الجمعة، 10 أكتوبر 2014

فــــــريـــد الأطــرش .. نـغــم فى حياة العرب

SHARE

نبيل حنفى محمود
مجلة وجهات نظر
كان عام 1923 هو عام الأحداث الكبيرة في تاريخ الغناء المصري المعاصر، فقد عمل محمد عبدالوهاب فى هذا العام ـ وهو في الحادية والعشرين من عمره ـ مع الشيخ سيد درويش في أوبرا كليوباترا التي نظمها أمير الشعراء أحمد شوقي، وسجل محمد عبدالوهاب في ه
ذا العام أيضًا سبع أغنيات على أسطوانات ساهمت فى دعم انتشاره وتأكيد مكانه على قمة الغناء، وقد شهد عام 1923 أيضًا نزوح أم كلثوم من مسقط رأسها ـ قرية طماى الزهايرة ـ إلى القاهرة. حيث التقت لأول مرة بأستاذها الشيخ أبوالعلا محمد الذى لحن لها العديد من القصائد الرائعة مثل "الصبّ تفضحه عيونه" من شعر أحمد رامى والتي وضعتها على قمة الغناء المصرى بجوار محمد عبدالوهاب، وحين بدأ عام 1923 يلملم شهوره الباقية ليدلف إلى غيابات التاريخ.. رحل عن عالمنا الشيخ سيد درويش فى يوم 15 سبتمبر قبل أن يقطف ثمار ما بذره من أفكار متطورة فى تربة الغناء المصري التي لم تنتج قبله إلا التكرار والرتابة، وقبل أن ينصرم عام 1923 بأيام قليلة. وصلت إلى القاهرة سيدة شامية تسحب فى يديها صبيين وفتاة صغيرة وقليلا من المتاع، كانت تلك السيدة علياء حسين المنذر، درزية لبنانية تحمل الجنسية السورية، وكان الأطفال هم فؤاد وفريد وأمل أبناء فهد بن فرحان إسماعيل الأطرش.. شقيق سلطان الأطرش قائد ثورة جبل العرب (1922 ـ 1925) التى اندلعت لتعم سوريا قبل ذلك بعام واحد، جاءت السيدة علياء بأبناؤها إلى القاهرة هربًا من ملاحقة قوات الاحتلال الفرنسى التى استهدفت اعتقالهم لكسر شوكة آل الأطرش الذين كانوا يقودون حربًا شرسة ضد الاحتلال الفرنسى من الشام، كان هرب السيدة علياء بأبنائها من بيروت إلى القاهرة وعبر فلسطين سريعًا حتى أنها لم تحمل معها أية وثائق لتحقيق الشخصية.. مما تطلب اتصال ضابط الجوازات المصرى من منفذ القنطرة تليفونيا بالزعيم سعد زغلول فى القاهرة للحصول على موافقته على دخول السيدة علياء وأبنائها إلى مصر، وحين عبرت السيدة علياء وأبناؤها ميدان باب الحديد ـ رمسيس حاليا ـ فى أحد أيام شتاء عام 1923 فى طريقهم إلى حي باب البحر حيث أقاموا فى أول مسكن لهم بالقاهرة. لم تكن تعلم أن وصول صغيرها فريد إلى القاهرة فى هذا العام سيكون واحدًا من الأحداث المهمة فى تاريخ الغناء المصرى بعد ذلك، ولم لا؟.. وقد صنع هذا الفتى ـ القادم إلى مصر من قلب الثورة فى جبل العرب ـ للغناء المصرى والعربى الكثير، مما جعل موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب يقول عنه: "لا يستطيع أن يتصدى مؤرخ لتاريخ النهضة الموسيقية فى هذه الفترة من عمر الزمن.. دون أن يقف طويلاً أمام فريد الأطرش كرائد من الرواد الأوائل وعلم من أعلام اللحن والغناء لم يحد يومًا عن فنه العربى الأصيل"(1).
ولد فريد الأطرش قبل وصوله إلى القاهرة بثمانية أعوام فى قرية القُريه (بضم القاف) من أعمال السويداء فى جبل العرب بسوريا، لم تنبئ أعوام البداية فى حياة فريد بما آل إليه أمره بعد ذلك، فقد نشأ فى أحد بيوت الإمارة التى ورثها آل الأطرش، ولما كان والده فهد الأطرش هو أول درزى من الجبل يحمل شهادة جامعية من جامعة استانبول فى تركيا، فإن ذلك أتاح للرجل أن يتقلد الكثير من المناصب المهمة فى الدولة العثمانية التى كانت تحكم الجبل وسوريا أو أثناء الانتداب الفرنسى بعد زوال السلطة العثمانية عن الشام، ففى عهد الدولة العثمانية.. عمل الأمير فهد حاكمًا لمنطقة ديمرجى من أعمال إزمير فى أقصى الغرب من تركيا أثناء المراحل الأخيرة من الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918)، ثم تولى الأمير فهد عدة مناصب قضائية فى عهد الاحتلال الفرنسى لسوريا كرئيس لمحكمة الاستئناف فى السويداء وفى درعا، بعد ذلك رحل الأمير فهد بعائلته إلى بيروت ليعمل معتمدًا للدروز لدى الفرنسيين وقبل قليل من ثورة جبل العرب فى عام 1922، وعندما انضم الأمير فهد إلى الثوار.. هربت أسرته إلى القاهرة خوفًا من وقوعهم أسرى بيد القوات الفرنسية.
قضى الفتى فريد مع أسرته بالقاهرة سبعة أعوام متنقلاً بين أحياء باب البحر وغمرة ومتلقيا العلم من مدارس الفرير بالخرنفش والبطريركية للروم الكاثوليك بحى الظاهر، وإزاء ما تعرضت له الأسرة من حاجة بعد نفاد مدخراتها وانقطاع مدد الأهل.. عمل فريد موزعًا للإعلانات والمشتريات فى محلات بلاتشى بالموسكى بعد انتهاء الدراسة وذلك إضافة إلى تلقيه دروسًا فى عزف العود والغناء على يد والدته وبعض كبار الملحنين مثل داود حسنى وفريد غصن، فقد كانت موهبة الفتى الصغير فى عزف العود والغناء قد ظهرت فى سهرات الأسرة ودروس التراتيل الكنسية بمدارس الفرير والبطريركية، وبين حين وآخر كان فريد يقدم وصلات غنائية فى محطات الإذاعة الأهلية التى كانت تملأ القاهرة آنذاك مثل محطة إلياس شقّال التى تغنى فيها بالعديد من أغنياته الأولى التى جلبت له الشهرة بعد ذلك فى عقد الثلاثينيات، وهكذا ذهبت أيام العز فى ديمرجى وبيروت والسويداء.. لتجيء أيام الكفاح والشقاء والعمل المتواصل فى القاهرة، وبمبادرة من أبناء الجالية السورية بالقاهرة لمساعدة أسرة فريد.. أحيا الفتى حفله الأول فى تياترو برنتانيا بشارع عماد الدين فى مساء السبت 19 يوليو 1930، هذا الحفل الذى نشرت إدارة التياترو إعلاناً عنه لجذب الجمهور فى الصفحة السادسة من عدد الخميس 17 يوليو 1930 من صحيفة الأهرام يقول نصه: "حفلة طرب كبرى فى تياترو برنتانيا: يحيى بلبل العصر فريد بك الأطرش مطرب الراديو بالقاهرة فى التاسعة والنصف من مساء السبت 19 يوليو الجارى حفلة طرب كبرى بتياترو برنتانيا على تخت مؤلف من كبار رجال الفن"، وهكذا.. بدأ الفتى الصغير القادم من جبل العرب أولى خطواته على طريق الشهرة والمجد.
كان النصف الأول من عقد الثلاثينيات هو زمن الكفاح الصعب فى مشوار فريد الأطرش.. الكفاح الذى فتح له الطريق بعد ذلك ليتبوأ مكانه عند قمة الغناء، فبالإضافة إلى دراسته المنتظمة فى المدرسة البطريركية وغنائه فى المحطات الأهلية.. فإنه تقدم فى صيف عام 1933 ليدرس فى المعهد الملكى الموسيقي، هذا مع كونه يعمل بالعزف على العود والغناء مع المنشدين (الكورس) فى صالتى بديعة مصابنى ومارى منصور، وحينما رسب فريد فى امتحان معهد الموسيقى لمادة الغناء بالعام الدراسى الأول وذلك لمرضه.. فإنه ترك الدراسة فى معهد الموسيقى وفى المدرسة الثانوية التى قضى بها عامين ليتفرغ كلية للغناء منذ عام 1934، ولكن عام دراسته الوحيد فى معهد الموسيقى (33 ـ 1934) حمل فى واحد من أيامه مصادفة شكلت نقطة التحول الرئيسية فى حياته، تمثلت تلك المصادفة فى لقائه بالموسيقار مدحت عاصم الذى كان يشغل آنذاك منصب المدير الفنى لمحطة الإذاعة الحكومية التى بدأت إرسالها فى 31/5/1934، استمع مدحت عاصم فى لقاء المصادفة هذا بإعجاب وحب إلى عزف فريد على العود، ولقد ترجم مدحت عاصم إعجابه فى هذه الأيام الأخيرة من عام 1935 فى صورة عقد من الإذاعة لفريد ينص على تقديمه وصلة أسبوعية من العزف المنفرد على العود، فجاءت إذاعة الوصلة الأولى لفريد فى مساء الإثنين 13 يناير 1936، وعندما استمع مدحت عاصم بعد ذلك إلى غناء فريد.. فإن التعاقد الأول أضيف إليه بند ينص على أن يقدم فريد وصلتين من الغناء أسبوعيا لقاء أجر قدره جنيهان للوصلة الواحدة، وفى مساء السبت 21 مارس 1936 استمع جمهور إذاعة القاهرة فى كل مصر إلى عزف منفرد على العود من فريد أتبعه بأغنيته الأولى "بحب من غير أمل"، ثم قدم فريد بعد ذلك خلال شهور أبريل ومايو ويونيو من عام 1936 مجموعة من الأغنيات مثل: "يا ريت تدوقى اللى فى قلبي"، "الشريد"، "يا نسمة تسري" وغيرها حفظت له مكانًا بين مطربى الإذاعة وقتها، لكن الشهرة جاءت إليه بعد أن غنَّى فى مساء الأربعاء 29 يوليو 1936 أغنيته الخالدة "يا ريتنى طير لا طير حواليك" التى نظمها ولحنها الفنان الفلسطينى يحيى اللبابيدى الذى كان يعمل آنذاك مديرًا لقسم الموسيقى العربية بالإذاعة الفلسطينية.

2

منذ أن عرف الناس صوت فريد ورصيده من حب الجمهور فى نمو وازدياد، حتى لقد عدّه الكثير من النقاد مثل د. رتيبة الحفنى وكمال النجمى المنافس الوحيد والحقيقى لمحمد عبدالوهاب، إذ قدم فريد فى سنوات بداياته الأولى فى عقد الثلاثينيات الكثير الذى جذب إليه جماهير الطبقة الراقية من المجتمع، فبالإضافة إلى تميز صوته وسحر عزفه على العود.. فإن استعانته بالكثير من قوالب الموسيقى الغربية كالتانجو والرومبا والفالس فى صياغة ألحانه الأولى ذات النكهة والأصل الشرقى جذب إليه أسماع المثقفين من أبناء الطبقة الراقية، ويرى الناقد المعروف كمال النجمى أن ذلك كان السبب الرئيسى وراء توسع محمد عبدالوهاب فى الأخذ من الموسيقى الغربية لمجاراة فريد فى جديده الذى جاء به.. ومحافظة على جمهوره من الطبقة الراقية الذى يملك المال والجاه والكثير من أسباب نجاح أى مبدع(2).
حينما أهلَّ عقد الأربعينيات من القرن العشرين ودخلت الحرب العالمية الثانية مراحلها الأخيرة.. كانت السينما المصرية قد قطعت شوطًا بعيدًا فى طريقها لأن تكون أداة التعبير الفنى الأشهر.. لتزاحم بذلك الإذاعة وتقلِّص كثيرًا من دور المسرح، فجذبت السينما اهتمام أقطاب الغناء فى هذه الحقبة.. فقدم محمد عبدالوهاب سلسلة أفلام بدأها بفيلم "الوردة البيضاء ـ 1933" وكان آخرها ـ فى أول عقد الأربعينيات ـ فيلم "ممنوع الحب ـ 1942"، ودخلت أم كلثوم مضمار السينما بعدة أفلام كان أولها "وداد ـ 1935" وآخرها "عايدة ـ 1942"، وبتتابع الأفلام الغنائية فإن شكل الأغنية تطور ليلائم وسيلة الانتشار الجديدة، حقيقة لم تكن أغنيات محمد عبدالوهاب وأم كلثوم وغيرهما فى أفلام الثلاثينيات سينمائية بمعنى ما تحمله الكلمة من أسس ومفاهيم، ولكن مفهوم الأغنية السينمائية ترسَّخ وأصبح واضحًا عندما قدم فريد الأطرش وشقيقته أسمهان فيلمهما الأول "انتصار الشباب" الذى عرض بدار سينما ستوديو مصر فى 24 مارس 1941، جاء نجاح "انتصار الشباب" كاسحًا وناسخًا لكل ما تقدمه من نجاح لقيه أى فيلم غنائى قبله، فقد استمر عرضه الأول سبعة أسابيع كاملة العدد فى حفلات اليوم الأربعة، آنذاك.. كان الفيلم الناجح يستمر عرضه لثلاثة أو أربعة أسابيع، فمثلاً.... انتهى العرض الأول لفيلم "ممنوع الحب" لمحمد عبدالوهاب فى 19 أبريل 1942 بعد أن استغرق أربعة أسابيع فقط، بل إن نجاح "انتصار الشباب" كان مضاعفًا.. لأن ما كان يعرض أمامه فى دور السينما بالقاهرة هو مجموعة من أقوى أفلام السينما الأمريكية على امتداد تاريخها مثل "ذهب مع الريح" لكلارك جيبيل وفيفيان لى و"الدكتور العظيم" لشارلى شابلن!
إن العودة الآن إلى ما كتب فى صحافة تلك الأيام عن فيلم فريد الأول.. سوف يوضح لقارئ اليوم مدى ما لقيه من نجاح، فها هو المحرر الفنى لمجلة "الصباح" يصف النجاح الكبير لعرض الفيلم الأول فى عدد المجلة الصادر بتاريخ 28 مارس 1941 فيقول: "وقد صادف الفيلم نجاحًا أكثر مما كان يتوقعه كثيرون، وعُرف رأى الجماهير من مظاهر الإعجاب والتصفيق التى حيوا بها أسمهان وفريد وأحمد بدرخان فى نهاية الفيلم حيث كانوا بين المتفرجين"، وليس أدل على نجاح الفيلم وإقبال الجماهير على مشاهدته من ذهاب أم كلثوم إلى سينما ستوديو مصر بصحبة فريد فى أحد أيام الأسبوع الثانى لتشهد بعينها أول فيلم غنائى حقيقى فى تاريخ السينما المصرية.. ولتسمع بأذنيها "آراء المتفرجين الجالسين بالقرب منها ـ ولا يعلمون بحضورها ـ فى هذا الفيلم وبعض الأفلام الغنائية الأخري"، وذلك فيما سجَّله محرر "الصباح" فى عدد 4 أبريل 1941.
كانت قصة عمر جميعى التى بُنى عليها الفيلم هى أول وأهم أسباب نجاحه، فهى تدور حول شقيقين (شاب وفتاة) هبطا إلى مصر بحثًا عن العيش الذى التمساه بأصواتهما الجميلة، فعملا فى الصالات وخبرا الحب والعذاب والمعاناة، حتى تمكنا فى النهاية من تحقيق النجاح فى ساحتى الفن والحياة، لذلك جاء الغناء ركنًا أساسيا فى الفيلم الذى ضم أحد عشر عملاً غنائيا تنوعت بين الطقطوقة والقصيدة والديالوج والمونولوج الفكاهى والأوبريت.. مما جعل الفيلم جديرًا باسم "الفيلم الغنائي"، وقد نجح أحمد بدرخان فى توظيف أحداث القصة لإضفاء الواقعية على ما تضمنه بعضها من غناء، فجاءت أغنيات الفيلم لتعبِّر عن تطور أحداث قصته ونمو شخصيات أبطاله.. ولتلعب دورًا أساسيا فى التعبير عن مشاعر وأحلام أبطاله، وكان نجاح فريد فى تلحين أوبريت "الشروق والغروب" وأوبريت "ليالى الأندلس" فى هذا الفيلم هى شهادة انضمامه إلى نادى رواد الموسيقى العربية الذى ضم قبله سيد درويش ـ محمد عبدالوهاب ـ رياض السنباطى ـ محمد القصبجي، لكل ذلك.. فإن الناقد الفنى سعدالدين توفيق أفرد لفيلم "انتصار الشباب" مكانًا مميزًا فى مقدمة قائمة وضعها لأحسن مائة فيلم فى تاريخ السينما المصرية(3).
توالت أفلام فريد الاستعراضية والغنائية فى عقد الأربعينيات والسنوات الأولى من خمسينيات القرن الماضي، وجاءت بالتسلسل التالي: (أحلام الشباب: 1942)، (شهر العسل: 1945)، (جمال ودلال: 1945)، (ماأقدرشي: 1946)، (حبيب العمر: 1947)، (بلبل أفندي: 1948)، (أحبك أنت: 1949)، (عفريتة هانم: 1949)، (آخر كدبة: 1950)، (تعالى سلم: 1951)، (ماتقولش لحد: 1952)، (عايزة أتجوز: 1952) و(لحن الخلود: 1952)، كان فيلم "حبيب العمر" هو باكورة إنتاج فريد من الأفلام الغنائية.. وقد حقق نجاحًا يعز على الوصف وعَدَّه فريد خميرة ما جناه من ثروة بعد ذلك، وعن نجاح "حبيب العمر" يقول الموسيقار بليغ حمدي: "إن أى نجم سينمائى عندما كان يقول عن فيلمه إنه نجح.. فإن السؤال التالى الذى كان يسمعه فورًا من الوسط السينمائى فى مصر هو إلى أى حد كان فيلمك ناجحًا؟ هل اقتربت مثلاً من نجاح "حبيب العمر"؟(4) وبتعدد الخبرات التى اكتسبها فريد من تمثيل هذه السلسلة من الأفلام ذات الطابع الكوميدي، ومن خلال تعامله مع مجموعة من ألمع مخرجى السينما المصرية فى تاريخها مثل: أحمد بدرخان، كمال سليم، هنرى بركات، حسين فوزى وحلمى رفلة.. فإن ذلك ساهم فى نضجه كممثل، وبرسوخ قدمه كممثل.. اكتملت له رباعية الخلود التى ضمت قبل ذلك إبداعاته كمطرب وملحن وعازف على العود لا يتكرر.
3

اعتمد فريد الأطرش على الأفلام الغنائية والاستعراضية كوسيلة اتصال مباشر بجمهوره المتنامى وكأداة للتجديد والتجريب فى الموسيقى والغناء، فبالإضافة إلى الاستعراضات والأوبريتات التى ازدانت بها هذه الأفلام.. فإن محاولاته لتحديث الأغنية العربية ـ بإدخال الإيقاعات الغربية والتى بدأها فى الثلاثينيات من خلال بعض أغنياته الإذاعية ـ توّجت بكثير من النجاحات فى أفلامه الغنائية، فجاءت أغنيات مثل: "ليالى الأنس: 1944"، "حالى صعب ع الغمام: 1945"، "يا زهرة فى خيالي: 1947"، "حبيب العمر: 1947"، "وياك: 1952"، "لحن الخلود: 1952" و"مخاصمك يا قلبي: 1956" لتكسر مونوتونات الأغنية العربية.. ولتقدم غناءً عربيا مؤسسًا على أصول مغرقة فى المحلية لكنه فى نفس الوقت عالمى الشكل والمضمون، وعن ذلك يقول الناقد اللبنانى أنطوان بارودي: "مما لاشك فيه أن الموسيقار الكبير طوّر الموسيقى الشرقية وساهم فى تطوير الإيقاع والميلودى خلال الأربعين سنة الماضية، من كان يتوقع أن يضع فنانًا لحنًا مثل (ليالى الأنس) فى العهد الذى ظهرت فيه؟ هذا اللحن الذى خلَّد فريد وأسمهان والفالس العربي"(5)، ومثل ذلك ما قاله الموسيقار بليغ حمدي: "إن فريد الأطرش أعطى الموسيقى الشرقية أفكارًا جديدة ومتطورة وممتازة وجريئة.. لم يعطها أى ملحن آخر معاصر له"(6)، إن قصيدة "عدت يا يوم مولدي" التى توج بها فريد فيلمه الخامس والعشرين "يوم بلا غد: 1961" وما أحدثته من أثر فى تاريخ الغناء العربي.. تعدّ مصداقًا لما قاله الموسيقار بليغ حمدى والناقد اللبنانى أنطوان بارودي، لقد تحدث الكثيرون عن هذه القصيدة.. ولكن الناقد المعروف كمال النجمى يلخص ذلك فيقول: "وليستمع من شاء إلى قصيدة "عدت يا يوم مولدي" التى نظمها كامل الشناوى ولحنها وغنّاها فريد الأطرش غناء لا صلة له من قريب ولا من بعيد بشيء من تقاليد تلحين وغناء الشعر العربى الفصيح، ناهيك بقصيدة (يا زهرة فى خيالي) التى غناها من شعر مأمون الشناوى ـ يخطئ الأستاذ النجمى فى اسم مؤلف القصيدة والصحيح أنه الشاعر صالح جودت ـ وتحولت إلى قطعة من الموسيقى الأوروبية الراقصة"(7).
كانت شواهد الأمور قبل منتصف الخمسينيات من القرن العشرين تقول إن الغناء العربى سيخرج أخيرًا من قوقعة المحلية إلى رحابة العالمية من خلال المنافسة المتّقدة بين محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش، حتى جاءت الرياح بما لا تشتهى سفينة فريد؛ إذ دهمته أزمات قلبية متتابعة... كانت أولاها فى مطلع عام 1955 إثر حديث نارى أدلت به أصيلة هانم ـ والدة ناريمان صادق ملكة مصر السابقة ـ إلى صحيفة الأخبار.. ردًا على ما روجته الصحافة عن قرب زواج ابنتها من فريد، وقد سجل فريد فشلاً ذريعًا فى كل ما عاشه من قصص الحب.. فلم يتوج أيا مما مر به من تجارب عاطفية بالزواج، كان الفشل نتيجة تجربته مع الراقصة سامية جمال التى كانت نجمة أفلامه الناجحة منذ "حبيب العمر" أو مع المطربة شادية التى لعبت أمامه دور البطولة فى فيلمين من أهم أفلامه وقام بإخراجهما يوسف شاهين ومازالا يتألقان ويجتذبان اهتمام المشاهدين حتى الآن وهما: "ودعت حبك ـ 1956" و"إنت حبيبى ـ 1957"، كانت الدنيا قد أقبلت على فريد منذ منتصف الخمسينيات.. فشرع فى بناء عمارة تطل على النيل من ضفته الغربية فى مدينة الجيزة، وبالرغم من ذلك.. فإن إنتاجه الغنائى تضاعف فى هذه الفترة ـ رغما عن مرضه ـ بما يقدمه من أغنيات فى أفلامه الجديدة الدرامية بعد أن حَدَّ المرض من قدرته على تمثيل الأفلام الاستعراضية.. وبما يقدمه للإذاعة من أغنيات بصوته وأصوات غيره من المطربين والمطربات مثل كمال حسنى ـ محرم فؤاد ـ صباح ـ فايزة أحمد ـ ليلى مراد ونجاح سلام، وكان فريد مازال ماضيا فى محاولاته التجديدية.. ليفاجئ الجميع بعد فترة من الزمن بلحن يحمل إرهاصات غنائية وموسيقية تتجاوز المكان (مستشرفة العالم كله) وتصارع الزمن (لبقائها حتى الآن تحمل لمعة التجديد ورونق المعاصرة)، حتى جاءت إلى فريد فى نهاية الخمسينيات أول شهادة تقدير أجنبية لِفنِّه متمثلة فى أسطوانة حملها إليه أحد الدارسين المصريين فى الاتحاد السوفيتى (آنذاك) لأغنيته "يا زهرة فى خيالي" بصوت مطرب روسي، كانت قصيدة "يا زهرة فى خيالي" هى اللحن العربى الأول الذى عبر حدود المنطقة العربية فى القرن العشرين ليتغنى به الناس فى الاتحاد السوفيتى ويطبع على أسطوانة تجارية سعد العديد من الدارسين العرب بمشاهدتها فى متاجر جوم الشهيرة بمدينة موسكو، استمر انتقال ألحان فريد إلى الغرب فى عقد الستينيات وما تلاه من عقود، ففى الستينيات قدم الموزع الموسيقى العالمى فرانك بورسيل ـ الفرنسى الجنسية ـ فى صيف عام 1964 ومن خلال إصدارات شركة عالمية أسطوانة ضمت أربع مقطوعات موسيقية لفريد بعد إعادة توزيعها وعزفها على أوركسترا يعد هو الأكبر عالميا آنذاك، كانت المقطوعات الأربعة هي: حبيب العمر ـ نجوم الليل ـ ليلى وزُمرده، وفى مطلع عام 1965، تغنت المطربة الفرنسية مايا كازابيانكا بأغنية "يا جميل يا جميل" ـ والتى تغنى بها فريد قبل عشر سنوات فى فيلم "قصة حبى ـ 1955" ـ بعد ترجمتها إلى اللغة الفرنسية مع الإبقاء على كلمة "يا جميل" فقط باللغة العربية، قبل ذلك.. وفى عام 1962 عقدت مسابقة عالمية بتركيا لاختيار أحسن العازفين فى العالم على الآلات الشرقية، وجرت منافسات المسابقة على جميع الآلات الشرقية، عدا آلة العود التى حجبت اللجنة المنظمة جائزتها لتهدى إلى فريد الأطرش الذى لم يحضر المسابقة، لأنه ـ وطبقًا لرأى اللجنة ـ هو الجدير بهذه المسابقة ولا أحد سواه، لقد ترجمت بعض أغنيات فريد إلى سبع من اللغات الحية هى الفرنسية والإنجليزية والألمانية والتركية والفارسية واليابانية وأخيرًا العبرية، ولم يكن هذا هو كل ما أخذه العالم من ألحان فريد الأطرش، إنما أخذ بعض كبار المطربين العالميين فى القرن الماضى مثل داليدا وأنريكو ماسياس وفادى إسكندر مقاطع من العديد من الأغنيات المعروفة لفريد مثل "وياك" و"مش كفاية" ليجملوا بها غناءهم الشجى الذى يحمل عبق الشرق وسحره.
لقى فريد الأطرش من مظاهر التكريم الكثير الذى يضيق عن ذكره المجال، فقد تلقى العديد من الأوسمة والنياشين، كان أولها وسام الاستحقاق اللبنانى وآخرها وسام الاستحقاق المصري، وبينهما الكثير من الأوسمة من كل الدول العربية تقريبًا، لكن أعظم ما لقيه فريد من تكريم، تمثل فى حب الجماهير الكبير له فى كل بلدٍ حل به وفى التفافها حوله فى كل الأقطار العربية، فعندما سافر إلى تونس والمغرب فى شهر مارس من عام 1951، فإن آلاف التونسيين يتقدمهم المعتمد الفرنسى واثنان من أمراء البيت الحسينى الحاكم انتظروا لساعات طوال فى مطار العوينة الطائرة التى أقلت فريد إلى هناك، وفى سوريا، لم تجد الشرطة بُدًا من تخصيص فرقة لحماية فريد من هجوم المعجبين والمعجبات عليه عندما وصل هناك فى صيف عام 1955 لإحياء مجموعة من الحفلات فى دمشق وحلب، لذلك تعددت الألقاب والصفات التى خُلعت على فريد الأطرش فى حياته ، ولكن يبقى دائمًا هناك لقب واحد يعد فريد الأطرش هو الأجدر به والأكثر ملاءمة لوصف مشواره الطويل مع الفن، إنه لقب "مطرب العروبة"، فبداية يمكن أن يعزى ذلك إلى تعدد الأعراق فى أصله ونشأته، إذ أنه سورى الجنسية بالميلاد والأسرة، ولبنانى الجنسية بموطن والدته، ومصرى الجنسية بحكم النشأة والإقامة والعمل، وقد حمل فريد تلك الجنسيات الثلاث بالفعل، وذلك بالإضافة إلى الجنسية السودانية التى منحها إياه الرئيس السودانى السابق محمد جعفر نميرى فى عام 1974، ربما بسبب ذلك، فإن الدعوة للوحدة العربية ظلت تتردد فى كثير من أعماله وعلى طول مشواره كله مع الغناء.

4

يعتقد البعض أن أول دعوة للوحدة العربية فى غنائيات فريد الأطرش ـ بل وفى غنائيات القرن العشرين العربية ـ جاءت فى أوبريت "بساط الريح" الذى قدمه فريد فى فيلم "آخر كدبة ـ 1950"، ولكن الحقيقة هى أن الدعوة الأولى للوحدة العربية سبقت أوبريت "بساط الريح" بعامين، وأطلقها فريد فى أوبريت "غناء العرب" الذى شدا به بمشاركة المطربة صباح فى فيلم "بلبل أفندى ـ 1948"، وفى كل من العملين ـ "غناء العرب" و"بساط الريح" ـ قدم فريد باقة من فنون الغناء العربى فى عدة أقطار عربية.. وحلق عبر شريط السينما فى أجواء العراق وسوريا ولبنان وتونس والمغرب وقبل ذلك وبعده مصر.. ليجمع العرب ـ ولو فى عالم السينما والغناء ـ بعد قرون من الفُرّْقة، وقد عبّر عن حلمه بالوحدة العربية بشكل آخر عندما جمع أعلام الدول العربية فى ديالوج "إحنا لها" الذى قدمه مع المطربة شادية فى فيلم "ودعت حبك ـ 1956"، حيث شكلت لوحات ملونة يرفعها أربعمائة جندى من الجـيش المصرى فى خلفية المسرح الذى يغنى عليه فـريد وشادية أعلام الدول العربية، ولكنه عبر عن حلمه بالوحدة بشكل أكثر تحديدًا، عندما تغنى بكلمات بيرم التونسى فى أغنية "مرحب مرحب" التى قدمها من إذاعة القاهرة فى 24 يوليو 1955 قائلاً:
أسأل الله يبلّغنى كل المقصود
وأشوف الأمة العربية من غير حدود
يمشى العربى فى أملاكه ببساط ممدود
لا تقول وين أوراقك ولا رايح فين
وحينما تحقق حلم الوحدة العربية بقيام دولة الوحدة بين مصر وسوريا فى أول فبراير 1958، قدم فريد الأطرش أجمل أغانى الوحدة وأخلدها على الإطلاق: "م الموسكى لسوق الحميدية ـ 1958" و"حموى يا مشمش ـ 1959"، لتغنيهما المطربة صباح وينطلقا على لسان كل الجماهير العربية، لم يكتف فريد بما تضمنته بعض أغنياته وأعماله من دعوة للوحدة العربية، وإنما طاف بكل الدول العربية تقريبًا يقدم غناءه للشعب العربى فى كل مكان وليؤكد من خلال التفاف الجماهير حوله على وحدة الأمة، لقد غنى فريد فى أقطار عربية تتمتع بالاستقلال وفى أقطار أخرى كانت ترزح تحت الاحتلال الأجنبي، وغنى فى دول عربية تحكمها قصور ملكية وفى دول أخرى تحكمها نظم ثورية، ومن الطرائف التى تذكر فى هذا المقام، أنه نجا من الموت بأعجوبة ليلة التاسع من يوليو 1971 فى قصر الصخيرات بمدينة الرباط المغربية أثناء انقلاب الجنرال محمد أو فقير الذى استهدف نظام الملك الحسن الثانى أثناء الاحتفال بعيد ميلاد الملك الثانى والأربعين، وبعد ذلك، فإنه أحيا فى 22 مايو 1974 احتفالات ثورة مايو فى مدينة الخرطوم وغنى من أشعار الشاعر السودانى عبد الله قلندر أنشودة بعنوان "يا ثورة مايو"، وقبل ذلك بثمانية عشر عامًا، اخترق فريد حصار الاحتلال البريطانى حول الجنوب اليمنى المحتل ليصل يوم 9 فبراير 1956 إلى مدينة عدن حيث أحيا هناك خمس حفلات، وبالرغم من أنه غنى للزعيم جمال عبد الناصر: "حبيب حياتنا كلنا" و"يا حبيب الشعب العربي"، فإنه غنى للملك فيصل: "بسم الله فيصل آل سعود" وغنى للملك حسين بن طلال: "ياما أحلى التاج على جبينك" وغنى للشيخ زايد بن سلطان: "زايد سلطان يا غالي" وغنى للملك الحسن الثاني: "يا مرحبا يا ميت هلا"، وكما غنى لمصر "سنة وسنتين، يا مصر يا عمرى يا نور العين"، فإنه غنى للكويت: "يا مرحبا يا كويتنا" وغنى للبحرين: "ع البحرين" وغنى لفلسطين: وردة من دمنا"، لذا.. كانت جميع المطارات العربية مفتوحة لفريد الأطرش يعبر بواباتها بغير جواز سفر.. فقد كان وجهه واسمه هما هويته!
إن كل ما سبق، كان هو الشكل الظاهرى للعروبة فى إبداع فريد الأطرش، ولكن جوهر العروبة الحقيقى فى أعماله، تمثل فى تمسكه بالنطق الصحيح للغة العربية، وفى تحريه صحة الأوزان الشعرية فى كل غنائياته، وفى كونه أكثر ملحن عربى معاصر استخدامًا للمقامات العربية كالبياتى والحجاز والكُرد والنهاوند والآلات الموسيقية العربية كالعود والناى والقانون فى بناء أعماله وتنفيذها، وذلك فيما رصده قائد الأوركسترا سليم سحاب وآخرون.
امتدت رحلة فريد الأطرش مع مرض القلب على طول العشرين عامًا الأخيرة من حياته، وبالرغم من ذلك، فإن المرض لم يثنه عن التلحين والغناء والتمثيل وإقامة الحفلات، وإن كان ما تعرض له من مرض وأحداث مثل وفاة شقيقته أسمهان المأساوية فى عام 1944، قد غلف صوته بمسحة من الحزن بدت واضحة فى كثير من أغنياته التى شدا بها منذ بداية الستينيات، ولقد بلغ نشاطه الفنى فى الأعوام الأربعة الأخيرة من حياته ذروة لم يصل إليها فى أى مرحلة من مشواره الطويل، فقد ألقى بتعليمات الأطباء وراء ظهره بعد أن عاد إلى القاهرة فى مطلع عام 1970، إثر إقامة طويلة ببيروت، لتستقبله القاهرة بوسام الاستحقاق من الطبقة الأولي، ومنذ حفله الشهير فى شم النسيم عام 1970 والذى شهد تنافسًا حادًا بينه وبين عبد الحليم حافظ فإنه أحيا العديد من الحفلات الغنائية فى القاهرة والإسكندرية ودمشق والرباط والخرطوم، فملأ أمسيات العرب بشدوه الشجى لأغنيات قارب عمرها ـ آنذاك ـ ربع القرن (كأول همسة والربيع) وبأغنيات أخرى جديدة، لقد عمر صوت فريد ما يزيد على خمسة وأربعين عامًا، تغنى فيها بأكثر من ثلاثمائة أغنية، فلم ينتقص ظهور مطرب كبير أو صغير خلال تلك الفترة من جمهوره الذى ظل فى ازدياد، إن صوت فريد (التينور/ الباريتون) بمساحته التى تقترب من ديوانين كاملين (أى ستة عشر مقامًا كاملة) فى قمة نضجه والتى جاوزت الديوان ونصف الديوان (أى أكثر من اثنى عشر مقامًا) فى أواخر عمره.. ظل محتفظًا بكل جماله وملامحه الأساسية وبالتفاف الجمهور حوله، فلم ينل مرض القلب ولا الكهولة من صوته شيئًا فيما رصده الناقد المعروف كمال النجمى وآخرون.
أحيا فريد الأطرش آخر حفلاته فى بيروت مساء السبت 31 أغسطس 1974، ليلتها، تغنى بأغنيته "زمان يا حب" و"يا حبايبى يا غاليين" حتى فجر الأحد، فى تلك الليلة، أمطرت السماء ليصاب فريد بالتهاب رئوى بعدها، ولتتحرج حالة قلبه أكثر، وعندما عاد إلى بيروت فى الأيام الأخيرة من شهر ديسمبر 1974 بعد رحلة علاج فاشلة فى لندن، فإنه دخل مستشفى حايك بضاحية سن الفيل ببيروت، حيث لقى وجه ربّه بعد عصر يوم الخميس الموافق 26 ديسمبر 1974 أثناء العرض الأول لفيلمه الحادى والثلاثين "نغم فى حياتي" فى دور السينما اللبنانية، وبرحيل فريد الأطرش، بدأت أركان دولة الطرب الأصيل فى التداعي، فلحقت به أم كلثوم يوم أن أقامت الحكومة اللبنانية حفل تأبين له فى قصر الأونيسكو ببيروت بمناسبة مرور أربعين يومًا على وفاته، وبعد ذلك بما يقارب الثلاث سنوات، لحق بهما عبد الحليم حافظ، ليتوالى سقوط باقى الأعلام، وليفقر سوق الطرب فى النهاية.. فلا نجد فيه الآن إلا نجوم الأغنية الشبابية!

5

كان فريد الأطرش إنسانًا له نُبْل الفارس ورقة الفنان، إذ قدم للغناء المصرى المعاصر الكثير الذى يتجاوز إنتاجه الغنائى والموسيقي، ليشمل ما هو إنسانى وخالد، فبالإضافة إلى أغنياته التى شدا فيها بالحب والجمال والوطن والقومية وكل القيم الرفيعة، فإنه قدم خلال مسيرته الفنية نموذجًا إنسانيا يندر تكراره، فمن خلال رئاسته لجمعية المؤلفين والملحنين المصرية منذ عام 1963 وحتى وفاته، قدم الكثير للدفاع عن حقوق إخوانه من المؤلفين والملحنين وكان ماله الخاص حلاً سحريا لكل مشاكل الروتين واللوائح، لقد كان كرمه الحاتمى وبيته المفتوح للجميع حديث الكل ومثار حكاياتهم فى حياته وبعد مماته، وها هو فوميل لبيب يصف ذلك بعد رحيله فيقول: "وكان كريمًا.. مائدته العامرة مضرب الأمثال.. وهو يحب العطاء ولا يقبض يده عن عون أو غوث، لهذا كان الموسيقيون يختارونه نقيبًا لهم لأنه يعطى من جيبه فوق ما تعطى الخزانة من حصيلتها، وله آيات كرم لا يعرفها أحد من مرتبات مرصودة أو رعاية لطلبة غير قادرين أو شيوخ قد أقعدهم المرض"(8)، لذلك ولكل ما قدم فريد فى مشواره مع الفن.. رشحته اللجنة الموسيقية العليا المصرية لنيل جائزة الدولة التقديرية فى الفنون عن عام 1974 وقبل شهور قليلة من وفاته، وكان من حيثيات ترشيح اللجنة له: "أنه أول من أدخل فن الأوبريت إلى السينما المصرية، ولأنه حافظ على الطابع العربى ولم يحد قيد شعره عن المشاعر العربية الأصيلة.. ولم يغن لمصر فقط أو للبنان أو لسوريا، لكنه غنى للعرب حيثما كانوا وانى للإنسان الذى استمع وفهم وتذوق نتاج عاطفته الصادقة وروحه المتدفقة وإحساسه المرهف وإنسانيته الفياضة، إن اللجنة الموسيقية العليا رشحت فريد الأطرش لنيل الجائرة لادراكها الكامل لمكانته الفنية العليا"، لكن هيئة الجائزة ـ التى تعبر اختياراتها بالطبع عن حيثيات أخرى ـ لم تأخذ بترشيح اللجنة الموسيقية العليا وجموع أهل الفن، فذهبت الجائزة فى عام 1974 إلى فنان تشكيلى شاب، ولكن بعد أن رحل فريد الأطرش بشهور قليلة، فإن جائزة أكبر بكثير من جائزة الدولة التقديرية المصرية منحت إلى اسمه، كانت تلك الجائزة هى "ميدالية الخلود" التى أهدتها الحكومة الفرنسية لأول مرة إلى موسيقى عربى هو فريد الأطرش، والتى نشرت بموجبها أعمال فريد الأطرش وسيرة حياته فى الموسوعات الفرنسية، وقبل هذه الجائزة وبعدها.. فإن ما أسعد فريد الأطرش فى حياته وخلد اسمه فى تاريخ الغناء المصري، هو حب الناس الكبير لفنه الصادق.<
المصــادر:
1 ـ أحمد شفيق أبو عوف: فريد الأطرش ـ الجزء الخامس من إصدارات اللجنة الموسيقية العليا ـ الناشر: محمد الأمين، القاهرة: 1976.
2 ـ كمال النجمي: فريد الأطرش.. هل كان مغنيا شرقيا؟ ـ فن ـ العدد (204) ـ ص (53 ـ 54) ـ 27/12/1993.
3 ـ سعد الدين توفيق: قصة السينما فى مصر ـكتاب الهلال ـ العدد (221) ـ دار الهلال ـ أغسطس 1969.
4 ـ بليغ حمدي: دفاع عن الضياع الحضارى ـ فصل من كتاب "فريد الأطرش بين الفن والحياة" ـ دار المعارف، 1975.
5 ـ أنطوان بارودي: فريد الأطرش تغنى بالموت ـ الشبكة ـ العدد (985) ـ ص (22ـ23) ـ 6/1/1975.
6 ـ سليم سحاب: حلقة "فريد الأطرش" من برنامج "أعلام الموسيقى والغناء" ـ القناة الثانية للتليفزيون المصرى ـ 28/12/1995.
7 ـ كمال النجمي: أصوات وألحان عربية ـ كتاب الهلال ـ العدد (209) ـ دار الهلال ـ أغسطس 1968.
8 ـ فوميل لبيب: مطرب الحب.. مات بالقلب ـ المصور ـ العدد (2621) ـ ص (49 ـ 51) ـ 3/1/1975.
كــــان النصف الأول من عقد الثلاثينيات هو زمن الكفاح الصعب فى مشوار فريد الأطرش.. الكفاح الذى فتــح له
الطريق بعد ذلك ليتبوأ مكانه عند قمة الغناء، فبالإضافة إلى دراسته المنتظمة فى المدرسة البطريركية وغنائه
فى المحطات الأهلية.. فقد كان يعمل بالعزف على العود والغناء مع المنشدين (الكورس) فى صالة بديعة مصابنى
فــى حـيـــــــــــــــاة الــعــــــــــــــــرب
جــــــاء نجــــــاح "انتصــــــــار الشـــــــباب"
كاســـــــحًا وناســــــــــخًا لكل ما تقــــــــدمه من نجـــــــــاح
لقيه أى فيلم غنائى قبله، فقد استمر عرضه الأول سبعة أسابيع كاملة العدد فى حفلات اليـــــــــوم الأربعـــة، آنـذاك.. كان الفيـــــــــلم الناجـــح
يسـتمر عرضـه لثـلاثة أو أربعـة أســابيع
اعتمد فريد الأطرش على الأفلام الغنائية والاستعراضية
كوسيلة اتصال مباشر بجمهوره المتنامى وكأداة للتجديد والتجريب فى الموسيقى
والغناء، فبالإضافة إلى الاستعراضات والأوبريتات التى ازدانت بها هذه الأفلام.. جاءت
محــاولاته لتحـــديث الأغنيــة العـــربية ـ بإدخـــال الإيقاعــات الغربيــة والتى
بدأها فى الثلاثينيات من خلال بعض أغنياته الإذاعية

SHARE

Author: verified_user

0 facebook: