الخميس، 6 نوفمبر 2014

عبد الوهاب المؤدب: "ضد الخطب"- في مواجهة قداسة"الثوابت"

SHARE


يرى الكاتب والمفكر التونسي عبد الوهاب المؤدب في كتابه "ضد الخطب" أن الهجوم على المحرمات هو مفتاح الإصلاح والسبيل للجمع بين الإيمان والحداثة وتخليص الإسلام المعاصر من تحجره الطفولي العنيد. لودفيج أمان يستعرض هذا الكتاب.


​​كان كتاب "مرض الإسلام" هو الذي أكسب عبد الوهاب المؤدب الشهرة فجأة، حيث وجّه فيه المؤدب نقداً لاذعاً للذهنية الإسلامية المعاصرة. المؤدب ينظر إلى انتشار الخطاب الإسلاموي المتزمت باعتباره المرحلة الأخيرة في تاريخ طويل من الانحطاط مستمر منذ عدة قرون. فبعد تشخيصه التاريخي لحالة الإسلام المعاصرة نشر المؤدب كتاباً صدرت حديثاً ترجمته الألمانية بعنوان "ضد الخطب". هذه الخطب عبارة عن 115 مقالة إذاعية قصيرة ألقاها المفكر الفرنسي، التونسي الأصل، في الفترة من 2003 حتى 2006، حيث كان يعلق أسبوعياً في إذاعة "ميدي 1" في طنجة على الأحداث الثقافية أو السياسية. هذه التعليقات تتنوع بين موضوعات عديدة، من وفاة الفيلسوف الفرنسي، دريدا حتى الحرب على العراق.

هذه الخطب تتسم بنبرة تربوية تنويرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. إنها مقالات ضد الإسلاموية الطهرانية التي تبحث عن الخلاص في التقوقع المُعادي للغرباء، والتي تدعو على كل القنوات إلى مكافحة ما تعتبره بدعاً "غير إسلامية". على نقيض ذلك يجمع عبد الوهاب المؤدب، المفكر المغاربي والكوزموبوليتاني العريق، بين الثقافتين الشرقية والغربية، ويدعو إلى التعلم من الآخر، وخصوصاً إلى التعلم من إسلام آخر، أي من العصور الماضية التي عرفت تجديدات شجاعة أصبحت للأسف طي النسيان، وهي العصور التي كانت سبّاقة إلى إفراز مفهوم مبكر للإسلام الليبرالي؛ فهذا هو الطريق – كما يرى المؤدب - الذي سيسهل على مواطنيه في شمال إفريقيا الخروج من سجن الجهل الذي تسببوا فيه بأنفسهم.

احرقوا الحجاب!

على الغلاف الخلفي للكتاب نجد مثالاً مؤثراً ولافتاً للغاية: أول صورة في التاريخ للنبي محمد، رسمها وزير يهودي اعتنق الإسلام، وصدرت في كتاب تاريخي ألّفه بتكليف من أحد سلاطين المغول فور اعتناقه الإسلام حوالي عام 1300. يا لها من نعمة، عندما تحيل مثل هذه الصورة إلى محطات مهمة في التراث الإسلامي، وعندما تُفحِم هذه الإحالة حراسَ الأخلاق الوهابيين المؤدلجين الذين يودون إعادة عقارب الساعة إلى الوراء! بهذه الرغبة في الجدال يدافع المؤدب عن حق المرأة في إمامة المصلين، كما فعلت أمينة ودود في نيويورك مثيرةً صرخات الغضب في العالم الإسلامي، وهو يفعل ذلك مستنداً إلى آراء المفكر الصوفي الكبير ابن عربي الذي توفي عام 1240 والذي سمح بإمامة المرأة داعماً رأيه بحجج وجيهة. 

المؤدب ينصح النساء بأن يحرقن الحجاب ببساطة، وأن ينظرن إلى التعاليم الأبوية للقرآن الخاصة بالعلاقة بين الجنسين باعتبارها متقادمة، فهذا هو السبيل الوحيد الذي يمكنهن من الجمع بين الإيمان والحداثة.


​​هذا كلام واضح، وهو في حقيقة الأمر الدواء الذي وصفه كمال أتاتورك لشعبه محققاً به بعض النجاح. ولا يخشى المؤدب، المفكر المتحرر بحق، ذكر ثمن الحرية المبتغاة. فهو ينطلق من حالة الممثلة الألمانية التركية الشابة زيبل كيكيلي – التي تعرضت إلى الهجوم بعد نجاحها في فيلم "الاصطدام بالجدار" وذلك بسبب تمثيلها قبل ذلك في أفلام إباحية – ليدافع عن حق الفرد في التصرف بجسده كما يحلو له، حتى إذا استخدمه في الدعارة. كما أن على الإسلام بطبيعة الحال أن يتعلم قبول ارتداد الجزائريين مثلاً أو المغاربة عن الإسلام تحت تأثير الوعاظ الإنجيليين، إذ ربما يخرج الإسلام من هذا الاختبار قوياً، يقول المؤدب، وذلك حين يستطيع المسلمون اختيار عقيدتهم بمحض إرادتهم.

القدرة النزيهة على إصدار الأحكام

ما هو موقع مصلح كهذا؟ بالتأكيد ليس في معسكر أولئك الذين ينصحون بالتخلص من الإسلام كليةً. كما أنه لا يقف بالطبع في معسكر المحافظين الذين يقومون بتعديلات هامشية هنا وهناك بغية الاقتراب من روح العصر. "ليس هناك ما يجمعني بطارق رمضان على الإطلاق"، يقول المؤدب في الخطبة رقم 84. غير أن هناك نقطة تقربه من خصمه. يقول المؤدب: "الهجوم على المحرمات هو مفتاح الإصلاح الذي يحتاج الإسلام إليه، المفتاح الذي لم يجرؤ العلماء حتى الآن على استخدامه." 

ولهذا فإنه – وعلى عكس الرأي العام الفرنسي – ينظر نظرة تقدير إلى جدوى ما يطالب به طارق رمضان من تعليق تنفيذ العقوبات الجسدية في الدول الإسلامية؛ لأن طارق رمضان – حفيد الإسلاموي حسن البنا، أحد رواد الإسلاموية – يمس بذلك ما لا يُمس، مثيراً غضب "الهيئات التي نخرها السوس في القاهرة".

هذه القدرة النزيهة على إصدار الأحكام التي لا تتأثر بالتيارات الثقافية السائدة هي السمة الأساسية لنقد المؤدب البناء للإسلام، وهي التي تجعل مؤلفاته تتميز عن أطنان المقالات ذات النية الطيبة والفكر المعوج. ونحن إذا اقتبسنا أفكار المؤلف وطورناها فبإمكاننا أن نقول: قد يكون "الغرباء" بالفعل، أو بكلمة أدق: العقليات الخبيرة بأكثر من تراث، عقليات مثل المؤدب ورمضان، هي التي تستطيع تخليص الإسلام المعاصر من تحجره الطفولي العنيد.

ترجمة: سمير جريس
 حقوق الطبع: قنطرة 2008
عبد الوهاب المؤدب: "بين أوروبا والإسلام. 115 خطبة مضادة" 

هذه المقالة نشرت لأول مرة في صحيفة "نويه تسوريشر تسايتونغ" في 14 فبراير ‏2008‏‏


SHARE

Author: verified_user

0 facebook: