الجمعة، 14 نوفمبر 2014

فيلم "بلدنا الرهيب" عن المثقف والشعب في الثورة

SHARE


باريس - حسين الغجر

"هو علاقة بين جيليين انخرطا منذ البداية بالثورة السورية، كل على طريقته وما حملته هذه الثورة من آمال وخيبات وانكسارات"، هكذا قدم المخرج محمد علي الأتاسي، فيلم "بلدنا الرهيب" الذي أنجزه مع السينمائي الشاب زياد الحمصي، وقد عرض في معهد العالم العربي، في باريس، يوم الاثنين 3/11/2014، بعد عرضه في بيروت.
يتحدث "بلدنا الرهيب" (إنتاج مؤسسة بدايات)، عن رحلة ياسين حاج صالح بمرافقة شباب من دوما باتجاه مدينة الرقة على عدة مراحل، علم خلالها ياسين بخبر اختطاف أخويه بعد سيطرت تنظيم داعش على الرقة وتخفيه داخل المدينة ثم خروجه إلى تركيا وعودة زياد باتجاه الجنوب والتي لا تكتمل حيث يخطف من قبل ذات التنظيم ثم كذلك خبر اختطاف كل من سميرة خليل وزان زيتونة ووائل حمادة وناظم حمادة الذين اختطفوا في دوما من قبل جهة مجهولة حتى الآن .

دوما في بلدنا الرهيب 
يبدأ الفيلم بمشاهد لزياد الحمصي وهو يحمل بندقيته ويقاتل في مدينة دوما ثم يظهر بعدها ياسين حاج صالح وهو يتكلم عن الدمار والنظام من خلال آثار وفعل القصف يظهر ياسين الذي يتكلم عن الدكتاتورية والهمجية في أفعاله بلغة الكاتب والمثقف حيث يتكلم بلغة فصحى ويتنقل في عدة أماكن، ثم ينتقل بنا الفيلم إلى نقل إحدى حملات التنظيف التي يظهر فيها ياسين وسميرة وكذلك لمرة واحدة تظهر رزان زيتونة وهي تطلب من زياد إيقاف التصوير من ثم ينقل زياد بكامرته غضب ياسين من عدم تفاعل الناس حين يقول (كلهم يريدون التصوير ولا أحد يريد العمل) لينتقل فجأة بنا زياد إلى رجل ملتح من مدينة دوما  يرد على أسئلة زياد بخصوص طلبه من سميرة ارتداء الحجاب، دون أن نرى أو نعرف رأي كل من ياسين وسميرة وغيرهم بالموضوع، ويلاحظ من خلال عملية التصوير أن المصور أراد اختيار زاوية أظهرت الرجل الدوماني الملتحي بشكل فج ومزعج وهو يتكلم عن دوما وأصول العيش فيها وعادات أهلها، وفي  الوقت نفسه  يظهر وقوف ياسين وسميرة لوحدهم بعيداً، ثم ليظهر ياسين أمام الدفاع المدني في المدينة ويتحدث عن الموت والحياة واللافت على طول وجود ياسين في دوما هو عدم ظهوره لمرة واحدة مع أهالي دوما، فظهر ياسين كنموذج للمثقف السوري الذي ربما حضر مكانياً فقط دون أي اختلاط وتعاطي مع العام وهنا العام كم ظهر هو الرجل الملتحي الذي لخصت به دوما أو الأشخاص الذين لا يعملون بلا يريدون الظهور أمام الكاميرا، ذاته ياسين حاج صالح قالها أمام الكاميرة .
هذا كل ما ظهر عن دوما وهكذا تخلص إلى أن دوما ذاتها التي عمل فيها رزان ورفاقها لمدة سنتين قبل عملية الخطف التي لا يعلم عن تفاصيلها شيء تختصر هذه المدينة برجل ملتح يتعرض لحرية الأخرين كما تظهر في الفيلم وبزياد الباحث عن الخلاص لاحقاً.

الرحلة صوب الشمال 
يقرر ياسين خروجه من دوما صوب الشمال كما يقول، وبالتحديد صوب مدينته الرقة، وتبدأ الرحلة التي تجمع زياد الحمصي وياسين ومجموعة من الشبان، الرحلة التي حددت على أنها ستكون على مراحل يظهر في مشاهد الرحلة ياسين وهو يتحدث عن الخطوات التالية وعن وجهة كل شخص من المجموعة، وتنتقل المشاهد من عملية السير المتعبة ثم التنقل بسيارات ليلاً كتدليل على صعوبة الطريق وربما خطورته، الرحلة التي تستمر تسعة عشر يوماً يظهر في أحدى مراحل تلك الرحلة ياسين في أرض صحراوية فيها مجموعة تلال وجبال وهو يقوم بغسل ثيابه وتظهر المجموعة تحت خيمة  إنزلت أعمدتها، كي تقيهم حر تلك الصحراء ويتكلم ياسين أيضاً عن صعوبة المكان وانقطاعه عن العالم. كما يظهر أنس وهو أحد الشباب المرافقين وهو يشير إلى نفاذ ماء الشرب، وبعدها يسمع ياسين خبر اختطاف أخويه في مدينة الرقة من قبل التنظيم الإرهابي داعش ومع ذلك يصر ياسين إكمال رحلته فلا وراء هنا ولا عودة أبداً دون أن نعلم كيف وماهي الأدوات التي أوصلت إليه هذا الخبر فهو يظهر في صحراء لا ماء فيها يمشي على قدميه وكذلك يظهر في إحدى المشاهد وهو يرتدي خف غير متناسق ومختلفة كل قدم عن الأخرى ربما أريد منها التدليل على عذاب المثقف السوري في رحلته، كما تظهر عدة مشاهد خلال الرحلة وخاصة المشاهد التي يتكلم فيها ياسين على أنها مركبة إخراجياً وربما طلب زياد من ياسين إعادتها في أكثر من مرة وهذا ما يمكن لأي مشاهد تحسسه بسهولة وكذلك له أثره في عدم الخوض أو اختصار المسافة بين ما يرى وروحه كمتلقي أو وجدانه.

الشمال المحرر محطة مؤقتة 
يصل ياسين ورفاقه إلى مدينة الرقة ويظهر وهو بين عائلته ومن ثم ينتقل بنا الفيلم إلى إظهار ياسين وهو يتكلم الإنكليزية وكذلك وهو يتكلم مع سميرة وفيما بعد يتحدث ياسين من خلال صوت مسجل عن تجوله في مدينته بشكل سري يتجول في سيارة في النهار في مدينته بشكل سري خوفاً من تنظيم داعش أو الغربان السود كما يسميهم ويظهر زياد وهو يناقش المخرج علي الأتاسي في مواضيع لها علاقة بالكاميرة والتصوير دون أي وضوح أو نهاية أو بداية للموضوع، ويقرر ياسين الخروج نحو الشمال أكثر وهذه اللحظة نحو تركيا ليلتقي بصديق له هناك ويقرران تناول الإفطار معاً.

بين المثقف والشعبي في الثورة 
ربما، يمكن القول أن أهم لحظة في الفيلم، أو اللحظة الأكثر رهبة في بلدنا الرهيب، هي الحوار الذي يدور في مطعم أبو فراس في مدينة غازي عنتاب في تركيا بين كل من ياسين حاج صالح وبائع الفول والذي يبدأ باعتراض ياسين على سعر الطعام، ليبدأ إشكال بينهم ويتصاعد حين يطلب ياسين لعدة مرات من البائع إنهاء الموضوع ويصر على أنه خدعه وربما أراد علي الأتاسي وحرص على إظهار هذا المشهد لما فيه من تصوير واقعي لعلاقة المثقف والشعبي في الثورة، فهذا الحوار هو الأول الذي يظهر فيه ياسين حاج صالح وهو لا يتكلم الفصحى وكذلك الحوار الأول الذي يجمعه بشخص عادي، يتصاعد الإشكال بينهم ويغضب الرجل المسن وهو بائع الفول والذي يصل به الحد إلى الإشارة منه، إلى صورة على الجدران لشاب مكتوب عليها الشهيد واسمه حين يقول هذا أثمن من كل العالم لدي ثم ليرد على سؤال على بعد انتهاء الإشكال حين يسأله عن النظام وبشار، ويقول بشار خيال غير موجود، وما أريد قوله هنا أن البائع وكل من يوجد في عنتاب يعرف أن ولده قتل وهو يقاتل مع الجيش الحر في المراحل الأولى للثورة السورية ولكنه لسبب ما ادعى أنه مات نتيجة للقصف وهنا يختصر بائع الفول الثورة بجملة واحدة أن بشار خيال ونحن لا نأبه لشيء قدمنا أغلى ما لدينا وهذا كله جاء بدفع من اعتراض ياسين المثقف على سعر وجبة الطعام وكذلك يختصر هذا المشهد مكان المثقف ويؤكد على أن الوجود المكاني غير مفيد ولا بد من وجود تأثير في محيطه وهذا مالم نشاهده على طول الفيلم.

 المحطة الأخيرة 
في اسطنبول يظهر ياسين وحيداً لفترة ثم ينقل إلينا حديثه مع سميرة على السكايب وهو يسالها عن فكرة خروجها وطريقة خروجها من دوما وحين ينقطع الاتصال بينهم نعلم بخطف سميرة ورزان ووائل وناظم من قبل مجموعة إرهابية في دوما  ،ثم يظهر ياسين مع مجموعة شباب وفي واحد من المشاهد تقول له فتاة أنه طلب منهم في دمشق عدم قبل كل من هو فوق الخمسين في الثورة ليرد عليها ضاحكاً باستثنائي، ثم يظهر ياسين وزياد في مكان ما وهم يتبادلون الحديث بعد أن يتكلم زياد عن السلاح والدافع إلى حمله وخيارات العودة إلى حمله وعن الإسلام والصلاة وينتهي الفيلم بجلوس ياسين وزياد في مطعم، زياد يتحدث عن أهله واعتقال أبيه ليبدأ زياد بالبكاء وتوجيه الحديث أن على ياسين أن يعيش وكذلك هو من حقه وأهله أيضاً ويبكي ياسين في إشارة ربما إلى نهاية زياد وياسين في مكان خارج سوريا كلاهما فقد الكثير الاهل والرفاق وبذلك كان "بلدنا الرهيب" رهيب بضريبته على الجميع من ياسين إلى زياد إلى بائع الفول والكثيرين فكان تلخيص لكثير من مآسي الشعب السوري على طول ثلاث سنوات وأكثر لم يبقى أحد لم يدفع ضريبة وجود نظام عالمي بليد ونظام سوري مجرم وتكالب حمقى الإرهاب في سوريا وكذلك كان صورة حية عن المسافة الفاصلة بين المثقف والشارع ليس في سوريا فقط بل وفي العالم العربي كله وانه لا بد من إعادة النظر في توصيف ومكانة المثقف العربي في ظل الربيع العربي ككل وهل شرط الوجود المكاني كافي ليكون مثقفاً شعبياً ولذلك كان بلداً رهيب على الكل .




SHARE

Author: verified_user

0 facebook: