العالم العربي يبكي صباحه- محمد الحجيري

1:10:00 ص


هذه المقال سبق أن كتبته لجريدة "الجريدة"(الكويتية) قبل أن اغادرها، كتبته بطلب من ادارتها تحسبا لأي طارئ يصيب صباح وهو في اجزاء منه فصل من كتاب سبق أن طبعته بعنوان "صباح... حكاية تشبه بيروت"...

من بين الفنانين العرب وفناناته، كانت "الشحرورة" صباح (اسمها الحقيقي جانيت فغالي) الأكثر عرضة لانتهاك حياتها الخاصة وخصوصيتها، فعدا عن أنها كانت تفتح قلبها وتتحدث لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمجلات الملونة بعفوية وصراحة عن زيجاتها وغرامها وفساتينها ووالدتها (القتيلة على يد شقيقها) وشقيقتها (القتيلة عن طريق الخطأ) ووالدها وعشاقها، ما يجعلها شعبية بامتياز، كان بعض وسائل الإعلام يبالغ في نسج الحكايات والإشاعات حولها، لا سيما إشاعة الموت. رحلت صباح وتوقفت هذه الإشاعة.


 لم تتعرض فنانة لإشاعات الموت والغياب كما تعرضت صباح. أماتوها عشرات المرات وسارعوا إلى رثائها والكتابة عنها كأنهم جوعى للأخبار الدرامية والفجائعية. حتى المنجمون والفلكيون جعلوها محطً أنظارهم في توقعاتهم الخبيثة في سهرات رأس السنة، وبعض وسائل الإعلام يتحدث عن حياة صباح وعمرها وكأنها "قاعدة على قلبهم" كما يقال بالعامية الدراجة، ولم يعجب بعضهم أنها كانت لا تزال على قيد الحياة.
لم تتطاول فنانة إشاعات الزواج والطلاق والحب كما طاولت صباح، وذلك لأنها تزوجت سبع مرات وصار سهلاً على بعض الخبراء بالصحافة الصفراء تأليف حكايات حول زواجها لجذب القراء والفضوليين والمتلصصين. ولم تنج صباح من حمى كاميرات التصوير حتى وهي على سرير المرض في المستشفى، فكانت تسرَّب على مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك، واتس آب، تويتر) صور لها التقطت بطريقة "لاإنسانية"، لا تحترم مشاعرها وعمرها ورسالتها وحياتها. قيل إنها صور قديمة وليست في المستشفى بل هي مأخوذة سراً من جناحها في أوتيل برازيليا، وسرعان ما وزعت صور أخرى لها مع بعض الإعلاميين مع إخفاء وجهها حرصاً على خصوصيتها.
 أغرب ما في الصور أن بعض الإعلاميين والمعجبين بصباح كان يذهب للاطمئنان على صحتها وهي في حالتها المرضية الصعبة، ويقف لالتقاط صور معها في وضعيات تثير النفور والاشمئزاز، كأن هؤلاء في رحلة سياحية في أحد المنتجعات، أو كأن صباح وهي على سرير المرض ذلك الهرم الأثري الذي ينبغي التقاط صور قبالته مع ابتسامة عريضة. لم ينتبه أحد من عشاق الصور لأحوال الفنانة ومأساتها في آواخر عمرها، لم يتركوها بحالها في ما تبقى لها من حياة.
ينطبق كلامنا عن صباح على كثير من الفنانين والمشاهير والمواطنين العاديين، لقد بات نشر صور الإنسان وهو على سرير المرض أو الموت هواية البعض، كأنهم يتلذذون بهذا المشهد القاسي والخاص من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، هل يعني هذا أننا فقدنا الإحساس بالأشياء، وجعلنا أهم خصوصيتنا عرضاً للاستباحة والانتهاك حتى ونحن على سرير الموت؟!
كانت صور صباح الأخيرة على سرير المرض صادمة للجمهور والكتاب والمعجبين بفن الشحرورة وتجربتها وأفلامها وطيبة قلبها. حتى أولئك الذين لا يحبون فنها، كان سؤالهم عن المغزى والهدف من نشر هذه الصور في هذه المرحلة بالذات؟ بعض من سرّب تلك الصور ربما نشرها بسبب محبته الزائدة لصاحبة "ألو بيروت"، لكنه من دون أن يدري أساء إلى حياتها ومسيرتها وألمها وحتى جمهورها، والبعض الآخر وزع الصور بهدف قتل صورة صباح التي اعتادها الجمهور في ذاكرته ويريدها أن تبقى كما هي، وثمة من استغل الصور ليكتب خبراً رديئاً لموقعه الإلكتروني أو مجلته مع بعض التنظيرات والتبريرات.
 صباح التي تتميز بطابع صوتها الجبلي - الريفي وقوته وصفائه مع أوفها العالية، وهي صاحبة 3400 اغنية منوعة، وشاركت في التمثيل في 85 فيلماً، وتزوجت من هو بجيل والدها ومن هو بجيل حفيدها، أحبت رشدي أباظة واقترنت بالرؤساء والأمراء، رسخت صورة شبابها الدائم في وجدان جمهورها. خلال مسيرتها، لم يكن غناء صباح على قدر من الإشكالية في حديث الناس، إذا ما قارنّاه بهيئتها وجمالها وشقارها وثيابها التي كانت أقرب إلى "ألف فستان وفستان". على مدى عقود كان السؤال عن كيفية اهتمامها بجمالها ونضارتها، وكانت تستقبلها المحطات التلفزيونية ضمن برامج التجميل وغيرها للسؤال عن الموضوع. وهي كانت تجيب بأن "حب الحياة هو الذي يجعل الإنسان نضراً"، على ان النساء ينظرن إلى "الصبوحة" ويقلن "ما زالت تتفنن وكأنها ابنة السادسة عشرة"، وعلى هذا اعتبر الجمهور أن نشر صور صباح على سرير المرض هو محاولة لتدمير صورتها الحقيقة، صورتها المثالية في شبابها. والملاحظ أنه في زمن مواقع التواصل الاجتماعي، لم يعد ممكنا ضبط نشر الصور غير المرحب بها، بات الفيسبوك فسحة أو "هايد بارك" لنشر السيئ والقبيح والجيد وكل شيء، كل شخص يفكر بالصورة بالطريقة التي تناسبه، ويعلق عليها بالطريقة التي ترضيه، وتتراوح التعليقات بين الاحترام والسذاجة والابتذال والسطحية والخبث والإدعاء.

طفولة

ولدت جانيت جرجي فغالي المعروفة باسم صباح في 10 نوفمبر عام 1927 في بلدة بدادون قرب منطقة وادي شحرور القريبة من بيروت، وهي المولودة الثالثة في أسرة جرجي فغالي بعد جولييت ولمياء. يُحكى أن الأم لم تستطع أن تقاوم دموعها عندما علمت أنها ولدت بنتاً، لأن الأسرة كانت تريد صبياً، وقيل إنها امتنعت طوال يومين عن إرضاع المولودة الجديدة، ولولا حكمة عم الطفلة الشاعر الزجلي أسعد فغالي "شحرور الوادي" لما اقتنعت الأم بوجوب إرضاعها. ما لبثت أن حلّت مشكلة الأسرة بولادة شقيق صباح أنطون.
كانت والدة صباح خفيفة الظل، مرحة، تعشق الفن، وكان الوالد يهتم بزراعة قطعة أرض كان يملكها في البلدة، وبسيارته الفورد العمومية التي كان يقودها السائق طنوس. مرَّت الأيام على العائلة هادئة، غير أن هذا الهدوء هزه مقتل جولييت، شقيقة صباح الكبرى، غداة إصابتها بعيار ناري وهي في العاشرة من عمرها، في إشكال وقع في بدادون، وكان سبباً لمغادرة صباح البلدة إلى بيروت والالتحاق بالمدرسة الرسمية أولاً ثم بمدرسة اليسوعية، وكانت تمثل وتغني في الحفلات المدرسية وهي لم تبلغ الثانية عشرة.
ذكرت صباح أنها عندما قصدت مع عائلتها منطقة جل الديب في ضاحية بيروت الشرقية لزيارة إحدى العائلات، قال لهم صاحب البيت: "بالقرب من منزلنا كنيسة، كل من يدخلها للمرة الأولى ويطلب أمنية معينة تتحقق". انتهزت صباح فرصة انشغال الجميع بتناول الطعام، فتسللت إلى الكنيسة بهدوء وحذر شديدين من دون أن يشعر بها أحد، وبكت وهي تصلي داعية الله أن يحقق أمنيتها الوحيدة: أن تصبح مطربة ناجحة ومعروفة.
تصف صباح تلك الحقبة قائلة: كل شيء تغير من حولي، شكل انتقالنا من القرية إلى العاصمة بيروت تحوّلاً جذرياً بالنسبة إلي، فالمدارس مختلطة وكان أولاد الحي وتلامذة الصف الصبيان يلاحقونني ويعترضون طريقي أحياناً... ويتسابق الجميع لمرافقتي. كنت لا أهدأ وتتملكني حيوية دائمة، أغني أينما كنت... في المدرسة، على الطريق، في فراشي، وعندما يجبرني أهلي على الصمت أغني تحت اللحاف. 
حدث أن قررت المدرسة تقديم مسرحية "الأميرة هند"، ورشحت الراهبة المسؤولة صباح لأداء دور البطولة فيها، وكانت في الرابعة عشرة من عمرها، فراحت الراهبة تخفق لها يومياً خمس بيضات وتقول لها: "إشربي، سيفيد البيض صوتك ويجعله قوياً". صدقتها صباح وواظبت على شرب صفار البيض المخفوق، وما ضاعف من ثقتها بنفسها أن الأشخاص الذين حضروا تمارين المسرحية وشاهدوها وهي تستعدّ لأداء دور "الأميرة هند"، شجعوها، من بينهم الممثل الراحل عيسى النحاس، الذي اعتزل التمثيل بسبب تقدمه في السن وعمل بعد ذلك في تأجير الملابس للمسرحيات، أعجب بهذه الممثلة الناشئة فأحضر لها الملابس لدور الأميرة هند.
لم يتقبل والد صباح فكرة أن تقف ابنته على المسرح وتغني، إلا أنه ما لبث أن رضخ على مضض لأن المسرحية كانت تحت إشراف الراهبات، ووافقه الرأي جدها الخوري لويس وخال أمها المطران عقل وبقية أفراد العائلة .
صودف أن حضر المسرحية قيصر يونس، صهر الممثلة والمنتجة اللبنانية آسيا داغر الذائعة الصيت في مصر آنذاك، فاقترب من والدها قائلاً له: "حرام ألا تدخل ابنتك السينما". 


في مصر

وصلت الصبية إلى مصر برفقة والدها، وفي مقهى في شارع فؤاد الأول، ولد اسمها الفني "صباح"، الذي أطلقه عليها الشاعر صالح جودت، وتردد أن آسيا نشرت صورة لجانيت في مجلة "الصباح المصرية" طالبة إلى القراء اختيار اسم فني للوجه السينمائي الجديد، فكان إجماع على صباح.
أحضرت أسيا داغر كبار الملحنين للاستماع الى جانيت وإبداء رأيهم بصوتها، فكان إجماع على أن صوتها غير ناضج. إلا أن المخرج هنري بركات وجدها صالحة للتمثيل السينمائي نظراً إلى خفة ظلها. عام 1943، ظهرت صباح في "القلب له واحد" أول فيلم لها مع أنور وجدي من إخراج بركات وغنت فيه أغنيات من ألحان رياض السنباطي وزكريا أحمد.
لم تبشر بداية صباح في فيلم "القلب له واحد" بنجاح مستمر، كان صوتها غير ناضج وقدرتها على غناء الألحان المصرية محدودة وتكاد تكون عاجزة. لم تكن ملامحها التي ظهرت في الفيلم ملامح ممثلة جميلة أو مثيرة، كانت أشبه بملامح فتاة قروية، لا تستطيع الصمود في مدينة القاهرة. بعد فيلم "القلب له واحد"، اتجهت صباح الى الأغاني الخفيفة التي تلحن بسرعة وتؤدى بسرعة ويسمعها الناس بسرعة وينسونها بسرعة، وسماها بعض النقاد في ذلك العهد "مطربة السندويش"، وهي نجحت في هذا اللون واتخذته شعارها الفني .
عقب الحرب العالمية الثانية، تغيّرت أفكار الناس وميولهم، وبدأت "مطربة السندويش" تجنح إلى الأفول بعد النجاح والإشراق، وكادت في مرحلة أخرى أن تدخل طي النسيان لولا أنها تداركت نفسها، فغيرت لون غنائها وأطلت بالأغاني التي لحّنها لها كمال الطويل. هكذا انقلبت صباح بأغانيها من مطربة مرحة إلى مطربة حزينة، وكشفت قدرات صوتها، وبدأت منذ ذلك الحين تتحول إلى مطربة بعدما كانت أقرب الى المنولوجيست. ساعدها هذا النضوج المزدوج جسدياً وصوتياً على تقدمها كمطربة وممثلة، وأتاح لها مشاركة ناجحة في الغناء المصري. كذلك كان لها دور كبير في إدخال الأغنية اللبنانية الى القاهرة، واستطاعت عبر الأغاني الخفيفة أن تقرّب اللهجة اللبنانية الى القلوب بعد تعاونها مع كل من رياض السنباطي وفريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب ومحمد الموجي وبليغ حمدي.
كان صوتها يتجلى على حقيقته في الأغاني اللبنانية والمواويل الجبلية ذات الامتدادات الصوتية حيث ينتقل صاعداً من طرفه الثقيل الى طرفه الحاد وعلى العكس، ممتداً على 14 مقاماً سليماً يندر أن تتمتع بها مطربة لبنانية في هذه الأيام .
ما لبثت صباح أن صارت فتاة أحلام الشباب، وارتفعت أسهمها في مصر ولبنان وتوالت بطولاتها السينمائية لتبلغ حوالى 85 فيلماً مع كبار الممثلين، من بينهم رشدي أباظة، أحمد مظهر، محمد فوزي وفريد الاطرش، ومن بين الأفلام التي شاركا في بطولتها سوياً: "بلبل افندي" و"ازاي انساك.".
عندما سافرت صباح الى القاهرة لأداء دور البطولة في فيلم "القلب له واحد"، رافقها والدها جرجي وكان شديد السيطرة عليها، يتصرف بأموالها ويوقّع العقود السينمائية عنها. وصفته صباح في إحدى اللقاءات التلفزيونية بالقاسي، وأضافت أنه سبّب لها عقدة نفسية دفعتها إلى الزواج أكثر من مرة لتثبت لنفسها أنها امرأة مرغوبة، بعدما دأب والدها على تذكيرها بأنها ساذجة. تروي صباح أنها لم تعرف لغاية اليوم أين دفنت والدتها، إذ كانت في القاهرة عندما وقعت جريمة مروعة وذهبت الأم ضحيتها، فعادت صباح ووالدها الى بيروت عن طريق البحر، وكل ما عرفته آنذاك أنها قتلت في برمانا. قيل إن شقيق صباح شاهد والدته مع عشيقها فقتلها وهرب إلى إحدى دول أميركا اللاتينية.
ما إن بلغت صباح السن القانونية (أي الثامنة عشرة)، حتى تزوجت من نجيب الشماس، الذي لم يكن أقلّ من الأب في فرض القيود عليها وحرمانها من مكاسبها، مع أنها رزقت منه بابنها الوحيد صباح، إلا أنها لم تستطع الاستمرار في العيش معه. كان نجيب شماس في عمر والدها، قبلت به ولم تختره، عندما اختار طرابلس لإقامته لم تستطع العيش بعيداً عن العاصمة وعن القاهرة، فطلبت الطلاق لأنه منعها من السفر إلى القاهرة لتصوير فيلمها "سيبوني أحب". تذكر صباح أنها ارتبطت بعلاقة صداقة مع آل فرنجية، خصوصاً لميا ابنة الرئيس سليمان فرنجية، فلجأت إليها عندما رفض نجيب شماس السماح لها برؤية ابنها (صباح) بعد انفصالهما، وساعدها الرئيس فرنجية على لقاء ابنها وكانت تمضي معه ساعات بعد طلاقها من نجيب شماس.
وافقت صباح على الغناء في ملهى طانيوس في مدينة عاليه، وكانت تسعى إلى أن تكون إطلالتها بمثابة مفاجأة للناس والمهتمين بالشؤون الفنية. في تلك الفترة، سرى خبر قصة حب ربطت بينها وبين أحد الأمراء العرب، دامت العلاقة أسابيع، تمّ بعدها الانفصال بسبب رفض صباح اعتزال الفن، ورفض أسرة الأمير زواجه من فنانة.
اعتادت صباح أن تغني، واعتاد أن يرافقها عازف الكمان أنور منسي مع الفرقة، ومن خلال اللقاءات المتتالية، كان أنور يبادل صباح الإعجاب الذي تحوّل في ما بعد إلى حب وزواج ورزقت منه ابنتها هويدا، اختارت اسمها نسبة إلى أغنيتها اللبنانية "يا هويدا هويدلك". غير أن هذا الزواج انتهى بالطلاق أيضاً لأسباب، من بينها أن أنور كان يحبّ المقامرة والسهر ويهمل البيت، ويضرب صباح عندما ترفض أن تعطيه المال اللازم للمقامرة.
بعد طلاقها من أنور منسي، وفي أثناء وجودها في لبنان، سرت إشاعة تفيد أن صباح ستعود إلى زوجها الأول، لكن ما إن عادت إلى القاهرة حتى تبددت الإشاعة، لتنتشر أخرى تقول إن قصة الحبّ التي جمعت بين صباح والمذيع المصري أحمد فراج توجت بالزواج. سارع الاثنان إلى نفي الخبر ولكن القصة كانت حقيقة، وتزوج الحبيبان.
سرعان ما ظهر الاختلاف بين عقليتيهما، فهي فنانة وهو متديّن. طالبها بعدم أداء أدوار مثيرة في السينما، ارتداء الملابس المحتشمة، إلغاء رقة الصوت في أغنياتها، الابتعاد عن الغنج والدلال في تصرفاتها، عدم تقديم المشروبات الروحية لضيوفها. وكان يتنصت على مكالماتها الهاتفية ويشكّ في تصرفاتها. أدركت صباح أن الزواج لن يدوم، فرفضت فكرة الإنجاب. وبعد سنوات ثلاث تمّ الطلاق بين صباح وأحمد في ربيع 1963.

هياكل بعلبك

عادت صباح إلى لبنان، لتستقر فيه، ووقفت على أدراج هياكل بعلبك ضمن مهرجانات بعلبك الدولية وقدمت مسرحيتي "موسم العز" (1960) و"دواليب الهوا" (1965) للأخوين رحباني، كذلك قدمت مع الفنان روميو لحود مسرحيتي "الشلال" و"القلعة" على أدراج هياكل بعلبك ومسرحيات أخرى مع لحود في المناطق اللبنانية، وشاركت في بعض الأفلام السينمائية. وفي مطلع مايو 1967، استيقظت بيروت على خبر زواج صباح ورشدي أباظة من دون مقدمات. عقد الزواج في المحكمة الشرعية في صيدا في الثاني من مايو 1967، وبعد يومين سافرت صباح إلى المغرب لارتباطها بعقد مسبق لإحياء سلسلة حفلات غنائية. بعد فترة، عادت إلى بيروت وطلبت الطلاق من رشدي الذي كان غادر بيروت إلى القاهرة. تردد كلام كثير حول هذا الزواج ومنه أنّ نجلها صباح كان أول المعترضين وأن مصالحها كفنانة أصيبت بأضرار، وأنها عاشت قصة حب مع أحد أمراء المغرب، وأنها اكتشفت أن سامية جمال ما زالت على ذمة رشدي وعندما واجهته بالحقيقة لم يستطع الإنكار وتمّ الانفصال.
لم تتوقف الإشاعات عند هذا الحد، بل تردّد أن صباح تزوجت رشدي بالإكراه، لأنه كان يلفّ ويدور حول ابنتها هويدا، فلم تجد وسيلة لردعه سوى الزواج منه. في برنامج "سيرة الحب" مع الكاتبة الكويتية فوزية الدريع، أكدت صباح أنها أحبّت أباظة كثيراً، لكن لأسباب تتعلق بشراهته في الشرب، لم تتحمله. أما في حالاته الطبيعية فكان يعاملها أحسن معاملة وظل يرسل إليها الورد الأحمر بعد طلاقهما.حتى إنّ آخر كلمة نطق بها قبل وفاته في المستشفى كانت صباح على ما كان يروي صديقه الممثل الراحل ابراهيم خان الذي شهد تلك الواقعة. سريعاً تحولت صباح، بعد شهرتها، شغل المجلات الفنية الشاغل، فصارت أخبارها مروحة القراء والفضوليين. منذ الخمسينيات حتى الآن عشرات المطبوعات اختارت الشحرورة نجمةً على أغلفتها فبدت كأنها لوحات تشكيلية، مشيرة إلى بدايات انتشار الصورة الملونة. وكثيراً ما صارت صور صباح ملصقاً أو صورة لرزنامة تهدى مع المجلات الفنية مثل "الشبكة" و"الكواكب". وكانت ترتدي في هذه الصور الأزياء المميزة وتواكبها التسريحات الخاصة. وإذا كانت صباح سباقة في أن تكون نجمة أغلفة ملونة، فهي تفضح زمن الفوتوشوب وجراحات التجميل السائدة اليوم.
في صيف 1970، تزوجت صباح النائب جو (يوسف) حمود، وكان مختلفاً عن الرجال الذين عرفتهم في حياتها. رضيت بالقيود التي فرضها عليها أولاً لأنها أحبته، وثانياً لأنها كانت تشعر بأنه يحبها بإخلاص ولم يقف حائلاّ بينها وبين نشاطها الفني. كانت أول إطلالة اجتماعية لهما في حفلة أقيمت في فندق "شبرد" في بحمدون، وكانت المناسبة تقليدها وسام الاستحقاق اللبناني برتبة فارس. ضمّت الحفلة إلى جانب وزير التربية جوزف أبو خاطر، الرئيس كميل شمعون، الموسيقار محمد عبد الوهاب، المخرج هنري بركات وغيرهم .
عاشت صباح أياماً صعبة بعد طلاقها من النائب جو حمود، بسبب عدم توافر أي عمل مسرحي، ولم يكن ممكناً لها أن تعدّ مسرحية جديدة بعد الانتهاء من عرض مسرحيتها "الجنون فنون".
في تلك الفترة، طلبت منها صديقتها إيفيت سرسق أن تشارك "فرقة السيغال" بغنائها، خصوصاً أن الفرقة تقدّم الحفلات في المناطق اللبنانية كافة. وافقت صباح لأنها وجدت نفسها أمام عمل فني متجرّد يسليها ولا يرهقها، هكذا انطلقت في هذه التجربة وتعرفت خلالها إلى وسيم طبارة، أحد نجوم الفرقة البارزين. لم يضيّع وسيم الوقت، فأعلن حبه، ورغم الأسباب والأعذار التي قدمتها لتصرف عنها اهتمامه وتحول دون المضي قدماً في الحب، فإن الزواج تمّ في 18 أغسطس 1973. قالت صباح بحسب مجلة "الاسبوع العربي" (العدد 1395): "إنه ليس زواجاً عادياً أستطيع أمامه القبول أو الرفض، بل قصة حب لم أستطع أنا ووسيم مقاومتها، وهذا بالطبع شعور نبيل يجعل من زواجناً صرحاً لا تزعزعه الأعاصير". 
سنوات على زواجهما، وبدا أن الحب بينهما هدأ بعض الشيء، فجأة ومن دون سابق تصور وتصميم، أعلنت صباح إنهاء علاقتها بزوجها وسيم تمهيداً للطلاق، والسبب قالت: "اكتشفت أخيراً أن وسيم بات يهتم بنفسه أكثر مما يهتم بي، وأن الحفلات المسرحية التي أقيمها هنا وهناك لم تعد من اختصاصي إنما من اختصاص وسيم، وأن طموحه الفني لم يعد يكفيه، بل يريد أن ينطلق انطلاقة عالمية في الإخراج". ما إن وصلت صباح إلى بيروت، آتية من لندن، حتى كان الطلاق قد تمّ. تردّد أنهما افترقا بعد خيانته لها وأنها تأثرت بهذه العلاقة وحوًلتها إلى فيلم سينمائي مع الممثل المصري حسين فهمي وكان فيلم "ليلة بكى فيها القمر".
أما زواجها من الفنان فادي (قنطار) لبنان الذي كان يصغرها بأكثر من 20 عاماً فانعكس عليها سلباً. تمّ الزواج في لندن بتاريخ 18 مارس 1987، وبسببه هاجمها الإعلام اللبناني آنذاك متّهماً إياها بالجنون. بعد مرور حوالى العشرين عاماً على زواجها الأخير، انفصلت صباح عن فادي في عيد العشاق في فبراير من العام 2002 واعتبرت أن زواجها منه كان غلطة لن تسامح نفسها عليها. 
تعتبر أن سبب زيجاتها الكثيرة احترامها لمكانتها كمطربة معروفة، ولم تكن تسمح لنفسها ولا لمكانتها بإقامة علاقة "محرمة" مع أحد عشاقها، وكانت تشترط الزواج كإطار شرعي لأي علاقة غرامية. 
تعترف صباح بأنها لم تكن محبوبة من أي من أزواجها وتقول: "أحببتهم جميعاً، لكنهم اعتبروني "مدام بنك". لم يحبني أحد". كذلك اعترفت بانتهاء معظم زيجاتها بسبب خيانة بعضهم لها، مشيرة إلى أنها ساعدت الكثير منهم على ولوج عالم الأضواء ودعمتهم مادياً. 



شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا