الثلاثاء، 2 سبتمبر 2014

فرح دهني: نعم...أعرف الله!

SHARE

جماعةٌ من المُلثَّمين اعترضوا سيري، وأنا في طريقي إلى "قصر النغم"،ليلةَ العيد...ثمّ همسوا في أذني "عيد ميلاد سعييييد"... 
وقبلَ أن أشعرَ بحرارة أنفاسِهم على جبهتي، ألبَسوا رأسي كيسًا أسودَ...وألقوا بي عنوةً، وأنا مكبّلةُ اليدين، في عربةِ نقلٍ طاعنةٍ في السّنّ...ثمّ انطلقوا مع صوتِ محرِّكِها ،في سباقٍ مع الضوء ، إلى دولتهم...

بدايةً، لم أُعِر انتباهي إلى هلَعي ، الذي تعب من القفزِ والتلويحِ لي بالهرب، بقدر ما أعرتُه إلى اشمئزازي من رائحة الكيس في رأسي ،حيث تشمُّ فيه رائحةَ أنفاسِ كثيرين غيرك...أناس ٌ كانت رؤوسُهم منطلقةً إلى الحياة ... فأتاها الكيسُ العَفِنُ على غفلة!

قطرةٌ... اثنتان... ثلاث... قطراتُ الماءِ التي تُشعرُكَ بحركةِ هروبها وهي تقفز خلسةً من سقفِ الغرفة، ورائحة الرطوبة التي تستقبلها عند سقوطها أرضاً ،كانت كفيلةً لإيقاظي من غيبوبتي... وليتَها طالت تلك الغيبوبة!

جعلوا عينييَّ الحالمتَين معصوبتَين بإحكامٍ لئلاّ يهربَ منهما حُلمٌ بالعودة!...يداي الناعمتان زُجَّتا وراء قضبان الكرسي الخشن الذي أقعد عليه ...أما قدمايَ فكان الرّباط ثالثهما...
"يا هلا يا هلا بعازفتنا الرقيقة "... صوتٌ أرعبني... صدَحَ في أرجاء المكان مرحبًا بي... تَلَتهُ طقطقةُ نعلَين جالت حولي...
عرفتُه ...نعم عرفتُه... من رائحة الدّم الفائحة من ثيابه ... يا له من غبي!... حجب عينيَّ وأطلقَ سراحَ أنفي!...ألا يعرف أنَّ حواسَ الفنانِ مرهفةٌ،تكشفُ كُنهَ الأشياءِ بالاحساس بها لا رؤيتها؟!
اقتربَ منّي ... لفَّ حولي من جديد ... ثمّ أطلقَ للسانه العنان.. وبصوتٍ فيه من البراءة ما جعلني أتأسّف على الطّفل المقتول في داخله... سألني:
-هل تعشقين الموسيقى يا فرح ؟
بصوتٍ متهدِّجٍ أجبتُه: نعم !...أنتَ تعلم أنني عازفة كمان!
-أكملَ كلامَه قائلاً: آه... صحيح... ذكَّرتِني! أنتِ صاحبةُ الكمان الذي استأصَلنا أعضاءَه عضواً عضواً وقطَّعنا سُلَّمَه الموسيقيّ الذي ستنزلين به إلى جهنم إرباً إرباً، أما نوتاتُه السّبع، فأعدمناها...

...كلامُه الجارح استفزَّني... ما جعلني أصرخُ بحنجرةٍ مقهورةٍ :"وكيف عرفتَ أنّها سبعُ نوتاتٍ؟...يبدو أنّكَ متذوّقُ موسيقى أيضاً !
ما إن أنهيتُ عبارتي حتى خيّم صمتٌ على المكان !...ماذا جرى ؟!
قطراتُ الماء....طقطقةُ الكعبين....حشرجةُ الأنفاس...لا صوتَ يُسمَعُ لها!...وكأنّني ارتكبتُ جريمةً للتوّ!
وبعد ثوانٍ معدوداتٍ ...خرقَت هذا الهدوءَ الحذِر صفعةٌ من يده جعلتني أسقط أرضاً وأنزف دماً... وبصوتٍ خافتٍ علّقَ على كلامي:
-شعرُكِ العَطِرُ الذي يُفقدُني تركيزي سأُفقِدُكِ إيّاه إن لم تلزمي أدبَكِ ...ثمّ ارتفعت نبرتُه لترُجَّ المكان قائلاً:
-هل تعرفين "الله" يا فرح ؟
-أجبتُه والدم يتسلّل على خطوط جبهتي: أعرفُه... لا بل أشعرُ به دائماً...
في كل مقطوعةٍ أعزِفُها تُنشدُ الحبَّ... أراه
في كلّ كلمةِ حقٍّ أقولُها في وجه الباطل... أراه
في كلِّ فعلِ خيرٍ أقومُ به في الخفاء ... أراه
في صلواتِ روحي... وايماني بالله المحبة... أراه
في سلامي...في احترامي لحريةِ غيري....في فرحي ... أراه
أنا أراه وأشعر به في كل نَفَسٍ يخرجُ منّي.... لا مثلكم يا أوباش...يا أشباه الرّجال!
ما إن أنهيتُ كلامي حتى عاد الهدوءُ ليخيِّمَ مرّةً ثانية... لكن هذه المرّة لم تسلم الجرّة!

في اليوم التالي، وجدوا على عتبةِ منزلِنا صندوقاً كُتب عليه " إلى فرح "...
يبدو أنّ المُلثَّمين قد تأثّروا بكلامي وقرّروا معايدتي... فوضعوا رأسي، ملفوفاً بجريدة ، في صندوقٍ ...هديةً الى روحي... في عيد الموسيقى!

26\8\2014

SHARE

Author: verified_user

0 facebook: