«الأشقياء» في سهل البقاع اللبناني/ حالة ملحم قاسم

9:31:00 م

جامعي فلسطيني، استاذ التاريخ الاسلامي والدراسات العربية في الجامعة الاميركية في بيروت. من مؤلفاته “الانجيل برواية المسلمين”، وترجمته القرآن الى اللغة الانكليزية.
جامعية من لبنان. تدرّس الانتروبلوجيا في الجامعة الأميركية في القاهرة.

مقدمة
في المنطقة الممتدة بين زحلة وبعلبك لا تزال الاساطير تُحكى عن «الشقي» ملحم قاسم منذ ما يقارب الخمسين عاماً. هذه الاساطير، بالمقارنة مع غيرها، لا تزال حديثة العهد وطريّة العود، الامر الذي يتيح الفرصة للمؤرخين ولعلماء الانثروبولوجيا ان يدرسوا عن كثب كيف تنشأ هذه الاساطير وكيف وماذا يحل بها حين تتخثر وتتجمد لتصبح مأثوراً شعبياً. وفي هذا المقال المنعقد لدراسة ظاهرة ملحم قاسم سوف نسعى ايضاً الى استكشاف ما تستهدفه هذه الاساطير وما ترمي اليه حين تنتشر في بلد لا يزال يعاني من ويلات حرب استمرت لاكثر من خمسة عشر عاماً. ونسعى كذلك ان نلفت انتباه الباحثين الى موضوع لم ينل حتى اليوم ما يستحقه من اهتمام، اذ نرى ان دراسة ظاهرة «الاشقياء» تفتح آفاقاً جديدة للبحث في المخيلات الريفية الشعبية، كما وفي موضوع الهوية وتشعباتها. إن «الاشقياء» مادة دسمة للعجائب والغرائب، فلنستحضر الى الذهن مثلاً المغامرات التي تُحكى عن سلفاتوري جوليانو في صقلية، او عن نيد كيلي في استراليا، او فولان ديفي في الهند، او بانشو فيللا في المكسيك. ويبدو هؤلاء الاشقياء وكأنهم شخصيات تعلو فوق التاريخ، تكللها هالة من الرومانسية التي تستحوذ على الخيال. فهي شخصيات سينمائية بامتياز اذ تطالعنا وكأنها على شاشةٍ ما، حاضرة وغائبة في آن معاً، وهي محفورة في الذاكرة الشعبية. تلك الذاكرة التي تتناقل رواياتها وتضخمها من جيل الى جيل فتزيدها ثراءً على مر السنين. إذ إنّ الرعب الذي كانت تثيره تلك الشخصيات في الماضي قد تحول الى ما يشبه الفخر والاعتزاز بإنجازاتهم، أما افعالهم التي كثيراً ما كانت غير بطولية في واقع الامر، فهي لا تكفي لتشويه سمعتهم.
قبل ان نلتفت الى ملحم قاسم يجدر بنا أن نستعرض ما قد كٌتب من ابحاث حول هذا الموضوع، اذ ثمة مذهبان رئيسيان في دراسة ظاهرة الاشقياء حول العالم. المذهب الاول هو المذهب او التحليل الاقتصادي الذي طرحه لاول مرة المؤرخ البريطاني المشهور اريك هوبزباوم، اما المذهب الثاني فهو المذهب او التحليل الذي قد نسميه المذهب الاسطوري.

الشقاوة: النظرية الاقتصادية
كان هوبزباوم اول من لفت الانتباه الى اللغز السوسيولوجي الكامن في ظاهرة الشقي/البطل، ذاك اللغز الذي اضحى لاحقاً عنصراً اساسياً في الابحاث التاريخية حول الاشقياء. يطرح هوبزباوم تفسيراً للصورة الايجابية التي يحظى بها الاشقياء في مجتمعاتهم، وذلك استناداً الى التحليل الطبقي الماركسي. فهو يستنبط مقولة «الشقي الاجتماعي» لتأويل ظاهرة الشقي/البطل، وهذا يعني ان «الشقاوة الاجتماعية» هي ظاهرة مبكرة زمنياً من ظواهر التمرد البروليتاري على استغلال الطبقات الحاكمة. ورغم ان هؤلاء الاشقياء هم من المجرمين في اعين النُخب إلا انهم يحظون بالاحترام والاعجاب في اعين الطبقات الفلاحية المضطهدة التي ينتمون اليها. لذا فإن «الشقاوة الاجتماعية»، وعلى العكس من اللصوصية او من قطّاع الطرق، تتميز، كما يقول هوبزباوم، بوجود علاقة دعم وتشجيع ما بين الفلاحين والاشقياء. وهذه العروة الاجتماعية الوثقى والمميزة التي تربط الاشقياء بالفلاحين قد تزرع لاحقاً بذورَ صراعٍ فلّاحي اكثر شمولاً وعنفاً ضد اضطهاد الطبقات المسيطرة. ويمضي هوبزباوم ليحدد ثلاثة انماط من الاشقياء الاجتماعيين فيرى أنّ القاسم المشترك فيما بينها هو الرابط بالفلاحين، فيما أنّ اللص العادي يتحرك في عالم مستتر لا يربطه فيه اي رابط مع النُظم الاجتماعية للمجتمع الفلاحي (هوبزباوم ١٩٦٩/٢٠٠٠: ٢٠).
فهناك اولاً «اللص النبيل» الذي يصحح الظلم من خلال سلب اموال الاثرياء وتوزيعها على الفقراء والمحتاجين (هوبزباوم ٩٦٩/٢٠٠٠ ١: ٤٧). وهناك ثانياً «المنتقم» الذي يصبح بطلاً بسبب الخشية من انتقامه الوحشي وما قد يجرّه ذلك من ويلات. فالمنتقم لا يصحح ظلماً بالضرورة لكنه، ومن خلال ابراز سطوته، يبرهن ان الفقراء والمضطهدين قادرون على الإتيان بأفعال مخيفة (هوبزباوم ١٩٦٩/٢٠٠٠: ٦٣- ٦٤). وهناك ثالثاً «المقاوم المسلح» الذي يسميه هوبزباوم «هايدوك» والذي يقاوم السلطة المركزية بشكل مباشر (هوبزباوم ٢٠٠٠/١٩٦٩: ٢٣). فالمقاوم يُستدرج الى ان يصبح خارج القانون، وذلك ليس بسبب تعرضه لظلمٍ ما، ولا بسبب ايديولوجيته او شعوره الطبقي، بل بسبب الضرورة. فبالنظر الى انعدام الأمن في حياة الفلاحين، تبدو حياة الرجل الخارج على القانون وكأنها بديل اكثر جاذبية من الحياة المعتادة. (هوبزباوم ٢٠٠٠/١٩٦٩: ٧٩). وبالرغم من ان الحوافز والدوافع من وراء افعال هؤلاء المقاومين ليست سياسية، غير ان افعالهم، وبصفتها افعالاً جماعية، كما ولكونها في وظيفتها الاجتماعية تناهض الطبقات الحاكمة، تجعل من مقاومتهم حركة شبه سياسية توفّر العون والفائدة للطبقات المضطهدة (هوبزباوم ١٩٦٩/٢٠٠٠: ٨١).
من هنا فان نظرية هوبزباوم تستند الى التحليل الطبقي الماركسي. «فالشقي الاجتماعي» شخصية محبوبة لانها تنتمي الى الطبقات المسحوقة لكنها ترفض الخنوع والاستسلام للطغيان والاستبداد.

النظرية الاسطورية
يطرح معارضو هوبزباوم نقداً جوهرياً لمقولاته حول الشقي الاجتماعي. ويسعون الى ذلك من خلال استخدام ادوات المعرفة السوسيولوجية والتاريخية معاً. فهم يرون أن السجل التاريخي لا يقيم الدليل على مزاعم هوبزباوم حول الروابط بين الفلاحين والاشقياء والتي تستند اليها نظرية الشقي الاجتماعي. لكنهم، وبعد رفضهم لنظرية هوبزباوم هذه، لا يطرحون تفسيراً بديلاً للغز الكامن في ظاهرة الشقي. وعوضاً عن ذلك، فهم يرون أن صورة الشقي/البطل ما هي إلا نتاج مخيلة القُصّاص والشعراء الشعبيين (بيلاي ١٩٧٩؛ سلتا ١٩٨٧ أ و ب ؛ بلوك ١٩٧٢، ٢٠٠١). وبحسب نظريتهم الاسطورية فإن الشخصيات التي تتداولها الاغاني والاساطير الشعبية ترسم صورةً خيالية ومثالية للشقي. وكما يقول احدهم: «ان قوة وتأثير الاسطورة والخيال اشد وقعاً بكثير من الحقيقة الاجتماعية التاريخية» (سلتا ١٩٨٧أ: ٨). فالشقي الاسطوري يتواطأ مع الشعب كي يحارب سيطرة النُخب، لكن مثل هذا الشقي لم يكن له أي وجود في حقيقة الامر. من هنا فإن هؤلاء النقّاد يرون أن «الشقي الاجتماعي» كما طرحه ووصفه هوبزباوم ما هو إلا «نسيج خيالٍ وأنموذج منمّط من أنماط المخيلة البشرية» (بلوك ١٩٧٢: ٥٠٠). ويقول كاسيا، وهو احد هؤلاء النقاد، ما يلي (كاسيا ٢٠٠٦: ٢٢٠): هؤلاء الاشقياء النبلاء، ابطال الانتقام والشرف بل وما يشبه القداسة، هم على هامش المجتمع، ويجري الحديث عنهم دوماً وكأنهم على أفق الماضي أو كأنهم بقايا من عالم الحنين الذي فقدناه الى الابد. فكلما اقتربنا منه ازداد عنا بُعداً. وعلى العكس، ثمة «اشقياء معاصرون» منخرطون في اعمال إجرامية كمثل فرض الخوّات أو اللصوصية العادية او القتل... «فالشقاوة الاصيلة» تبدو على الدوام وكأنها تنتمي الى الماضي وليس الى الحاضر.



هذه النظرية الاسطورية تبدو جديرةً بالتصديق لأسباب عدة. اولاً، إن قصة «روبن هود» تتلاءم وتتماشى مع بعض الانماط الاخلاقية الشائعة. لذا يبدو من الممكن أن يلجأ القصّاص الى استخدام المادة التاريخية الخام لأشقياء حقيقيين من لحم ودم، فيصوغون تلك المادة على شاكلة صورةٍ لما كنا نتمنى أن يفعله هؤلاء الاشقياء. ثانياً، إن الشقي شخصية مثيرة للاهتمام ولها حضور طاغ، لذا فهي تصلح كمادةٍ طبيعية للأسطورة. ثالثاً، يخرق الأشقياء التقاليد والعادات الاجتماعية ليحتلّوا مكاناً خارج الدائرة الاجتماعية لأفراد المجتمع، فينتجوا تبعاً لذلك نمطاً حضارياً اجتماعياً دونياً وفريداً. رابعاً، حياة هؤلاء الأشقياء تمتاز بتفاعلها الكثيف مع السلطات كما ومع الذين يسلبون أموالهم. والناس شغوفون باستحضار مغامرات أبطال خياليين كي يهربوا من حياتهم اليومية الرتيبة. لذا، ولأنّ الشقي/البطل يوفّر قصصاً مسلّية تخاطب تطلعاتنا الاخلاقية، فهذا بدون شك أحد الاسباب التي تمنح الشقيّ مكانته الاجتماعية المرموقة.

بعض الملاحظات حول هاتين النظريتين
في ما يختص بنظرية الاسطورة، نرى من السابق لأوانه أن نستنتج أن قصص الأشقياء ما هي إلا قصص مفبركة في فترة زمنية لاحقة وتهدف الى التسلية، وأنها لا تفيد شيئاً يُذكر حول مزيّة تلك القصص. فلو كانت «الشقاوة» لا توفر أية مزيّة أو قيمة تذكر للمجتمع، من الصعب أن نتخيل أن العنف الذي مارسه هؤلاء قد جرى التغاضي عنه أو نسيانه لمجرد كون الأشقياء جديرين بالاهتمام. وبكلام آخر، فإن المجرم المضطرب عقلياً، وعلى سبيل المثال، يستجلب صورةً ما في المخيلة الشعبية لكنه لا يصبح بطلاً في الأغاني الشعبية ولا يحظى بالحمد والاعتزاز من جانب الناس. وكما قال هوبزباوم، فإن من غير المحتمل والمرجّح أن تستمر تلك النظرة الايجابية للشقاوة عبر الزمن لو لم تواكبها بعض المظاهر والسيمات الايجابية.
إن المقاربة الماركسية التي طرحها هوبزباوم، وكذلك المقاربة الاسطورية التي طرحها نقّاد مقاربته جديرتان بالاعتبار. فالتحليل الذي أجراه هوبزباوم للروابط التي تربط الاشقياء بالطبقات المسحوقة يؤكّد أهمية البحث التاريخي لاستكشاف تأثير بنية السلطة على العلاقات بين أفراد الطبقات الاجتماعية المختلفة. أما معارضو هوبزباوم فقد ذهبوا وبحق الى أن ثمّة اختلافات جوهرية بين الأساطير التي تُحكى عن هؤلاء الأشقياء الأبطال وبين ما كانوا عليه في الحقيقة والتاريخ (فندرود ١٩٨٩؛ سلتا ١٩٨٧ أ: ٣، ٨؛ درايسن ١٩٨٣؛ هارت ١٩٨٧). إذ إنّ الأشقياء في الحقيقة كانوا أشخاصاً انتهازيين يمارسون العنف ويسلبون الاغنياء المستغلِّين بقدر ما يسلبون الفقراء المستضَعفين. لذا، ليس من الجليّ الواضح كيف يمكن لهؤلاء أن يكونوا قد أفادوا مجتمعاتهم. وهذا الأمر يفسح المجال لمقاربة اقتصادية المنحى لظاهرة الشقاوة بغية إلقاء المزيد من الضوء على ظاهرة الشقي البطل، وذلك بتحديد الآليات التي يوفّر الأشقياء من خلالها الفوائد الاجتماعية لمحيطهم.
إن التحليل الاقتصادي للشقاوة يتطلب اعتبار التأثيرات الإيجابية لهذه الظاهرة على كل فردٍ من أفراد المجتمع. أي الضحية المجرم والغريب عن الجماعة معاً. وهذا التحليل ينحصر بتحليل إيجابي لأفعال الأفراد. ونحن نشارك هوبزباوم الرأي أن الشقاوة لها وظيفة اجتماعية في ما يختص بالطبقات الاكثر عوزاً، وذلك من خلال تداخلها وتصادمها مع النُخب التي تستفيد من التوزيع القسري للثروة. غير أن التحليل الاقتصادي للكلفة والفائدة الاجتماعية للشقاوة لا ينطلق من الافتراض أن الأشقياء لهم مصلحة في جلب المنافع للآخرين كما في حالة «الشقي النبيل» عند هوبزباوم. وهذا التحليل لا يفترض كذلك وجود روابط واعية مُدرَكة بين جماعات معيّنة في المجتمع كتلك التي توجد مثلاً بين الفلاحين والأشقياء. ولا يفترض أيضاً أن ظاهرة الشقي/البطل توجد في الغالب في سياق النمط التَبَعي للإنتاج.
وفي هذه المقالة نرمي الى تحليل تكوّن الاسطورة في ما يختص بشقيّ من منطقة بعلبك ومن ثم نقترح في خلاصة البحث بعض التفسيرات الجديدة لظاهرة ملحم قاسم.

ملحم قاسم: مصادر لسيرة حياته
في صيف العام ١٩٨٩ وفيما كانت الحرب الدائرة في لبنان تقترب من نهايتها من خلال جولة أخيرة وعنيفة من القتال، وفي مدينة زحلة بالذات، جاء رجل ليركن سيارته في مكان لا يُسمح الركون فيه فإذا بشرطي للمرور يتقدم نحوه، ذاك الشرطي الذي كان وزملاؤه يجوبون الشوارع على امتداد أربعة عشر عاماً بلا أية سلطة تُذكر. وكان من الواضح أن الشرطي كان على معرفة مسبقة بمرتكب المخالفة، فتقدّم نحوه وصاح به بلهجة هزلية «من أنت يا ترى؟ هل أنت ملحم قاسم؟». كانت مدينة زحلة تمثّل، على الأرجح، الحدّ الجنوبي الذي انتشرت في أرجائه قصص ملحم قاسم فيما كان الحد الشمالي يصل الى سفوح سلسلة جبال لبنان الغربية ليطال بلدة قرطبا على المقلب الآخر للسلسلة.
في هذه الدراسة استخدمنا سبعة مصادر شفهية تتراوح بين امرأة عمرها تسعون عاماً وبين شاب في الثلاثين. ووضعنا لهذه المعلومات التي استقيناها التصميم الآتي: (١) سيرته المبكرة، (٢) أعماله «البطولية»، (٣) شخصيته وتصرفاته، (٤) السياق التاريخي، (٥) الأسطورة ووظائفها.
وجدنا بعض الغموض والتضارب في تصنيفه بين أجيال عشيرة آل المصري: هل هو جد النائب في البرلمان اللبناني شوكت المصري أم هو والد او جدّ النائب نايف المصري؟ أمّا اسمه الكامل كما يرد لدى مصادرنا الشفهية فهو ابو علي ملحم قاسم المصري. وجاء في أحد تلك المصادر أنه ولد في العام ١٨٧٠ وتوفي في العام ١٩٦٦. وقال لنا مصدران إنه ولد في قرية بريتال التي كانت قرية فقيرة يقطنها الرعاة وفقراء الفلاحين والتي اشتهر سكانها بالغزوات التي كانوا يشنّونها على البلدات المجاورة. ويبدو أن عائلته كانت فقيرة للغاية إذ لم يكن لديها كما قال أحدهم سوى «بضع غنمات وعنزات بالكاد يعتاشون منها». ويقال إن ملحم قاسم ارتكب أولى جرائمه، أو أولى معاركه ضد «الأتراك الظالمين» كما في رواية أخرى، في الثانية عشرة من عمره. ثم نصل الى تلك اللفظة المحورية التي تصف بداية حياة الأشقياء: «طفر، أو طفش، بالجرد»، والتي تعني أن الشقي هامَ على وجهه في البراري.
ما الذي دفع ملحم قاسم الى ذلك؟ ثمّة عدة روايات حول هذا الموضوع، كما أنّ تلك الروايات تحكي عدة طفرات في أعقاب العمليات التي قام بها.

أعماله «البطولية»
ثمة اولاً عمل «بطولي» قام به وهو ما زال في فترة مبكرة من حياته وكان يرعى غنم أبيه «الأحمر» فإذا به يختصم مع راعٍ آخر. وكان ملحم قاسم يحمل قربة ماء فضرب بها الراعي الآخر وأرداه. «هكذا بدأت حياته» كما قال أحد مصادرنا. ولنا أن نفترض أن هذه الحادثة هي التي سبّبت أولى طفراته الى الجرد.
وهناك رواية اخرى تسرد كيف أنه حارب الاتراك واكتسب احترامهم الى أن استدعاه جمال باشا (١٨٧٢- ١٩٢٢) الشهير بالسفاح، وكيف أنه دخل على جمال بلا وجل رغم أنه كان حينئذ قد قتل العديد من الأتراك. ولما هدّده جمال بقطع رأسه حمل ملحم قاسم كرسياً وطوّق جمال به. عندها اعترف جمال بشجاعته وأهداه سيفه، طالباً منه أن يلتحق بالجيش التركي كي يحارب الأشقياء. لكنّ ملحم رفض التخلي عن لباسه العربي وارتداء الزي العسكري التركي، بل على العكس من ذلك أضحى حامياً لكافة طفّار المنطقة، كما نجح في استصدار عدد كبير من الإعفاءات من الخدمة العسكرية لأبناء المنطقة، بما في ذلك لعدد كبير من مسيحيي مدينة زحلة.
ثمة رواية أخرى عن طفرة ثانية، وهي أنه كان لملحم قاسم ولد شاب كان ينوي تزويجه. وذهب هذا الشاب من مكان الى آخر لجمع الهدايا المعتادة في مثل تلك المناسبات وهي على شكل أضحية. وعند وصوله الى منازل عشيرة بلّوق، طالبهم الشاب بالهدية لكن العشيرة رفضت، فنشب قتال قُتل فيه ابن ملحم قاسم. هجم ملحم قاسم على عشيرة بلّوق وقتل احد شبابهم ثم فتح صدره واستخرج قلبه ومضغه مضغةً ثم لفظه. وهناك قصيدة «عتابا» طويلة صنّفها ملحم في تلك المناسبة، واستطاعت إحدى مصادرنا، وهي المرأة البالغة التسعين من العمر، أن ترويها لنا بسهولة تامة.
نأتي الآن الى أشهر مغامراته والتي تُروى بصيغتين اثنتين بينهما بعض التفاوت في التفاصيل. الرواية الأولى هي على الشكل التالي: بعد خروج الأتراك من البلاد العربية جاءت حكومة الانتداب الفرنسي وكانت مصممة على القبض عليه فارسلت قوة عسكرية قوامها جنود من السنغال الذين طوّقوا قريته ثم ألقوا القبض عليه، ونصبوه على بعد مئة متر ثم رفعوا بنادقهم لإطلاق النار عليه. وجاء جندي سنغالي ليوثقه الى عمود خشبي فعمد ملحم قاسم الى قضم أذن الجندي السنغالي الذي فر هارباً، كما فر ملحم قاسم الذي كان لا يزال مربوطاً بالعمود الخشبي. هذه الحادثه جرت على ما يُروى قرب نهر الليطاني. وصل ملحم قاسم الى ضفاف النهر وكان لا يجيد السباحة، فصاح بصوت عال «يا علي!» فوجد نفسه على الضفة الأخرى من النهر. وانتهى الأمر في ما بعد الى العفو عنه فعاد الى قريته.

وفي رواية أخرى...
أما الصيغة الأخرى من هذه الرواية فهي على الشكل الآتي. وقع ضابط فرنسي في حب شابة اسمها سيسيليا من قرية طليا المسيحية، فوعد الضابط عروسه أنه سوف يجزّ رقبة ملحم قاسم ليلة الزفاف. عمد الضابط الى إصدار عفو خادع عن ملحم وأبنائه الذين كانوا قد أصبحوا طفّاراً كوالدهم ودعاهم الى القدوم الى طليا لإتمام المصالحة مع الفرنسيين. رفض الأبناء الحضور الى طليا لعدم ثقتهم بالفرنسيين، لكنّ ملحم قاسم ذهب الى طليا برفقة أحد أتباعه الذي كان مسؤولاً عن تقديم القهوة لزوّار ملحم قاسم. ولدى وصوله الى طليا، أشبعه الضابط ضرباً وأخبره أنه سوف يجزّ رقبته على باب منزل سيسيليا، لكن هذه الأخيرة اعترضت راجيةً من الضابط أن ينفّذ وعيده في مكان آخر لأن عائلتها كما قالت لن تعرف الأمن من جانب سكان المنطقة إذا حصل الأمر أمام منزلها. وافق الضابط وأخذ ملحم مع التابع له وبصحبة خمسة وعشرين جندياً الى بيدر القرية بنيّة تنفيذ الإعدام.
أوثق الجنود يدي ملحم قاسم وقالوا لتابعه أن يهرب إذا استطاع. غير أنهم أطلقوا النار عليه أثناء هروبه وأردوه. طلب ملحم قاسم سيجارة من الجنود فتقدم نحوه ثلاثة لتلبية طلبه. دخّن ملحم نصف سيجارة ثم طلب من الجندي الذي قدّم له السيجارة أن يعود الى مكانه في صف إطلاق النار. كان ملحم قاسم يؤمن بالإمام علي، وقبل إطلاق النار عليه خاطب الإمام علي كما يلي: «ايها الإمام، اليوم يومك. إذا لم تنقذني من هؤلاء السفلة، فأنت لست الامام علي». ثم خطى خطوة فخطوتين وثلاثة واربع فأصبح على بعد ثلاثمئة متر من العسكر، لكنه تعثّر بشجيرة توت ووقع أرضاً وهو لا يزال موثوقاً. ولمّا تقدم الضابط ليخنقه تمكن ملحم قاسم من التقاط أذن الضابط وقضمها بالكامل، فصرخ هذا من الألم وولّى هارباً. وفي هذه الأثناء جرى اطلاق نار بين بعض العشائر البدوية المقيمة بالقرب من المكان، فظنّ الجنود الفرنسيون أنّ فصيلاً من المقاتلين جاءوا لنجدة ملحم قاسم فلاذوا هم أيضاً بالفرار. أمّا ملحم قاسم فقد تابع سيره حتى وصل الى منزل المركيز موسى دي فريج أحد ملّاك الأراضي المسيحيين المرموقين في المنطقة. فك المركيز وثاقه وأهداه بندقية وذخيرة وقال له: «يا ابا علي، انت أخي». ثم تابع ملحم قاسم رحلته حتى وصل الى قرية حور تعلا حيث كانت تجري مراسم تقبل التعازي لتابعه المقتول، ولم تكن الأنباء قد وصلت بعدُ أنّ ملحم قاسم كان لايزال حياً. تقبل ملحم التعازي ثم خاطب الحاضرين قائلاً: «إن الرصاصة التي من شأنها أن تقتلني لم تخترعها أية امّة من الامم بعد».
لاحقاً شنّ الفرنسيون غارات عدّة على حور تعلا، غير أن ملحم قاسم استطاع أن يصدّ تلك الهجمات على الدوام.
وهناك أيضاً قصة تُروى عن ملحم قاسم وأبناء عمومته، وكانوا على شاكلته من الأشداء. دعا ملحم قاسم رجلاً يدعى ابو قطريب إلى تناول الغذاء، كما دعا اليه ايضاً أبناء عمومته. وخلال الغداء بدأ ابو قطريب بإنشاد «عتابا» فقام أحد أبناء عمومة ملحم وأطلق النار على ابو قطريب وأرداه، فقام ملحم وفي إصبعه خاتم ولكم ابن عمه لكمةً شديدة أردته على الفور، ودارت على الأثر معركة قُتل فيها سبعة (او اربعة في رواية اخرى) من ابناء عمومته. والمغزى من هذه الحادثه حسب المصدر الذي روى القصة، هو ضرورة احترام الضيف.

شخصيته وسلوكه
وصف أحد مصادرنا شخصية ملحم قاسم كما يلي: «كانت عادته أن يخاطب الناس من فوق، كائناً من كانوا، حتى لو كان رئيساً للجمهورية. لم يكن يهاب أحداً ولم يكن يحترم اي مقام اجتماعي». وخالفه مصدر آخر إذ قال: «على العكس، كان يحترم الجميع». وقيل لنا إنه كان في حال دائم من العوز «فهو يجمع المليون وما يلبث أن يصرفه». وقد باع أملاكه الشاسعة بأكملها بسبب كرمه المستفيض. تزوج إحدى عشرة امرأة من عشائر شتى ولأسباب سياسية، كما أنه أسّس قرية حور تعلا التي كانت في ما سبق ديراً، فأطلق هو عليها اسم حور تعلا. وقيل لنا إن جميع أراضي قريتي حور تعلا وسرعين كانت ملكاً له لكنه وهبها كلها فقد كان «حاتم طي الثاني».
وتصفه بعض المصادر بأنه كان محباً لوطنه لبنان وانه لم يسرق أحداً ولم يستغلّ أحداً قط، ولم يقتل احداً عن سابق تصور وتصميم، ولم يعتدِ على أحد، فهو كما قيل لنا «كان يأخذ من الغني ويهب الفقير. أرجو الانتباه! كان يأخذ من الغني لكنه لم يسلبه. كان يتلقّى الهدايا من وجهاء المنطقة ويوزعها على الفقراء. وقيل لنا «إنه لو أراد حقاً أن يجمع الثروة لنفسه لكان اليوم يملك جميع أراضي منطقة بعلبك، غير أنه كان زاهداً». ويوصف بأنه كان رجلاً جميلاً وخالياً من أية عاهة جسدية.
وكان على ما يبدو يتصل بالنسب بعشيرة الشمّاط السورية. ففي صيغة أخرى لقصتّه مع جمال باشا أعلاه، جاءه في أحد الايام رجل من آل الشماط طالباً حمايته لأن جمال باشا كان قد أصدر حكماً بإعدامه، فقيل لذاك الرجل: «لا سبيل الى خلاصك سوى اللجوء الى ملحم قاسم». أعطاه ملحم قاسم الأمان واصطحبه لمقابلة جمال باشا. ولدى وصولهما انحنى الرجل وركض لتقبيل يد جمال باشا، فعاجله ملحم قاسم برفسة شديدة في قفاه قائلاً: «أنت هنا معي ولا يجدر بك أن تقبّل يد أي إنسان». تبسّم جمال باشا وربّت كتفه وقال له «إبق معي». وقال لنا مصدر آخر: «كان ملحم قاسم السلف والبادر للثوار السياسيين في منطقة البقاع كامثال توفيق بك هولو، وعشيرة عكاش، وفياض شهاب، وعباس ياغي وآل اسماعيل».
وثمة ناحية هامة أخرى من نواحي شخصيته هي علاقاته مع المسيحيين والتي وصفها أحد مصادرنا كما يلي: «كان المسيحيون يؤمنون به وقالوا إنه كان يحمل على زنده علامة الصليب التي منحته المنعة والحماية. وكان هو من أتباع الإمام علي ومريم العذراء، كما أنه عمّد جميع أبنائه في كنيسة طليا». وكان مُحصّناً ضد الرصاص «فقد كان الرصاص ينهال عليه فيعمد الى نفضه عن عباءته».
لكن أحد مصادرنا رسم صورة أقلّ إعجاباً بكثير بأعماله وشخصيته إذ وصفه بأنه «لص ومحتال». فقد كان يسطو مع أبنائه وأتباعه على مخازن الجيش الفرنسي في بلدة رياق فيسرق المؤن العسكرية ويدّعي أنه مناضل من أجل الحرية. وكانت عصابته يمتلكها الزهو والفرح حين تنجح في سرقة الذخيرة، وخصوصاً سرقة السكّر الذي كان على شكل الكوز والذي كان نادر الوجود في المنطقة، وكانت العصابة تبيع تلك المسروقات في مدينة بعلبك.
وهذا المصدر ذاته روى قصة عن ملحم قاسم وكاهن مسيحي كما يلي: «كان ملحم قاسم والكاهن في رحلة معاً من رأس بعلبك الى بعلبك، فقال ملحم للكاهن: قل لي، كيف هي قسمة الجنة؟ فأجابه الكاهن: ١٢ قيراط للموارنة و١٢ قيراط لكافة الطوائف الدينية الاخرى. اما الشيعة فلهم قيراطان فحسب. عندها سأله ملحم قاسم اذا كان بإمكانه أن يشتري لنفسه فقط أحد قيراطي الشيعة، فأجابه الكاهن: نعم، هذا أمر ممكن والقيراط ثمنه ليرتان ذهبيتان. ولدى وصولهما الى بعلبك قال ملحم قاسم للكاهن: بما ان الشيعة جميعهم وهم على ما هم عليه من الكثرة لا يملكون سوى قيراطين، فإني أرغب أن ابيعك حصة الشيعة بالكامل في الجنة والثمن هو الذي حددته أنت، اي ليرتان ذهبيتان للقيراط». ثم أرغم الكاهن على دفع أربعة ليرات ذهبية. ومنذ ذلك اليوم يقول الناس إنّ لا مكان في الجنة للشيعة لأن ملحم قاسم قد باع حصتهم للموارنة.

خلفية تاريخية
يبدو أن الفترة الانتقالية بين العهدين التركي والفرنسي كانت غنية بـ«الأشقياء» فنجد فيها عدداً من الاشقياء المشهورين في جبل لبنان كما وفي الجنوب اللبناني. لم نجد الكثير من المعلومات عن ملحم قاسم في الوثائق الرسمية أو الصحافة أو المذكرات. ثمة صورة سريعة له في مذكرات رستم حيدر السياسية الفائقة الأهمية (حيدر ١٩٨٨: ١٢١) والذي كان ابن البقاع ووجيهاً مرموقاً وقائدآً قومياً بارزاً ومقرباً من الامير فيصل، وكان في أواخر أيامه وزيراً كبير الأهمية للمال في العراق. ولدى وصفه لأيام فيصل المبكرة في سورية وتحديداً في أواخر العام ١٩١٨، يدوّن رستم في مذكراته «عتابا» أنشدها ملحم قاسم ويضيف: «ثم مدح البعض وأخذ ثلاث مجيديات وذهب». والتحقير هنا واضح، فرستم وأمثاله لم يكنّوا الكثير من الاحترام لملحم قاسم وأمثاله إذ كانوا في أحسن الأحوال ذوي طرافة لكنهم في أسوأ الأحوال مصدر إزعاج للنضال الوطني.
وهناك ايضاً صورة له في الصحف يقف أسيراً الى جانب جندي سنغالي تبدو أُذُناه سالمتين. لكننا لم نلتفت كثيراً في دراستنا هذه للسياق التاريخي إذ انصبّ اهتمامنا على الأسطورة ووظائفها، وهو الموضوع الذي نتجه إليه الآن.

الاسطورة ووظائفها
يبدو مما تقدم أنّ أسطورة ملحم قاسم تتماشى بشكلها العام مع النموذج والوظائف التي اقترحها هوبزباوم، أي استعادة الريف لرجوليته. وفي الوقت ذاته توحي اسطورة ملحم قاسم وبطولاته بوظيفة تتخطى التاريخ. وفي ما يختص بملحم قاسم بالذات، يجدر بنا أن نتساءل عن المدى الذي ساهمت به الحرب الأهلية اللبنانية في إحياء الأسطورة وإضفاء مغزى جديدٍ عليها، وكذلك نستخلص ما إذا كانت هذه الأسطورة بالذات تضيف بعض الإضافات الى النموذجين الهوبزباومي والاسطوري أو تعدّلهما، كما وردا أعلاه.

في ما يختص بالحرب اللبنانية، تجدر الإشارة الى أن منطقة البقاع الأوسط والشمالي، باستثناء مدينة زحلة، لم تعانِ نسبياً من ويلات الحرب ما عانته المناطق الأخرى من البلاد. فقد كان للدولة شبه وجود فيها، كما في قصة شرطي السير في زحلة أعلاه، وكذلك أيضاً بسبب الوجود العسكري السوري. وفي واقع الأمر كانت هذه المنطقة هادئة نسبياً وملجأً لبعض الناس الذين فرّوا إليها هرباً من الحرب في بيروت وغيرها من المدن. لكن ولكونها شبه دولة، كانت أيضاً مجالاً واسعاً للهزل والاستخفاف بالسلطة. وكنا حين نستمع الى مصادرنا يتملكنا شعور قوي بأن أولى وظائف هذه الأسطورة ما قد نسميه «الشقي المهرّج» الذي يهزأ من السلطة ومن الدولة عامة من خلال مغامراته وتملّصه من سلطانها واستبدادها. أما الوظيفة الثانية والتي تبرز بوضوح في بعض القصص فهي وظيفة ملحم قاسم كالشقي الذي يعالج ويداوي الانقسامات الطائفية الدينية، فهو صديق مخلص للمسيحيين في منطقته، وهو من أتباع الإمام علي ومريم العذراء معاً وكأنه زواج تم في الجنة. والوظيفة الثالثة والتي تتعلق بالحرب أيضاً، هي وظيفة «الرجل الاخض» أو «الخُضر» الذي يظهر ثم يختفي بطريقة عجائبية فيثأر للظلم وينشر الازدهار ويساهم في تخفيف المظالم الاقتصادية والاجتماعية في مجتمعه. وهنا يبدو الشقي وكأنه وليّ من الأولياء من ذوي الكرامات. أما الوظيفة الرابعة فهي ليست استعادة الرجولة للريف بقدر ما هي التأكيد في زمن الحرب على رجولة أهل المنطقة والتي لم تكن بارزة في الحرب الدائرة من حولهم. من هنا فإن الأسطورة قد تفيد نوع من أنواع التحذير للأعداء المحتملين، بما معناه أننا نحن ايضاً، كما كان ملحم قاسم، قادرون على ارتكاب العنف عند الضرورة. وهنا يبدو الشقي وكأنه مُذكّر أو نذير: لا تقتربوا من منطقتنا أيها الأعداء. والوظيفة الأخيرة هي محبة لبنان والتي تشمل التوق الى الحفاظ على وحدة أراضيه في بلدٍ مهددٍ بالانشطار.

عن مجلة بدايات
http://bidayatmag.com/node/177

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا