الخميس، 13 نوفمبر 2014

حكاية "عتريس" أو عابر ليطاني لجورج يرق

SHARE
حكاية "عتريس" أو عابر ليطاني

لا أحد من شباب الثكنة بدون اسم حركي. أسماؤهم الحقيقة لا تخرج من هويّاتهم إلّا لضرورات إداريّة. ممنوع تداولها خصوصًا خلال المهمّات والمعارك. الألقاب وحدها هي المعترف بها. ولفرط استعمالها، تحلّ مكان الأسماء، وتمحوها بمرور الوقت.
لم أستغرب ذلك. في ضيعتي ليس عيباً أن تكون بلا اسم، العيب أن تكون بلا لقب. الاسم يمنحك إيّاه الأهل تيمّنًا باسم قديس أو استذكاراً لعزيز مهاجر أو تقديرًا للجدّ المرحوم.
 للقب حكاية أخرى. 
لا يجيئك من لا شيء. يمنحك إيّاه أصحابُك أو الذين يكبرونك عمرًا، يستمدّونه من وحي عمل لافت قمت به أو عمل سيّىء، أو من وحي مناسبة كانت شاهدة على موهبة لديك أو على ضعف فيك.
قد تبقى طويلًا من دون لقب. لكن لن يناديك أحدٌ باسمك المدوّن على التذكرة. ينسبونك إلى اللقب الذي يُعرف به أبوك إنْ لم يزل حيًّا. أمّا إذا كان مُتوفًى فتسقط هذه القاعدة.
أنا لقّبوني بابن الأستاذ لأنّ أبي حمل لقب الأستاذ منذ شاع أنّه اجتاز بنجاح امتحان الدخول إلى دار المعلّمين حيث دَرَس ثلاث سنوات، وتخرّج مدرّسًا. بعد التخرّج علّم في تكميليّة ضيعة عين العصفور البعيدة ثم في تكميليّة الضيعة بعد وساطة تطوّع لها أحد النوّاب.
 رافقني لقب أبي مسبوقًا بـ"ابن" حتى رميتُ طائرًا يسمّونه عتريس، بعدما أخطأه صيّادون مشهود لهم بحسن التسديد. وعتريس هو ذَكَرُ المَطْوَقَة، أصغر حجمًا من أنثاه لكنّه يفوقها ذكاء. كما أنّه مشهور بطيرانه الحلزونيّ الذي يجعل إصابته بالغة الصعوبة. 
في اليوم التالي، فوجئت بابن الجيران يناديني: عتريس. ظننتُ أنّه ينادي شخصًا سواي. ثمّ صوّب إصبعه نحوي إشارةً إلى إنّه يناديني أنا تحديدًا. وقال لا تنسَ أنا أوّل واحد في الضيعة ناداك: عتريس.
قد تعرف من ناداك بلقبك أوّل مرة. لكنّ من النادر أن تعرف من أطلقه عليك. 
وإذا عرف أحدهم من أطلقه فلا يحقّ له إعلان الاسم. احترام السريّة رسّخه تهريب المخدّرات وزراعة الحشيشة اللذان يزاولهما كثيرٌ من الأهالي، بالإضافة إلى تجربة حظوظهم على طاولات القمار في ليالي الشتاء.
أحببتُ اللقب ليس لأنّه أعجبني بل لأنّه أنقذني من لقب أبي. 
وددتُ أن ينتشر في جميع أحياء الضيعة بالسرعة الممكنة. لن يحصل هذا إذا لم يعرف به روّاد السّاحة، ولا سيّما المقهى.
 المقهى هو الذي يمنح اللقب الجديد شهادة التثبيت. فإذا ذاع اللقب في الضيعة ولم يُتداول في المقهى يبقى مهدّدًا بالإهمال. 
الاعتراف باللقب يأتي من المقهى ثم تتبنّاه الضيعة. ولصاحب المقهى دورٌ كبيرٌ في هذا كلّه. تردادُه اللقب بصوت عالٍ وهو ينادي صاحب اللقب، تمهيدٌ للاعتراف. 
لا يشيع اللقب وحده. تشيع معه المناسبة التي ولد منها. يتعذّر فصل اللقب عن مناسبة ولادته. الألقاب اللقيطة، هكذا يسمّونها عندنا، هي التي تولد بلا مناسبة، يطلقها الناس على أنفسهم، ويغيّرونها عندما يشاؤون. ويُكنى باللقب نفسه بضعة أشخاص في وقت واحد. 
هذه الألقاب يحملها الرعاة ونواطير الكروم والعاملون في قطاف العنب والتين، وغالبيّتهم من العرب الرُّحَل. 
هؤلاء يزورون قريتنا، ويمرّون بساحتها. وإنْ جلسوا في المقهى فلا يطيلون الجلوس. تنبئُهم قلوبهم بأنّ وجودهم غير مرغوب فيه، لأنّهم غرباء. 
والغريب في عين ضيعتي هو من يعرف ألقاب أبنائها ويجهل أسماءهم الأصلية.
 وهو أيضًا كلّ من ليس له لقبٌ يتفرّد به. 
أهميّة ألقابنا في تفرّدها. 
من باب الحرص على هذا العُرف، كان صاحب المقهى يدوّن الألقابَ في دفتره المخصّص للدّيون وتاريخ الوفيات والحوادث المهمّة التي تعيشها الضيعة (زيارة مطران، أو نائب، أو شاعر زجل مشهور استُدعي للندب في مأتم).
أذكر أنّ جدّي، والد أبي، لم يرضَ عن لقبي. وشتم مُطلقه. فأنا، بين أحفاده، الوحيد الذي يحمل اسمه. وهو شديد الاعتزاز به لكونه لطيفًا على السمع وغير مستهلك. كان يكفي ذكره، من دون الكنية، حتى يُعرف مَن المقصود به. 
أنا أيضًا لطالما افتخرت باسمي  للسبب عينه. لم أعرف أحدًا غيري اسمه: عابر. لا أدري من أين استمدّ والد جدّي هذا الاسم الغريب على قائمة الأسماء الشائعة في الضيعة. حتى جدّي نفسه يجهل مصدر الاسم والدافع الذي جعل أباه يسمّيه به. وهو، منذ ولادتي وتسميتي باسمه، لم ينادِ أبي باسمه، حبيب، أو بلقبه، الأستاذ. كان يناديه أبو عابر. ومثله تفعل جدّتي. عندما بلغه أنّهم ينادونني عتريس، ارتفع صوته مهدّدًا بأنّه سيربّي القمل في رأس كلّ من لا يناديني بغير اسمي. وجدّي في ماضيه كان يخيف الناس عندما يتوعّد. سجلّه أيام الانتداب الفرنسي حافل بأعمال بطوليّة. والمعمّرون في الضيعة يعرفونها جيّدًا ويتناقلونها إلى اليوم. لكنّ الشيخوخة أقعدته. وتهديداته لا تتخطّى جدران بيته إنْ لم تسرّ بها جدّتي إلى مَن تجاورها في قدّاس الأحد.
موقف جدّتي لم يختلف عن موقف جدّي. أتذكّرها تهوي بالمكنسة على بائع الترمس وغزل البنات لانّه لم ينادِني باِسمي. 
أبي بدا لا مباليًا في الظاهر. لم يخاصم أحدًا بسبب اسمي. كثيرًا ما تعمّد أن يناديني بصوتٍ عالٍ لدى مروري بالسّاحة عند الغروب. كأنّه بذلك يذكّر الرجال المسترخين على الكراسي قرب مدخل المقهى وأمام الدكاكين، باسمي الأصلي. كنت أتعمّد مواصلة السير موحيًا أنّي لم أسمعه، ليكرّر مناداته لي رافعًا صوته قليلًا. بيني وبينه نشأ هذا التواطؤ بلا قصد. لا يقول لي شيئًا مهمًّا عندما نقف معًا تحت شجرة الزنزلخت وسط السّاحة. يطرح عليّ عددًا من الأسئلة العادية. لا يدعني أجيب عن أحدها إجابة كاملة حتى يقاطعني ويرشقني بآخر. نطيل الكلام واقفَيْن لكي يتأكّد لمن يرانا أنّ ثمة أمرًا ضروريًا استوجب ذلك. 
أُمّي لم تكترث. لكنّها كجدّي وجدّتي باتت تنادي أبي، أبو عابر، بدلًا من حبيب، في حضور جاراتنا، وفي المناسبات. أمّا في البيت فتناديه باسمه على جري عادتها.
لم يقتصر إطلاق الألقاب على الأشخاص. الأحياء أيضًا تتغيّر أسماؤها. أهل الحيّ يسمّون حيّهم اسمًا معيّنًا، وأهل الأحياء الأخرى يسمّونه اسمًا آخر. وقد يحمل الحيّ نفسه جملة أسماء بعدد الأحياء التي تكنّ له العداء.
حتى اسم ضيعتنا، البيادر، لم يبقَ مذكورًا إلّا في الدوائر العقارية، وعلى الخريطة. لقّبها أهلها ببيت القمر، نسبةً إلى شتلة تشبه القمر لا تنبت إلّا في أرضنا. الزوّار يظنّون أنّ شاعرًا أو كاتبًا وراء التسمية. الكبار في السنّ يؤيّدون هذا الظنّ. قالوا إن شحرور الوادي هو سمّاها هكذا في إحدى قصائده لدى مروره بها. لكن ما من أحد يحفظ شيئًا من تلك القصيدة. ومنهم من يردّ التسمية إلى سيّدة جميلة سكنت القرية بعض الوقت، وخلبت عقول الرجال فشبّهوها بالقمر. وعندما خطفها المرض، سمّوا الضيعة "بيت القمر" تخليدًا لذكراها.
في الثكنة، عندما سُئلت ما اسمك، فهمتُ أن المقصود اسمي الحركيّ لا اسمي الصحيح. 
لم أفكّر كثيرًا. قلت: عتريس.
اسمي هذا هو الذي كتبته على ورقة ألصقتها بحقيبة الثياب. ثم رميت الحقيبة إلى جوف الشاحنة التي سبقتنا إلى معسكر التدريب. 
----------------
فصل من رواية عنوانها "حارس الموتى" ستصدر لدى "منشورات ضفاف" و"منشورات اختلاف".

SHARE

Author: verified_user

0 facebook: