هذا السجن الموسيقي، ثم تحدث عن البلاغة وضرورة كسر رقبتها وفقا لتعبير فرلين، وتنقية اللغة من المفردات القديمة غير المستعملة، ثم وحدة البيت التي تمنع تسلسل المعني ، وأخيراً الشعر المنثور أو كما نسميه نحن اليوم قصيدة النثر، وظني أن أهم ماجاء في هذه التجارب، تحطيم عمود الشعر، واللهجة العامية والشعر المنثور الذي ذكره سريعاً وطبقه في قصديتين "الحب في سان لازار وأموت شهيداً"، فالتحرر من عمود الشعر سوف يحرر البلاغة واللغة ويساهم في أشكال شعرية جديدة كما حدث فيما بعد، ولكن لويس عوض لم يفكر في هذا أو في الشعر الذي كتبه أو مدى جودته أو قل شعريته، كان يفكر فقط في إطلاق هذه الصرخة في مرحلة مبكرة، ولا أمل له كما قال إلا في أن يقرأ شاعر ناشئ مطبوع فيتأثر بما فيه من هذه التجارب ويجدد لنا ألوانه والوانها ويسلخ جلد الشيوخ .
فعلى الرغم من أن مقدمة بلوتلاند كتبت في درجة حرارة مرتفعة  سياسياً واجتماعياً فشابها مايشوب المحموم أحياناً من بعض الهذيان ورغم أن صاحبها لم يواصل كتابة الشعر إلا أن هذا لم يقلل من أهميتها ودورها في ريادة الشعر الحر، فعام صدور بلوتولاند 1947 هو عام التحول عربياً من الشعر العمودي إلى الشعر الحر، فقد لحقه في  عام 1948 الإعلان الرسمي لقصيدة الشعر الحر، وفي مقدمة الأعمال الكاملة للشاعر العراقي بدر شاكر السياب يعترف ناجي علوش الذي قدم لهذه الأعمال بريادة بلوتولاند ولكن صدورها سنة 47 جعلها ذات أثر محدود في تجربة الشعر الحديث لقد ضاعت في الموجة التي أخذت تتسارع في السنوات التالية غير ملتفته إلى شيء، (نازك الملائكة نشرت الكوليرا  27 / 10 1947، وبدر شاكر السياب نشر قصيدة "هل كان حباً" في ديوان أزهار ذابلة  في ديسمبر من نفس العام"...
وهنا نتحدث عن قصيدة واحدة لنازك الملائكة وأخرى لبدر شاكر السياب، في نهاية عام 47 ولكن لويس عوض نشر الديوان والمقدمة في نفس العام، وكانت هذه القصائد قد نشرت وكتبت منذ سنوات! واعترف الجميع أن محاولات الدكتور لويس عوض جادة وهامة لأنها تخطت مفاهيم الشعر العربي تخطيا نهائيا، حاول أن يبتكر أوزانا جديدة، وحاول أن يحرر الشعر من اللغة الجامدة، وتضم المجموعة قصائد فصحى وعامية، وقصائد عامية، بالإضافة إلى قصائد النثر.
وعلي الرغم أن ثمة اتفاقا من الناحية الزمنية علي أن محاولات الدكتور لويس عوض ومعه علي أحمد باكثير هي صاحبة الريادة في هذا المجال  12"فلم تذكر كثيراً إلا أن الرواد لم ينكروا هذه الريادة، فكان صلاح عبد الصبور دائما ما يذكر لويس عوض ودوره وربما هذا التجاهل لأن لويس عوض لم يكمل في هذا الإتجاه كما فعل الشعراء أصحاب هذه المدرسه"، وهو لم يكن يعنيه أن يكمل، وكان يعرف أن دوره في  كتابة المقدمة وهذه التجارب هي رسالته، وإن كان قد توقف عن كتابة الشعر إلا أنه تابع هذه الأعمال نقدياً ليكمل رسالته.


0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top