"نساء" لبوكوفسكي/ ترجمة شارل شهوان

8:06:00 ص

شارل بوكوفسكي

مقطع من رواية بعنوان"نساء" لشارل بوكوفسكي /ترجمة شارل شهوان، تصدر قريبا عن منشورات الجمل

كان لدى ليديا ولدان، تونتو وهو صبي في الثامنة من عمره، وليزا وهي الفتاة الصغيرة، التي في الخامسة من عمرها، والتي كانت قاطعت مضاجعتنا الأولى. كنا جميعاً حول المائدة في المساء نتناول العشاء. كان الأمور تسير بشكل جيد بيني وليديا وكنت أمكث للعشاء تقريباً كل ليلة، ثم أنام مع ليديا وأغادر قرابة الساعة الحادية عشرة قبل ظهر اليوم التالي لأعود إلى شقّتي لأستطلع بريدي وأكتب. كان الولدان ينامان في الحجرة الملاصقة على فراش مائي. كان منزلاً قديماً صغيراً استأجرته ليديا من مصارع ياباني متقاعد تحوّل الآن إلى المتاجرة بالعقارات. كان مولعاً جداً بليديا. لا بأس بذلك. لقد كان منزلاً قديماً وجميلاً.

«يا تونتو» بدأتُ فيما كنا نتناول الطعام «أتعرف أنه حين تصرخ أمك في الليل لا يعني إني أضربها. وأنت تدرك من هو الذي يكون «فعلياً في ورطة».
«أجل، أعرف».
«إذاً لماذا لا تقدم لنجدتي؟».
«هاها، إني أعرفها تمام المعرفة».
«إسمع يا هانك» انبرت ليديا «لا تحرّض أولادي ضدّي».
«إنه أقبح رجل في «العالم» قالت ليزا.
أحببت ليزا. سوف تصبح قنبلة إغراء في يوم من الأيام.

قنبلة إثارة ذات شخصية قوية.
بعد العشاء توجهت أنا وليديا إلى غرفة النوم وتمددنا. كانت ليديا تهوى معالجة حبوب الوجه السوداء والبثور. وكانت بشرة وجهي سيئة. دفعتْ المصباح الكهربائي نزولاً إزاء وجهي وبدأتْ. أعجبني الأمر. استشعرت وخزاً خفيفاً وأحياناً كنت أحظى بأنتصاب. حميم جداً. ومراراً بين الكبسات كانت ليديا تهبني قبلة. كانت دوماً تبدأ بمعالجة وجهي ثم تنتقل إلى ظهري وصدري.
«هل تحبني؟».
«أجل».
«أواه، انظر إلى هذه؟».
كانت حبة سوداء ذات ذيل طويل أصفر.
«لا بأس بها» قلت.
كانت ممددة فوقي. توقفت عن الكبس وحدّقت فيّ. «سأقبرك أيها المنيك البدين».
ضحكتُ ثم قبّلتني ليديا.
«سوف أعيدكِ إلى المصحة العقلية» قلت لها.
«استدر، دعني أتفحص ظهرك».
انقلبت على بطني. راحت تقرص في مؤخر رقبتي «أوااه، ثمة واحدة رائعة! لقد انبجست! لقد أصابتني في عيني!».
«يتوجب أن تضعي نظارتين واقيتين».
«تعال نصنع هنري صغيراً!»، «تخيّلْ الأمر، هنري شيناسكي صغير».
«دعينا ننتظر قليلاً».
«أريد طفلاً «الآن»!».
«فلننتظر».
«كل ما نفعله هو النوم والأكل والتمدد وممارسة الحب. نحن أشبه بالبزّاقات العريانة. أسمي هذا الحب البزّاقي».
«يعجبني هذا».
«كنت في ما مضى تكتب هنا. تملأ وقتك. كنت تحضر حبراً وتنجز رسوماتك. الآن تذهب إلى منزلك وتقوم بكل الأشياء المهمِّة هناك. كل ما تفعل هنا هو الأكل والنوم ثم تغادر باكراً في الصباح. هذا مملّ».
«لكنه يعجبني».
«أنت عجوز كل ما تريد هو الجلوس وانتقاد كل شيء والجميع. لا رغبة لديك في القيام بأي شيء. ألا شيء يرضيك!».
انقلبت إلى خارج السرير ووقفت. وشرعت ألبس قميصي.
سألتني، «ماذا تفعل؟».
«أنا مغادر».
«عدنا من جديد! لحظتما لا تسير الأمور حسبما تشاءْ، تقفز وتفرُّ راكضاً من الباب. ليست لديك أبداً أي رغبة في مناقشة أي أمر. تتوجه إلى البيت وتثمل وفي اليوم التالي تسقم بشدّة فتخال أنك على وشكِ الموت، «حينها» تتصل بي!».
«سأغادر هذا المكان اللعين!».
«ولكن ما السبب؟».
«لا أريد أن أبقى حيث لا رغبة بوجودي. لا أريد أن أبقى حيث لا أحد يحبني».
انتظرت ليديا. ثم أجابت «حسناً، تعال، استلقِ هنا. سوف نطفىء الضوء ونجلس ساكنين وحسب».
انتظرتُ. ثم قلت «حسناً، موافق».
تعرّيت كلياً واندسيت تحت البطانية والملاءة. ألصقت جنبي بجنب ليديا. كنا كلانا مستلقيين على الظهر. تناهت إلى مسمعي أصوات صرّارات الليل. لقد كان حيّاً لطيفاً. مرت بضع دقائق. بعدها انبرت ليديا قائلة «سوف أصبح عظيمة».
لم أجب. مرت بضع دقائق أخرى. بعدئذٍ قفزت ليديا إلى خارج السرير. دفعت يديها عالياً في الهواء باتجاه السقف وهتفت بصوت مرتفع «سوف أصير شهيرة! سأصبح حقيقة شهيرة! لا أحد يدرك إلى أي حد ستصل شهرتي!».
«جيد» قلت.
ثم تابعت بصوت أقل ارتفاعاً «أنت لا تفهم. سوف أصبح شهيرة. لدي طاقة تفوق ما لديك!».
«طاقة» أجبت «هذا لا يعني شيئاً. يتوجب أن تحققي شيئاً. ثمة تقريباً لدى كل طفل في المهد طاقة تفوق ما لديّ».
«غير أني سوف «أنجح»! سوف أصبح فعلاً شهيرة!».
«حسناً قلت «ولكن في غضون ذلك عودي إلى الفراش».
عادت ليديا إلى الفراش. غير أننا لم نتبادل القبل، ولم نكن سنمارس الجنس. شعرت بالتعب. رحت أنصت لصرير الجداجد. أجهل كم مضى من الوقت. كنت تقريباً نائماً، إنما ليس تماماً، حين جلست ليديا على حين غرة في الفراش. وصرخت، كانت صرخة فظيعة.
«ما الخطب؟» سألتها.
«أصمتْ».
انتظرتُ. جلست ليديا هناك من دون حراك طوال ما بدا حوالي عشر دقائق. ثم ارتمت إلى الخلف على وسادتها.
«لقد أبصرت الله» قالت «لقد أبصرت للتو الله».
«إسمعي أيتها العاهرة، سوف تدفعينني إلى الجنون!».
نضهتُ وبدأت بارتداء ملابسي. كنت غاضباً. أخفقت في العثور على سروالي التحتي. إلى الجحيم. تركته حيثما كان. ارتديت كلّ ملابسي وكنت قاعداً على الكرسيّ أنتعل حذائي في قدمين عاريتين.
«ماذا تفعل؟» سألتني ليديا.
لم أكن قادراً على الإجابة. توجهت إلى الباب الرئيسي، كان معطفي مطروحاً فوق كرسيّ فتناولته وارتديته. ركضت ليديا نحو الباب الرئيسي. كانت ارتدت مبذلها الأزرق وسروالاً تحتياً. كانت حافية القدمين. كان رسغا قدمي ليديا غليظين وترتدي عادة جزمة لإخفائهما.
«لن تذهب إلى أي مكان!» زعقت بي.
«اللعنة» أجبت «أنا خارج من هنا».
انقضّتْ فجأة عليّ. تهاجمني عادة فيما أكون سكران، إنما الآن كنت صاحياً. انزحت من طريقها فسقطت على الأرض، منقلبة على ظهرها. خطوت من فوقها في طريقي إلى الباب الرئيسي. انفجر غضبها عارماً فراحت تزمجر مجفلة شفتيها. بدت أشبه بنَمرة. تطلعت إليها، وشعرت بأمان لكونها مطروحة على الأرض. أصدرتْ زمجرة وبينما شرعتُ بالمغادرة تطاولت وغرزت أظافرها في كُمّ معطفي، شدّت وانتزعت الكمّ من ذراعي. انمزق من المعطف عند الكتف.
«يا يسوع المسيح» قلت «انظري ماذا فعلت بمعطفي الجديد! لقد ابتعته للتو!».
فتحت الباب واندفعت إلى الخارج بكمّ عارية.
****


عدت إلى منزلي وشرعت أشرب. أشغلت الراديو وعثرت على موسيقى كلاسيكية. أخرجت مصباحي «الكولمان» من الخزانة. أطفأت الأنوار وقعدت ألعب بقنديلي الكولمان. كان هناك العديد من الألاعيب التي بمقدورك تحقيقها بالمصباح الكولمان. مثل إطفائه ثم إشعاله مجدداً ومشاهدة حرارة الفتيل تشعله مجدداً. كنت أهوى علاوة على ذلك ضخّه ومفاقمة الضغط فيه. وأبتهج بعدئذٍ بمجرد النظر إليه. كنت أشرب وأتفرجّ على القنديل وأستمع إلى الموسيقى وأدخن سيجاراً.
رنّ الهاتف. كانت ليديا. «ما الذي تفعله؟» سألتني.
«أقعد بسلام».
«أتجلس بهدوء، تشرب وتستمع إلى موسيقى سيمفونية وتلعب بقنديل الكولمان اللعين!».
«أجل».
«هل ستعود إلى هنا؟».
«كلاّ».
«حسناً، إشربْ! إسكرْ وأسقمْ! أنت تعرف إن هذا الأمر كاد أن يقتلك مرة. هل تتذكر المستشفى؟».
«لن أنساه أبداً».
«حسناً، إشرب، «إشرب! واقتل نفسك! سترى إن كنت سآبه!».
أقفلت ليديا السماعة وقمت بالمثل. شعور ما أنبأني بأنها لم تكن تحفل بشأن موتي المحتمل، بقدر ما حفلتْ بشأن مضاجعتها التالية. بيد أني كنت بحاجة لعطلة. بحاجة لاستراحة. كانت ليديا تهوى ممارسة الحب خمس مرات على الأقل في الأسبوع الواحد. كنت أفضل ثلاث مرات.
وقفت وتوجهت إلى ركن الفطور في المطبخ حيث ركنت آلتي الكاتبة على الطاولة. أضأت اللمبة، قعدت وطبعت لليديا رسالة من أربع صفحات. ثم دخلت الحمّام، جئت بشفرة الحلاقة، وجرحت إصبع يدي اليمنى الأوسط. سال الدم. وقعت إسمي على الرسالة بالدم.
نزلت إلى علبة البريد عند ناصية الشارع وألقيت رسالتي فيها.
رن الهاتف عدة مرات. كانت ليديا. كانت تزعق.
«أنا خارجة «لأرقص!» لن أقبع وحيدة فيما أنت تسكر!».
أجبتها «تتصرفين كما لو أن السكر هو أشبه بخروجي مع إمرأة أخرى».
«بل أسوأ من ذلك!».
أقفلتْ السمّاعة.
لم أتوقف عن احتساء الشراب. لم تساورني أي رغبة بالنوم، سرعان ما حل منتصف الليل، ثم الساعة الواحدة، الثانية.
ولم يتوقف القنديل الكولمان عن الاشتعال..
عند الساعة الثالثة والنصف صباحاً رن الهاتف. من جديد ليديا «أما زلت تشرب؟».
«طبعاً!».
«يا ابن العاهرة المعفّن!».
«في الواقع اتصلتِ، كنت أنزع السيلوفان من على قنينة ويسكي «الكاتي سارك» أنها رائعة ينبغي أن تريها!».
خبطتْ السمّاعة مقفلة. سكبتُ شراباً آخر. تناهت موسيقى جميلة من الراديو. تمددت إلى الخلف براحة. أحسستني بأحسن حال.
فُتحَ الباب فجأة واندفعت ليديا داخل الحجرة. انتصبتْ هناك لاهثة. كانت القنينة فوق طاولة الإسكملة. رأتها والتقطتها. قفزتُ وأمسكتُ بها. حين أكون ثملاً وتكون ليديا مخبولة نصبح تقريباً ندّين متكافئين. رفعتْ القنينة عالياً بعيداً عنّي، وسَعَتْ إلى الخروج بها من الباب. تمسكت بذراعها التي أمسكت القنينة، وحاولتُ انتزاعها منها.
وزعقتُ عالياً «أيتها القاهرة! لا يحقّ لكِ! أعطني هذه القنينة اللعينة!».
وإذ بنا بعدها نتصارع في الخارج فوق شرفة المدخل، تعثرنا على الدرجات وسقطنا على الرصيف. اندفعت القنينة وتحطمت على الإسفلت. نهضت ليديا ولاذت بالفرار راكضة. سمعت انطلاق سيارتها. بقيت هناك متمدداً محدقاً في القنينة المهشّمة. كانت على مبعدة ثلاثين سنتمراً. غادرتّ سيارة ليديا. كان القمر لا يزال عالياً في سماء الليل. في قعر ما كان تبقى من القنينة أبصرت جرعة من الويسكي. متمدداً هناك على الرصيف مددت ذراعي ورفعت قعر القنينة إلى فمي. كادت شظيّة طويلة من الزجاج تثقب إحدى عيني فيما شربت ما كان تبقى. بعدها نهضتُ وعدتُ إلى الداخل. كان شعوري بالعطش فظيعاً. جلتُ في الأرجاء ألملمُ قناني البيرة وأشرب القطرات المتبقية في كل واحدة منها. ومرة تجرعت ملىء فمي رماد سجائر إذ غالباً ما كنت أستخدم قناني البيرة منافض لها. كانت الساعة الرابعة و14 دقيقة صباحاً. جلست محدقاً في ساعة الحائط. خالجني أني أعمل من جديد في مركز البريد. كان الوقت معدم الحركة فيما كان الوجود نبضاً لا يمكن تحملّه. انتظرت، وانتظرت، وانتظرت. في النهاية حلّت الساعة السادسة صباحاً. سرت نحو ناصية الشارع إلى محل بيع الكحول. كان الموظّف يفتح المتجر. سمحَ لي بالدخول. ابتعت قنينة أخرى من «الكاتي سارك». أقفلت عائداً إلى المنزل. أقفلت الباب واتصلت بليديا.
«لدي هنا قنينة «كاتي سارك» وأقوم بنزع السيلوفان عنها. سوف أحتسي كأساً من الويسكي. ومتجر الكحول سيبقى الآن مشرعاً على مدى عشرين ساعة».
أغلقتُ السمّاعة. احتسيت كأساً واحدة ثم توجهت إلى داخل غرفة النوم. تمددت على الفراش وغرقت في النوم من غير أن أخلع ملابسي.


شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا