معرضا "كاماسوترا" و"فن الحب في زمن الجيشا" روحانية اللذة

6:32:00 م
ايمان حمدان

معرضان في باريس أقيما في نفس الوقت تقريباً يحاكيان موضوعاً أساسياً ألا وهو الحب والعلاقات الجنسية. المعرض الاول كاماسوترا الروحانية والإيروتيكية في الفن الهندي. أما المعرض الثاني فيحمل عنوان "فن الحب في زمن الجيشا". اللافت في المعرضين تلك المقاربة الطازجة لفلسفة وثقافة بعيدتين جداً عن الثقافة الغربية إلا أنهما تُقدّمان، ولعلها المرة الاولى، ضمن صورة متحررة من سطوة المقاربة الكولونيالية.
الكاماسوترا
هل كان على كتب الكاماسوترا السبعة ان تنتظر مئات السنوات كي يعترف العالم الغربي ان الكاماسوترا ليست مجرد كتابات بورنوغرافية من الهند القديمة، بل هي فلسفة هندوسية معرفية تقف الى جانب الكتب الدينية المعترف بها في الغرب. كتابات وضعها فاتسيايانا وهو براهمان هندوسي في القرن الرابع الميلادي، باللغة السنسكريتية، اللغة المقدسة آنذاك، معتمداً على مراجع هندوسية دينية قديمة. كتابات تحاكي بمواضيعها أرقى مستويات المعرفة الإنسانية والحكمة عبر تقديم مراحل حياة الفرد وسلوكياته الحميمة. والكاماسوترا هو عبارة عن احد أناجيل الدين الهندوسي الذي يعتبر اللذة جزءاً أساسياً من تكامل شخصية الفرد ومن مراحل توازنه ونضجه. تدور نصوصه ورسومه حول المرحلة الثالثة من حياة الانسان والتي يكون قد بلغ فيها التوازن المنشود بين الفضيلة والنجاح والإيروسية. فيه لا تغدو ممارسة الحب أداءً جسدياً فحسب، بل نشاطاً متعلقاً بالمعرفة والحكمة. الإنسان يجب ان يجمع الصفات الثلاث بانسجام كلي كي يصل الى الغاية الأسمى ألا وهي "موكشا" ومعناها الحرية الروحية او السعادة القصوى.
الكاماسوترا بهذا المعنى ليس مجرد كتاب عن أوضاع ممارسة الجنس بل عن ممارسة الحياة برمتها. في المعرض الباريسي قُدِّم كتاب كاماسوترا كأب للكتابات الإيروتيكية في العالم. ولا ندري إن كان هذا التقديم قريباً من الحقيقة أم لا ومن الصعب الجزم، ذلك ان الديانة الغربية (أي المسيحية) كانت بمفهومها وبسلوك سلطات
ها قد قضت في بداية العصور الوسطى على أي كتابات سابقة لتلك الفترة قدمت الجنس بوصفه مصدراً للذة.
نظرة الغرب
الثقافة الكولونيالية عمياء اتجاه ثقافات الغير، وخاصة بلدان الشرق والتي استُعمِرت، كالهند التي سيطر عليها الانكليز لأكثر من 200 سنة بينها 100 سنة من الاستعمار المباشر والمعلن دولياً. في هذا الوقت بالذات، أي وقت وضع اليد على اقتصاد الهند ومواردها الطبيعية والثقافية والتعامل معها كمستعمرة، أتت الترجمة الأولى لكتاب كاماسوترا. قُرأ الكتاب لأول مرة في العالم الانكلوساكسوني بترجمة بريطانية كولونيالية، ترجمه سير ريتشارد فرانسيس برتون الذي اشتهر في تاريخ بريطانيا الاستعماري وهو عسكري وكاتب ورحالة قام برحلات الى الشرق الاوسط والصحراء وأفريقيا. هو الذي قام أيضا بترجمة الف ليلة وليلة الى الانكليزية، وقد اتت ترجمة الكاماسوترا مجتزأة، اذ اختار برتون ما يريد أن يظهره من الفلسفة الهندوسية ألا وهي طرائق الممارسات الجنسية وأوضاعها. وكما بقي كتاب ألف ليلة وليلة يداعب مخيلة القارئ الغربي على انه مرآة لحياتنا نحن في الشرق وخاصة حياة النساء، كذلك كان الامر مع ترجمة كاماسوترا التي اتت أيضاً لتداعب وتنمّي فكرة خاطئة عن الثقافة الهندوسية التي هي أعمق بكثير مما طرحه برتون في مقدمة الترجمة. ومن السهل على ثقافة ترى ان اللذة والرغبة والحسية أسس للزنى (الثقافة المسيحية الغربية) ان تنظر الى كتاب مهم ككتاب كاماسوترا وكأنه كتاب بورنوغرافي فحسب.
لم تكن ترجمة برتون للعامة من القراء بل خرجت من تحت عباءة "نادي برتون" الذي اسسه الكاتب متوجهاً للخاصة فقط من الأعضاء، كذلك بدعم من جمعية الجغرافية الملكية التي كانت تهتم بما يأتي به ريتشارد برتون من معلومات حول شعوب العالم وسلوكياتهم، فهو كان (الى جانب انه رجل حربي) اتنولوجياً ومغرماً باكتشاف حضارات العالم ولغاته. دخل الهند وعاش فيها لسنوات كضابط في الجيش البريطاني التابع لشركة شرق الهند، وذلك قبل ان تعلن بريطانيا الهند كمستعمرة لها في منتصف القرن التاسع عشر.
كانت الترجمة الفرنسية لكتابات كاماسوترا السبّاقة وأتت قبل الترجمة الانكليزية. وهناك الكثير من المصادر التي اعتبرت ان ترجمة برتون اتت نقلا عن الفرنسية ولم تكن عن السنسكريتية، اللغة الاولى لكتابات كاماسوترا.
لذا يبدو معرض الكاماسوترا المقام منذ بداية تشرين الثاني في صالة بيناكوتيك الباريسية، وهو الاول من نوعه في مدينة النور، كأنه كإعادة اعتبار ومقاربة مختلفة وبعيدة عن الاحكام الغربية الماضية للثقافة الشرقية. ضم المعرض الذي قدّم "الروحانية والإيروتيكية في الفن الهندي" أكثر من 300 لوحة وتحفة فنية وحفريات خشبية وحجرية ومجسمات صغيرة تصور العلاقات والاوضاع الجنسية بمظاهرها التي لا تبتعد كثيراً عن الروحية الهندوسية في الهند القديمة. روائع فنية وألوان تخطف العين ليبدو المعرض وكأنه عيد للروح وللحواس في آن.
في الكاماسوترا تلتقي الفضيلة باللذة وتؤلفان عالماً متكاملاً لا نستطيع من خلاله ان نرى الانسان الا عبر وجودهما معاً واتحادهما. إنها نظرة مناقضة بشكل كامل لما تعلمناه في العلوم الانسانية (الغربية بالطبع)، حول البدائية والحضارة، حول الخاص والعام، حول فكرة الدين بحد ذاته. إنها رؤية أخرى قد تشجعنا على مساءلة العلوم الانسانية وإعادة قراءتها بشكل مختلف وبمنهجية اكثر إنسانية وأقل تأثراً بالكولونيالية.
فن الحب في زمن الجيشا
أهمية زيارة معرض فن الحب في زمن الجيشا مباشرة بعد الانتهاء من زيارة معرض الكاماسوترا يكمن في استعداد نفسي للدخول في عالم الإيروسية الملونة كحقل شاسع من حقول ربيع اليابان. إنها متعة زائدة في رؤية معرضين يدوران حول موضوع واحد هو الحب. الحب وطقوسه وممارسته كفن خالص متحرر من الذنب الديني. بهذا المعنى يتشارك المعرضان في فرادة نوعية وفي تحرير ثقافة الشرق الإيروتيكية من سطوة النظرة الغربية لها. أكثر من مئتي لوحة ومحفورة ومنمنمة جمعت من المتاحف الاوروبية ومن مقتنين فرديين في الولايات المتحدة الاميركية مُنع عرضها لوقت طويل ليس فقط في اليابان بل في العالم أيضاً. أشياء متعلقة بيوميات فن الحب من مجسمات جنسية الى روائع فنية تظهر ثقافة وأداب هذا الفن في مرحلة معينة من تاريخ اليابان إلا وهي مرحلة الـ "إيدو" الممتدة ما بين القرن السابع عشر ونهايات القرن التاسع عشر. أول ما يستوقف زائر معرض فن الحب في زمن الجيشا هو (خلافاً لمعرض الكاماسوترا) غياب العري بشكل عام، العري المحاط بعوالم من الرغبة (والروحانية في آن) والذي كان سمة أساسية في معرض الكاماسوترا. قليلة جداً هي اللوحات والرسومات التي تقدم رجالاً ونساءً عراة في اوضاعهم الجنسية، بل معظم رسومات فن ممارسة الحب أتت مزدهرة بالملابس الفضفاضة والأنسجة الحريرية الملونة التي يلبسها الرجال والنساء على السواء. وهذا لعله خصوصية يابانية متعلقة بفن سلوك الجيشا. أن تكون المرأة جيشا يعني ان ترتدي الكيمونو الخاص بها، وأن تسجن شعرها بصرامة. لكن نرى الرجل أيضاً غير متخل عن ملابسه. معرض فن الحب في اليابان القديمة أعاد لثقافة الجيشا وأصولها اعتباراً قد تكون اليابان فقدته في تاريخها الراهن. كانت ثقافة الجيشا حينها ما زالت متصلة بإرث ثقافي ياباني قديم العهد ولم تكن عولمة الحضارة الغربية قد افسدتها بعد وحولت مهنة الجيشا (التي تفرض على المرأة ثقافة عالية جداً في الموسيقى والأدب وفن تقديم الشاي) الى ما يشبه بائعة الهوى.
برغم انه يقدم صورة عن العلاقات الجنسية وأشكالها في اليابان القديمة إلا أن معرض الحب في زمن الجيشا يختلف على نحو ما عن معرض الكاماسوترا. قد تكون تلك الفلسفة الهندوسية المسالمة والمتوازنة قد نجحت أكثر في الوصول الينا نحن زوار المعرض بينما بقي المعرض الياباني في حدود تقديمه لصورة عن العالم الجنسي لليابان الغابرة. وقد ساهمت إضافة لوحات وأعمال فنية يابانية حديثة وتخلو غالباً من الذوق الفني، في التقليل من تأثير جو المعرض إيجابياً، ومن إعاقة تواصله مع الزائر. في الرسومات هناك قساوة ما، تظهر في الوجوه الذكورية، وفي التواصل الجسدي بين النساء والرجال. الرجال لا يبتعدون كثيراً عن مظاهر الساموراي ولا عن وضعية القتال. ربما ينقص الحب هنا قليلا من التمهل والوقت، وقليلا من روحانية الكاماسوترا. إنها حضارة مختلفة برغم ان الكتابة الإيروتيكية تعود الى زمن سحيق وقد يكون لها ينبوعاً واحداً في البلدين: الهند واليابان. لكن تبقى المرأة في كتابات الكاماسوترا ورسومها أقرب الى الروحانية بل الى القدسية.
برغم ذلك أعادنا معرض فن الحب في زمن الجيشا الى تذكر رائعة ياسوناري كاواباتا "الجميلات النائمات". تلك الحضارة اليابانية التي أهدتنا كتاباً مثل الجميلات النائمات، هي التي دفعت الينا أيضاً بعوالم فيلم امبراطورية الحواس للمخرج الياباني ناغيزا اوشيما. والعملان على طرفي نقيض في محاكاة الموت والجنس والحب. الاول يقارب الموت مرافقاً للشباب النائم والجنس المؤجل، اما الثاني فلا يرى رغبة الجنس خارج لعبة الموت والعنف. ثمة شيء هنا يذكّرنا على نحو ما بالمركيز دو ساد مرة جديدة وبمعرضه الباريسي أيضاً.

"فن الحب في زمن الجيشا" يستمر في صالة بيناكوتِك 1 حتى 15 شباط 2015
"كاماسوترا - الروحانية والإيروتيكية في الفن الهندي" يستمر في صالة بيناكوتِك 2 حتى 11 كانون الثاني 2015

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا

1 facebook:

شاركنا بـ facebook