بورتريه تونسيّ لمحمود درويش (على هامش مذكّرات رنا قبّاني)

12:34:00 م

منصف الوهايبي
 نقول عادة عن الكتب إنّ هناك كتبًا قراءتها واجب، وأخرى قراءتها متعة. وما نقوله عن الكتب يشمل كلّ الأجناس الأدبيّة والفنيّة، بل «الأدب الصحافي» على قلق هذه التسمية. في هذا السياق، أتابع «مذكّرات» رنا قبّاني، وهي تروي في «القدس العربي» جانبا من سيرتها مع محمود درويش.
وهي نصوص ممتع
ة، تنضوي إلى السيرة الذاتيّة، وتكشف عن ناحية في حياة الراحل الكبير، لم نكن نعرفها. ولا أظنّ أنّه، بميسور أيّ منّا، نحن الذين لم نكن نعرف درويش إلاّ في المناسبات العامّة، أن يدرك شتّى الأفكار المتغلّبة على هذه الشخصيّة الفذّة، وأن ينظر إليها من ناحية نفسها، ونوازعها الخاصّة وبواعثها الدخيلة؛ وهي لا شكّ في غاية التعقيد؛ فلا نملك إلاّ أن نقف على حدودها، دون أن نقدر على السير في مجاهلها. ولذلك تظلّ شخصيّة محمود درويش على «وضوحها» الشعري، محفوفة بغموض غير يسير. وما يُكتب عن سيرته، قد يكون من صنع كاتب أو كاتبة بارعة ماهرة تتنخّل وقائع بعينهاـ وهذا حقّهاـ وتنسّقها تنسيقا خاصّا؛ وهي توزّع ظلاّ هنا وضوءا هناك؛ عسى أن تحفظ للشخصيّة نوعا من الاتساق، وتظهر سير التفاعل بينهما (هو/ هي)، خاصّة أنّنا إزاء شخصيّة «غير عادية» استطاعت أن تجعل من نفسها «أيقونة» و»رمزا»، بالرغم من أنّ محمود يقول إنّه «لم يسعَ شخصيّا إلى ذلك، وإنّما هو الحظ الذي وفّر له هذه المكانة».
رأيت محمود أوّل ما رأيته عام 1977 في القيروان. وكانت السيّدة رنا بصحبته- على ما أذكرـ ولكنّها لم ترافقه في الأمسية التي أقامها ببهو دار الثقافة، وشاركته فيها أنا ومحمّد الغزّي وبشير القهواجي. ولا أزال أستظهر حتى اليوم مقاطع من مرثيته في راشد حسين.
وقد أدركت يومها أنّني بحضرة شاعر استثنائي. ومع أنّي التقيته مرّات أخرى في تونس والمغرب والقاهرة وفلسطين»رام الله»، فلا أزال أذكره في لقاء بتونس عام 1991، قبيل اندلاع حرب الخليج الثانية بحوالي نصف شهر (غزو الكويت). كان مؤتمر الأدباء العرب منعقدا في تونس. صبيحة يومه الثاني، كنت أنا ومحمّد الغزي واقفين في بهو فندق الشرق، عندما رأينا محمود درويش يدلف في صمت، ويلقي نظرة عامة على المكان. وإذ رآنا تقدّم إلينا، صافحنا ثمّ توسّطنا وهمس: «هل تقبلان أن تتغذّيا مع أبو عمّار؟» ودونما تردّد، وربّما في دهشة المباغتة؛ قلت» أجل.. يسعدنا ذلك كثيرا». كانت هناك سيّارة. ركب محمود إلى جانب السائق وهو يقول: «سنتغذّى في بيت حكم بلعاوي في قمّرت (ضاحية بتونس).. وهناك آخرون.. ربّما سبقونا». تجاذبنا طوال الرحلة القصيرة أحاديث عامّة حول الشعر. حدّثناه عن قصيدتة المنشورة وقتها «الهدهد»، وعلّقنا على أدائها الصوفي، وشاركناه الرأي في أنّها ليست قصيدة صوفيّة. والتفت إليّ- وقد أدركت أنّه لا يحبّ أن يكون محور الحديث- وأخذ يثني على رسالتي الجامعيّة عن أدونيس، ويعلّق على بعض ما جاء فيها. ولم أسأله عن كيفيّة حصوله عليها، فقد حدست أنّه استلمها من الشاعر والمترجم العراقي كاظم جهاد، في باريس.
كان هناك كتّاب وشعراء معروفون: سهيل إدريس وفخري صالح وأحمد دحبور ويحيى يخلف وغسّان زقطان… بقينا بانتظار أبوعمّار أكثر من ثلاث ساعات؛ ولا حديث إلاّ عن الحرب المحتملة بين أمريكا والعراق، تتخلّله من حين إلى آخر نادرة من هنا أو هناك؛ وكان أكثرها يجري على لسان محمود. وهذه ناحية في شخصيّته، قد لا تكون معروفة لدى كثير من قرّائه. وقد تعزّزت عندي، في لقاءات أخرى؛ وأدركت أنّ درويش صاحب سخرية لاذعة لطيفة، ومقدرة فائقة على إدارة الحديث بذكاء وفراسة لافتيْن. وهو ما جعلني أكلّف أحد طلبتي بإعداد رسالة ماجستير عن «شعريّة السخرية في شعر محمود درويش». والحقّ أنّ الانطباع الأوّل الذي حصل عندي، عندما التقيته أوّل مرّة بالقيروان عام 1977، كان خاطئا؛ فقد ذهب في ظنّي أنّ شخصيّته مزيج من صمت وحدّة طبع وحزن، وربّما شيء من الزهو. ثمّ أدركت أنّ في شخصيّته أكثر من ناحية انسانيّة ملحوظة كالألفة والأنس والانشراح، تشعّ من عينيه ونظراته النافذة؛ كلّما اطمأنّ إلى جليسه. بل هو يتقبّل حتّى المزاح الذي لا يخلو من غمز لطيف. خريف 2000 في رام الله، كان الشاعرالمتوكّل طه، يمازحه بجرأة؛ حتّى أخجل الشاعرة المغربيّة وفاء العمراني. كان محمود يسترسل لمزاح محدّثه، حتّى يهتدي إلى الخيط الذي يلفّه بيسر وخفّة، على لسان هذا أو ذاك من أصدقائه الذين يذهبون أحيانا، في المزاح بعيدا؛ فإذا هو في الظلّ، والآخر في الضوء، تتعاوره الألسنة من هنا وهناك. في ذلك اليوم من شتاء1991، ونحن بانتظار أبو عمّار، علّق محمود على هيئة مسؤول فلسطينيّ، كان يرتدي بدلة داكنة، ويضع ربطة عنق أشبه بربطة لفت ذاوية، يتنخّل عباراته وحركاته وكأنّه يقيسها بالفرجار: «هذا من أثر الزواج.. يبدو أنّ الزواج يضفي على المرء قالبا خاصّا.. حتّى على الزوجة وهي تقطّع البصل..» وأضاف وكأنّه يتوقّع سؤالا: «الحمد لله أنّني أدركت ذلك باكرا؛ فلم أتزوّج إلاّ أشهرا قليلة.. الزوجة الشاعرة قنبلة موقوتة في البيت». تحيّة لرنا قبّاني درويش وهي تسلّط الضوء على تفاصيل في حياة محمود؛ كانت لولاها ستغيض في العتمة شأنَ الظلّ يرسم تقاليب الضّوء، ولا يستقر ّعلى حال، ولا يلبث البتّة في نفس المكان، وإنّما هو في تحوّل أبدا، بل يغيض كلّما غابت الشّمس وهبط اللّيل. كذلك الشّعر، والشعراء الاستثنائيّون مفاهيم للشعر. والمفهوم يغيض أحيانا كثيرة في عتمة القصائد. لكن هل مفهوم الشّعر غير صيرورة الشّعر وهو يقول نفسه.
كاتب تونسي


شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا