تلك الدعوة إلى العري!

6:41:00 م


حسن داوود
في فترة ما بين الحربين العالميّتين، في وسطها، سنة 1930، أصدر فؤاد حبيش مؤسّس "المكشوف" في فترة لحقت، كتابا أسماه "رسول العري". مادّة الكتاب مقالات نشرها في صحيفة الأحرار لقيت تأييدا واسعا إذ لم تخلُ بيروت، في ذلك الزمن، من وجود مؤّيدين لما يسميه الكاتب "مذهب العري". بل إنّ الكاتب يثبت في مقدّمته رسالة وردته من قارىء بحمص يدعو فيها إلى "تطبيق نظرية العري على مجتمع بلغ منه المرض النفسي مبلغا رائعا".

مقالات فؤاد حبيش هذه، وكتابه من ثم، إختصار لما ورد في "ريبورتاج" مطوّل للفرنسي لويس شارل رواييه حمل إسم "في بلاد العراة". هذه البلاد هي ألمانيا، المتقدّمة على فرنسا في ما خصّ الإقبال على العري إذ لم يكن في هذه الأخيرة آنذاك إلا ما يقرب من ألف شخص جعلوا من جزيرة فيلين "مكانا لاجتماع دعاة العري الفرنسيس". وكان ذلك على الطريقة الألمانية واتّباعا لما باشره الألمان، طالما أن الفرنسيين، "كثيرو الجرأة الأدبية، لكنهم عند العمل ضعاف العزائم، متردّدون، لا يجسرون على وضع أفكارهم الثاقبة ونظرياتهم الصحيحة موضع التنفيذ".

بلاد العري هي ألمانيا إذن. إليها ذهب رواييه لكتابة ريبورتاجه، الذي كان عند ذاك فنا جديدا في الصحافة بحسب ما كتب حبيش. هناك في مدينة ناكندورف انضم الكاتب الفرنسي إلى جماعة العري فاستقبله القائم على إدارة منتجعهم، عاريا في مكتبه، هو وعائلته. وفي ما تلى من إقامته هناك ظلّ حاله كحال مستقبليه، عاريا هو أيضا لكي لا يكون مختلفا بين مؤتلفين، إلى آن آمن بمبدئهم وعمل على دعوة بني قومه الفرنسيس إليه.

أما فؤاد حبيش فراح يدعو اللبنانيين إلى مذهب العري غير متأخّر عن الدعوة إليه هناك في فرنسا. بل ربما ظنّ أنّ لبنان قد يسبق هذه الأخيرة إليه. وفي هذا السبق تعديل لمسار معتاد قوامه أن نأخذ عن الفرنسيين ما هو مترسّخ عندهم، وليس أن نزاحمهم على استدعاء ما هو قائم عند سواهم. تبعا لذاك المسار المعتاد جعل رفاعة الطهطاوي قبل مئة سنة، ينصح العرب في أخذ طريقة الفرنسيين في الملبس والمأكل والتنزّه وتدبير أمور الأجسام والعقول. أما فؤاد حبيش فلجأ إلى السبق والمنافسة بدلا من الإحتذاء، متبنيا في ذلك ما قاله رواييه ذامّا الفرنسيين لضعف عزائمهم وقلة مبادرتهم. ربما كان هذا الإستعجال، أو التجاوز، من طبائع لبنانيي ذلك الزمن إذ، بحسبهم، لا ينبغي لأدوار التقدّم والتأخّر أن تظلّ على حالها.

هذا وقد صدّق حبيش ما قاله كاتب الريبورتاج الفرنسي عن أنّ العري ملازم للعفّة وملطّف للشهوة. فقد ذكر رواييه كيف أنّه، وهو بصحبة دورا إبنة مدير المنتجع، عاريين على مثال جديهما آدم وحواء، وكانا ينتقلان من حديقة إلى حديقة، لم يُستثر ولم تنهض حواسه الجنسية. أما متى حصل له ذلك، فهناك في ملهى ليليّ خارج المنتجع حيث كان كلّ منهما مرتديا ثيابه، كامل ثيابه. هناك فقط راح يتحرّش بالفتاة التي لم تردّه عنها طالما أنّ الدعوة إلى العري تشمل حقّ البنات بالتصرّف بعذريتهنّ، كما هو وارد في الكتاب. وهو، في لقاءاته الأولى سألها عن ذلك فأجابت، غير متردّدة، بأنها لا تكترث بما تتداوله العقول المتحجّرة عن غشاء البكارة.

العفّة إذن واحدة من الأسباب التي تدفع جماعة العري إلى خلع الثياب التي تثير الغرائز. كان الطهطاوي السابق الذكر قد كتب أنهم، في ما يسميه الفرنسيس ألـ"بال"، يراقصون بعضهم بعضا، رجالا ونساء، وتلتصق أجسامهم، من دون أن تداخل الرجل شهوة نحو المرأة التي يراقصها. وقد آمن حبيش بذلك أيضا، بعد مئة سنة، موافقا على أنّ كل اقتراب بين الذكر والأنثى معطّل لشهواتهما.

كان فؤاد حبيش الذي عرف بإسم "رسول العري" قد دُهش من سرعة استقبال اللبنانيين لما يفد إليهم من الخارج المتمدّن، فعمد إلى رفع وتيرة تلك السرعة بأن اقترح عليهم أن يُسرعوا إلى خلع ملابسهم. وهو لقي تجاوبا من بعضهم جعله يعيد نشر مقالاته في كتاب، ويتجوّل ناشرا دعوته بالغا في ذلك مدينة حلب.

وعلى غرار ما جرى لنبؤة جورج أورويل من أن الديكتاتورية ستعمّ العالم في 1984 (وهذا عنوان كتابه الشهير) فسقطت الديكتاتورية في البلدان التي كانت قائمة فيها بحلول ذلك الزمن، لقيت دعوة فؤاد حبيش مصيرا مماثلا. فبدلا من أن يتسع نطاق تلك الدعوة وتلقى مزيدا من المؤيّدين هنا في لبنان، راكم الناس ثيابا فوق ثيابهم حتى بتنا نرى الطالبات في الجامعة قد لجأن إلى المبالغة بالستر والتحجّب، هكذا بما يثير غرائز زملائهم ويلهيهم عن دروسهم، بحسب فؤاد حبيش.  

*كتاب فؤاد حبيش "رسول العري" أعادت دار "صنوبر بيروت" نشره بعد 84 سنة من صدوره - See more at: http://www.almodon.com/culture/e7d26840-4036-4087-97a6-40c2b135f23e#sthash.KafY0FQM.dpuf

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا