السبت، 6 ديسمبر 2014

"تاريخ التوحّد عند الأطفال الذكور وأعراضه" ليان هاكينغ(*)

SHARE
تاريخ التوحّد عند الأطفال الذكور وأعراضه

التوحد حال نفسية مدمرة يصيب دماره أسرة المريض في المرتبة الأولى. وبعض الأهل يعانون منذ ولادة أولادهم آلاماً ثقيلة الوطأة ويستحيل علاجها، وقد يعوض جزءاً من هذه الآلام وجود الولد وحضوره. ولكن الولد المتوحد ليس حاضراً. ووسمت دونا ويليامس، وهي متوحدة، سيرتها في 1992 بـ»ليس من أحد في لا مكان». والمتوحد، وهو غالباً ذكر، يتمتع غالباً بصحة جيدة، وعلى رغم ذلك لا يستجيب دعوة الآخرين إلى الانتباه. ولا يعود ذلك إلى تأخر نطقه وعسر هذا النطق واضطرابه، بل إلى افتقاره إلى دواعي الكلام والنوازع إليه. فهو يهجس بالأشياء وترتيبها، ولا يبدي سروراً بألعابه واللعب بها، ولا يألف الصغار الآخرين ولا يلاعبهم. وغالباً، يقتصر كلامه على تكرار جملتين أو ثلاث سمعهما منك (من الذي يعتني به)، من غير أن يفهم هذه الجمل. ونوبات غضبه ليست مثل تلك التي تصيب من هم في سنه. فهو يصرخ ويضرب ويعض ويكسر، في أعقاب أوقات من الاسترخاء المحايد أو بعد ابتسامة باردة لا تتوجه إلى المربي أو المعالِج.
وهذا التجاهل، أو الغربة التامة، هو أقسى ما في التوحد وأثقله وطأة. فالولد غريب عن أهله. والأهل الذين يرعون ولدهم إلى سن الرشد ويتولون «بناء» إنسان في مقدوره أن يحب، وأن يعوض إلى حد ما نواقصه، ويؤدي عملاً متواضعاً ومحترماً، ولا يفتقر إلى الاعتداد بالنفس – هؤلاء هم في نظري أبطال. وبعضهم قد يغضبهم ما كتبته للتو. فهم يقولون في سرهم ربما: «لا حقيقة لما كتب، فولدنا طفل رائع، ونحن نقر بحاجته إلى الترتيب التام ونعرف أن اللعب مع أترابه ليس يسيراً، والمشكلة هي أن اصطحابه في نزهات إلى أماكن عامة سبب في اضطراب لا يفهمه الناس عموماً، إلا أن أهلنا يحبونه، وهو لن يتأخر نطقه، ويحرز تقدماً ملحوظاً، ولا شك في أنه متوحد يعاني أعراض التوحد». والأهل تواسيهم تسمية ما لا اسم له، ويواسيهم لقاء أهل يشكو أولادهم مشكلات لا شفاء وشيكاً منها. والخدمات التي تسديها هيئات الرعاية الاجتماعية والصفوف المدرسية المتخصصة لا تقدر بثمن. وعلى رغم تيسير تربية الولد المتوحد فهي لا تزال عبئاً يقتضي حمله شجاعة كبيرة ومثابرة مرهقة.
ولورا شريْبمَن، أستاذة مادة علم النفس في جامعة كاليفورنيا بسان دييغو ومديرة برنامج بحوث في التوحد وصاحبة كتاب «علم التوحد وتخيله» (هارفرد يونيفرستي برس، 2007) – أمضت عمراً في العناية بالمتوحدين، وخبرت مشكلات تربيتهم خبرة عميقة وقريبة. وكتابها هو خير دليل يسع أهل المتوحدين الاستدلال به إلى حضانة أولادهم. وهي تتوجه به إلى من يكافحون المرض على الجبهة المتقدمة، وتحاول الإجابة عن الأسئلة الملحة: ماذا نعلم عن التوحد؟ ما علينا أن نعرفه؟ وماذا نأمل من غير شطط أو مبالغة؟
تجيب شريْبمَن عن السؤال الأول بالقول: نكاد لا نعرف شيئاً. وأسوأ من الجهل زعم بعض من يدعون العلم الإلمام بعلاج لا يتفق أبداً مع رؤاهم «العلمية»، وبعثهم آمالاً عريضة سرعان ما تترك محلها لخيبات أليمة. وهؤلاء الاختصاصيون يتخاصمون ويتقاتلون من غير هوادة. وهي تناقش بعض المقالات المتداولة والبسيطة، شأن القول أن 1) التوحد هو اضطراب يصيب السلوك. فترد بأن المقالة مصيبة على سبيل التعريف فقط، وبأن المصابين لا ينمون ذهنياً واجتماعياً على شاكلة أترابهم ومن هم في سنهم على العموم. و2) التوحد اختلال عصبي بيولوجي يولد مع الوليد الجديد. وتلاحظ أن إصابة هذا القول لا تتعدى تصحيح مقالات خاطئة تزعم أن المسؤولية عن التوحد تقع على عاتق الأهل وسوء تدبيرهم، أو أن السبب هو تغذية فاسدة أو لقاحاً لعلاج الحصبة. وتتولى برامج بحوث كثيرة تقصي الانحرافات التي يشكو منها دماغ المريض من غير نتيجة متماسكة إلى اليوم. و3) أصل التوحد وراثي جيني. وتقر شريْبمَن بقرائن على صدق هذه المقالة تظهر في دراسة التوائم الفعليين. ولكن معظم ما يقال في هذا الوجه أو ذاك من الحمض الريبي النووي، وعلاقته بالتوحد، لا يتعدى التخمين. والربط بكروموزوم بعينه افتراض يفتقر إلى التحقيق المخبري. و4) يلاحظ أن عدد الذكور المصابين يفوق مثيله في الإناث. من كل خمس إصابات تصيب واحدة الإناث. 5) تظهر الأعراض في سن مبكرة، وتتضح قبل بلوغ الثلاثين. صحيح، بل أن ليوكانير، أول من شخص التوحد الطفولي في 1943، ذهب إلى أن في وسع الطبيب تشخيص التوحد في الأشهر الأولى. فالأولاد غير المصابين يحركون رأسهم ويديرونه على نحو يتيح للأم حضانة الطفل وحمله بين ذراعيها وكأنه ينتظر الحضانة والحمل. وهذا ما لا يفعله المتوحدون.
وفي ضوء كثرة المقالات والآراء في التوحد، لا نشكو في أيامنا (من) التوحد وحده، بل نشكو من «طيفه المهيمن»، وعرضَ أسبيرغير الذي يصيب متـــوحـــدين «متفوقين» أو نخـــبة المتوحدين. وشهرة هؤلاء تقود القارئ العابر إلى حسبان التوحــــد ما يـــصدر عــــن هؤلاء، وهو بعيد من قساوة الأعراض الفعلية ووطأتها، على نحو ما ترويها جان – ماري بريفو، وهي أم قتلت ابنتها المصابة بالتوحد مستجيبة دعاءها: «ماما، ليس المستشفى!» (وسم كتاب الأم، 2000، دار جيه لو، بالفرنسية).
ولفـظـــة «أوتيسم» (عن النسبة إلى الذاتية: أوتو) نحتـــها مطلع القـــرن العشرين طبيب الأمراض العصبية والنفسية الســـويسري، يوجين بلولير، وهو شخَّص الشيزوفرينيا (الفصام) وأشاع اسمها في كتاب خصها به. وأطلق اسم التوحد على حال الانكــــفاء التام على النفس. وشاع الاسم بين الحربين العالميتين في الكتابات الطبية باللغة الألمانية، في ألمانيا وشرق أوروبا. وخُـــصّ به الراشدون، وحُمل على المصابين بالفصام. ولكن سرعان ما تنبـــه أول مشخـصي التوحد المبكر، طبيب نمسوي من غاليسيا (التشيخية)، ألماني اللغة، درس ببرلين فـــي أوائل عهد جمهورية فايمــــار المضطرب. سافر إلى أرياف داكوتا الجنوبية (في الولايات المتحــــدة) وزاول الطب هناك، وحط رحاله سعيداً في جامعة جون هوبكيــنز ببالتيمور، حيث أنشأ أول عيادة للطب العصبي- النفسي الطفولي، وكتب أول كتاب جامع في الموضوع بالإنكليزية، وبقي مرجعاً أعواماً طويلة. وأقام على جمع أعراض التوحد والفصام في تشخيص واحد. ولم يُفصل المرضان إلى 1979.
وغيرت «مجلة التوحد والفصام الطفولي» التي أنشئت في 1971 اسمها إلى «مجلة التوحد واضطرابات النمو»، ونددت افتتاحياتها بفكرة فصام طفولي. وبعض الباحثين اليوم يعود إلى استعمال الفكرة والعبارة، مشككاً في وحدة أعراض الفصام واتصالها. والمسألة التي تحير أطباء الأعراض العصبية – النفسية هي ظهور مجموعتي أعراض متشابهة ومتباينة معاً، وغير معروفة من قبل، على ضفتي المحيط الأطلسي (الأوروبية والأميركية)، وقبل حرب عالمية وبعدها. فكيف صادف أن أحداً لم يشخص المرضين من قبل؟
والقول إن أحداً لم يلاحظ أعراض التوحد والفصام الطفولي ليس دقيقاً. ففي ثلاثينات القرن العشرين، اضطلع طبيب أميركي ذائع الصيت، هو أرنولد غيسِّيل بدور يشبه دور الدكتور سبوك (طبيب الأطفال الأشهر) في ستينات القرن. وشرح غيسِّيل في كتابه «نمو الطفل الذهني قبل دخول المدرسة (1925)، للأهل مراحل نمو طفلهما: في أي سن ينبغي أن يربط شريط حذائه... وفي ضوء شروح غيسيّيل لاحظ أزواج الطبقة المتوسطة اختلالاً يصيب أبناءهم حين يحضنونهم ويضمونهم إلى صدورهم ولا يبدي الولد رداً أو انفعالاً عاطفياً. والأهل المقيمون ببالتيمور، ويلاحظون على أولادهم هذه الأعراض، وسعهم أن يشكوا حال هؤلاء الأولاد إلى عيادة كانير القريبة.
ولم يفت كانير الانتباه إلى أن الأهل الذين يقصدون عيادته هم في معظمهم من أصحاب الأعمال الإدارية المتوسطة (أطر وكادرات) المتحفظين والمنكفئين. ووصف أمهات الأولاد بأنهن «أجهزة تبريد»، باردات وبعيدات. ويومها، كان التحليل النفسي مهيمناً على عـــلاج الأمراض النفسية – العصبية. فخلص المحللون إلى أن من ينبغي علاجه ليس الطفل وأعراضه بل الأمهات. ولا يعلم غير الخالق عدد الأسر التي دمرها التشخيص المزعوم، والأولاد الذين راحوا ضحيته، والآلام الناجمة عنه. ولا يخلو كتاب من الكتب التي مـــر تناولها من فقرة تندد بعلاج كانير التحليلي. والحق يقال إن من تقع اللائمة عليه، فوق كانير، هو برونو بيتيلهايم، صاحب «القلعة الجوفاء» (1967)، وداعية علاج الفصام بواسطة التحليل النفسي.
ولم يكن كانير مخطئاً في كل ما ذهب إليه وأوصى به. وأحد تلامـــذته، سيمون بارون – كوهين، أحد كبار الأطباء البريطانيين الاختصاصيين، يشرف على برنامج بحوث يتقصى على شجرة نســـب الأولاد المرضى بالتوحد عدد المهندسين والعلميين والتقـــنيين الذين يغلب عليهم الفكر المجرد، وتدور حياتهم على الأبنـــية الباردة فوق دورانها على التعاطف. وخلص بارون – كــــوهين من تقصيه إلى أن الأسر التي ولد فيها طفل مصاب بالتوحد تقدم الميول «الذكرية» على الميول «الأنثوية»، وتعلي مكانة التجريد والتعالي وتؤخر منزلة العلاقات الإنسانية. والمسؤولية عن خطأ «العلاج» التحليلي وكارثته لا يتحملها الوصف العيادي للأعراض قدر ما تتحملها الخلاصة العلاجية، أي توجيه العلاج إلى الأهل.


* فيلسوف كندي وأستاذ في «كوليج دي فرانس» سابقاً، عن «ذي نيويورك ريفيو أوف بوكس» الأميركية، 11/5/2006، أعادت «بوكس» الفرنسية نشر المقالة في عدد 11/2014، إعداد منال نحاس
 عن جريدة الحياة

  

SHARE

Author: verified_user

0 facebook: