أحمد بيضون... في السياسة السياسية، هذا الرحباني لا يستحقّ الذكر.

1:18:00 م
في الغناء، علّم زياد الرحباني الغناءَ العربي أن يسخر، لا من المجتمع أو من ساسته (فهذا قديم)، بل أن يسخر من نفسه أيضاً وهو يسخر من موضوعه. اتّخَذَت السخريةُ من الغناء مركباً كلماتٍ وصوراً تعرض خَواءَ لغةِ الغناء السائرة وبُعدَ عباراتِها وصوَرِها عن الصدق. كان في ذلك تجاوزٌ لما في الغناء المصري من سخريةٍ تعتمد على أنماط من تتابع القوافي وعلى خفّة في الأبيات واستقاءٍ للعبارات والصور من المأثور وذلك دون مغادرة للموضوع بل مع البقاء على مقربة من الزجَل. لا نقَعُ في الغناء المصري على ازدواج السخرية بحيث تتناول الأغنية وموضوعها معاً. هذا اختراع زيادي.
في الغناء أيضاً، جاء زياد بالمزاوجة ما بين القسوة التي تنطوي عليها السخرية حُكْماً والحنان الأقصى في اللحن وفي توزيعه المعتمد على الآلات المألوفة في الجاز. هذا يشبه الـ"سويت أند ساور" في مجال الطعوم، وهو لذيذ.
في المسرح، أظهر زياد، بكفاءةٍ متفاوتة، مجانبةَ اللبنانيين المعنى وما هم عليه من عجزٍ عن العبارة (أظهره في الغناء أيضاً) ومن أُلْفة لكلّ ما ينبغي أن لا يكون محلّاً للألفة.
هذا كلّه مترعٌ بالسياسة. بالسياسة الكبرى. في السياسة السياسية،قطع زياد الرحباني شوطاً طويلاً من ستالين إلى بوتين وبقي في موضعه أو قل: في موقعه. وكتَبَ، في هذا الباب، مقالاتٍ كان يُستحسن أن تصرِفَه جريدةُ "الأخبار" بسببها من أوّل شهرٍ لولا أنها تشبهه: تشبهه بالتفاوت بين أبوابها خصوصاً وبصفاتٍ أخرى...
في السياسة السياسية، هذا الرحباني لا يستحقّ الذكر.

عن الفايسبوك

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا