حسين الموزاني... أغنية وحكاية

10:50:00 ص

أغنية وحكاية
: كان معنا في المدرسة الابتدائية بمحلة "الوزيرية" ببغداد، وفي صفيّ المدرسي بالتحديد تلميذ كبير السنّ ، وكان يرتدي دائماً بدلة سوداء وقميصاً أسود وكان شعره مسرحّاً على طريقة فريد الأطرش. وكان له صوت جميل وقد طلب منه أحّد المعلمين أن يغني في الصفّ. فوقف أمام السبورة وصار يردد أغنية فريد الأطرش "عدت يا يوم مولدي". ومازلت أتذكر أنني اعترتني رجفة آنذاك عندما قال: "أنا عمر بلا شباب، وحياة بلا ربيع". وصرت منذ ذلك الوقت أراقبه. فلم أره يتحدث أو يلعب مع أحد. بل كان منطوياً على نفسه انطواء لا يقوّمه حتى فرويد نفسه. وذات يوم تحرشّ به أحد التلاميذ الأقوياء وصار يسخر من الأغنية ويقول أنا عمر بلا شباب وحياة بلا رغيف! فانتظر صاحب البدلة السوداء حتى ينتهي الدوام المدرسي فأمسك بالتلميذ وطرحه أرضاً وصار يركله بحذائه الأسود المستدق حتى أغمي عليه. ثم سار باستقامة ولم يسأله أحد عن فعلته. وعندما كبرت صرت أتردد على دور السينما ومنها سينما مترو وسينما الفردوس التي دخلت إليها والدتي يوم العيد تبحث عنّي وأنا أشاهد فيلماً حربياً، وكذلك سينمات الباب الشرقي وخاصةً تلك التي تقع مقابل"حديقة الأمة" التي كانت مقبرة في القرن التاسع عشر. فكنت أرى أصحاب الثياب السوداء يترددون بكثرة على إحدى السينمات الصيفية مقابل حديقة الأمة مباشرة. وكانوا يأتون فرداى وصامتين. وبعد سنوات طويلة عرفت أنّ هؤلاء يطلق عليهم لقب غوثس ورأيتهم في ألمانيا تحت اسم غروفتيس، أي المقابريون، وكانت وجوهم تشبه وجوه الدفّانين. وذات ليلة دخل دار السينما الصيفية التي نسيت اسمها الآن وكانت لا تعرض سوى أفلام فريد الأطرش ولا يدخلها عادة إلى المقابريون العراقيون أو شيعة فريد الأطرش! نعم، ذات يوم ليلة دخل جار لنا اسمه عاشور مع قريب لي اسمه محمّد منشد وهو الذي روى لي الحكاية التالية. قال: دخلنا أنا وعاشور لنشاهد أحد أفلام فريد الأطرش، وكان عاشور مشهوراً بالنكتة والمقالب والاستفزاز ويقال له بلغة أهل العراق أو ما بقي منها ومنهم "عفطي". فجلسا وسط المشاهدين الذين حضروا بالمئات لرؤية معبودهم. وعندما بدأ فريد الأطرش ينشد أغنية "عدت يا يوم مولدي" ووصل إلى مقطع "أنا عمر بلا شباب وحياة بلا ربيع، أشتري الحبّ بالعذاب، أشتري فمن يبيع" أطلق عاشور صوتاً نابياً وعالياً، يسمى عفطة أو زيجاً. "يعني صلخه بزيج محترم" ويقال أيضاً "خيّطه بزيج". فأصبحت الصالة كلّها تبرق بأضواء خاطفة "عيني وكامت أم اليايات تتلامظ" أي أن سكاكين القتال أخذت تبرق في جميع النواحي. وصار البعض يهتف "الخوش ولد يكول آني"، "إذا كنت شريف فطلّع رأسك". لكن الدم تجمّد في عروق محمد وعاشور، فلم ينسبا بكلمة وصار العرق يتصبب منهما. حتى هدأ المشهد شيئاً فشيئاً فوثبا فجأةً وخرجا ركضاً من القاعة، خوفاً من الانتقام.
https://www.youtube.com/watch?v=5C5Fxph79ss
See Translation

فايسبوك

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا