محمد حجيري... عن بريجيت

8:11:00 ص
"ربما لم تغير بريجيت باردو شيئاً في هذا العالم غير أنها غيّرت نظرتنا إليه..."، كتب أحد الصحافيين الفرنسيين في مقالة له إلى جانب تحقيق حول النجمة الفرنسية التي تحتفل هذا الشهر بعيد ميلادها الثمانين. وكانت حياتها أشبه بألوان مختلفة وطبقات متناقضة، ربما أكثر ما يعني الجمهور منها فترة كانت فيها الأكثر جمالاً، تفوّقت خلالها على نجمات السينما الفرنسيات من اللواتي اشتهرن في عصرها.

عاشت باردو حياةً مليئةً بالإثارة، وفجأة قررت وفي أوج حضورها الجمالي والسينمائي، وهي بعد لم تتجاوز الأربعين (عمر موت الفنانين عادة)، وضعَ حدٍّ لحياة الشهرة. ومنذ العام 1973، عزلت نفسها في المزرعة التي أسستها للحيوانات، أحاطت نفسها بأعداد لا تعدّ ولا تحصى من الكلاب والقطط والقردة والحيتان والثيران فضلاً عن الذئاب... انتقلت من نجمة سينمائية إلى مهووسة وناشطة في جمعيات الرفق بالحيوان، ولاحقاً غرقت في التصريحات والمواقف العنصرية... وانعزالها لم يمنعها من أن تبقى مؤثرة في الذاكرة البصرية، وقد حاولت نجمات شهيرات تقليدها، مثل كلوديا شيفر وكيت موس وآيمي واينهاوس وغيرهن.

الأرجح أن من يهوى صورة بريجيت باردو المثيرة، يكاد يتغاضى عن صورتها الآن وقد غزت وجهها تجاعيد الزمن، أو يحاول أن يحتفظ بصورتها شابة نضرة كما صنعتها الصورة السينمائية. لا يفكر بصورتها الآن أو ينفيها من مخيلته، ربما يعتبر أن ثمة أكثر من حياة للنجمة الفرنسية: حياة كانت ثمرتها صورتها المثيرة ومراهقتها التي كانت نموذج الفتاة المتحررة، وتعتبر نموذجاً لـ"عقدة لوليتا" التي تغوي الكبار، وحياة نتاجها نضالاتها للدفاع على الحيوانات.

المهم القول إن باردو في زمانها شكّلت صدمت حضارية بالمعنى البصري، للعالم والكتّاب والمثقفين، وذلك من خلال جسدها وسلوكياتها وأخبارها، بدءاً من ظهورها بالبيكيني في السينما وصولاً إلى نمط تحررها وانفصالها عن تقاليد عائلتها البرجوازية الفرنسية. هي النجمة التي قدّم لها الشهرة زوجها المخرج روجيه فاديم، كذلك خصّها المخرج جان لوك غوداو بفيلمه "الاحتقار". ولم تكن الجميلة موضع اهتمام المهتمين بالسينما فحسب، فالكاتبة سيمون دوبوفوار اعتبرت، في مقال نشر العام 1959، أن بريجيت خير تعبير عن "الفلسفة الوجودية"، و"محرّكة لتاريخ النساء"، والمرأة الأكثر تحرّراً في تاريخ فرنسا. وقال عنها الشاعر والسينمائي جان كوكتو: "أحبها لأنها تعيش مثل كل الناس مع أنها ليست مثل أحد". وكتبت عنها الروائية مارغريت دوراس مقالا بعنوان "الملكة باردو... من اليابان إلى نيويورك أو بالعكس"، جاء فيه: "تجسد بريجيت الأحلام السرية للرجال منذ بدء الخليقة، وتقدم لهم احتمال وجود امرأة من شمع يستطيع كل رجل أن يصنعها كما يشاء".

ولم تكن بريجيت باردو محط إعجاب الكتّاب فحسب، بل كانت قارئة أيضاً. حين أصدرت ماري دومينيك لولييفر كتابها "بريجيت باردو تحت الأضواء"، حاولت أن تتقصى حياة باردو التي ما زالت تعتبرها امرأة مجهولة برغم نجوميتها، فزارت الأماكن التي سكنت فيها النجمة، وقابلت الكثير من أقربائها. وفيما الأفكار السائدة عن بريجيت، أنها امرأة غبيّة وعديمة الثقافة، تؤكد دومينيك لولييفر أن النجمة ذكية ومثقفة، وأنها قامت بفضل الرجال الذين شاركتهم حياتهم، خصوصاً زوجها الأول روجيه فاديم، بـ"التهام" أعمال الكتّاب الكبار، من أمثال أندريه جيد ومكسيم غوركي وغيرهما. أما هواها الأكبر فهو الموسيقى الكلاسيكية.

بريجيت باردو ليست مجرد ممثلة، أو حتى النجمة الأشهر في تاريخ السينما الفرنسية، لكنها قطعة حية من تاريخ فرنسا منذ الخمسينيات وحتى الآن. اخترقت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وجنون هتلر وموسليني بخط أبيض، أسهم فيه نجوم من أمثال نجم "التمرد بلا قضية" جيمس دين ونجم الروك أند رول إلفيس بريسلي، ونجمة الإغراء مارلين مونرو، التي تكبر بريجيت بأعوام قليلة، لكنها بدأت تظهر معها، بطريقتها الخاصة. والاختلاف بينها وبين بعض المشاهير أنها رأت صورتها كهلة بينما رحل بعض أبناء جيلها في عمر مبكر وبطريقة ملتبسة، قتلت مارلين أو انتحرت، وقتل جيمس دين في حادث سير مروع. حتى التباسات وفاة ألفيس ما زالت محط اهتمام الدراسات.

وباردو التي عاشت طفولة تعيسةً وسط عائلة برجوازية، كانت تقترب من عامها السادس عشر عندما شعرت بهويتها للمرة الاولى. كانت أمها قد أخذتها إلى صديقة لها تترأس تحرير مجلة "Elle"، واختيرت صورتها للغلاف. عن هذه اللحظة تقول نيكول باروت، مؤرّخة الموضة الفرنسيّة في حديث لها مع صحيفة "الغارديان" في 22 أيلول/ سبتمبر 2009: "كلّ نساء جيلي يذكرن صورتها الأولى على غلاف مجلّة Elle العام 1950". كان لها شعر كستنائي قصير ونظرةُ راقصةٍ ساحرة. وقد عبّرت عن هويّة لم تكن قد وجدت مكاناً لها في المجتمع أو في عالم الأزياء: هويّة المراهقين. تلك الصورة ستكون مجرد مقدمة عابرة إلى حين حصول صدمة الجسد الفينوسي. يكتب روجيه فاديم في مذكراته: "منذ أن رسم بوتيتشيللي لوحته التي تصور وجه فينوس، لم ير العالم ثانية ولادة آلهة الحب من قلب الأمواج سوى في الثاني عشر من مايو/أيار 1953 في الساعة الحادية عشرة والدقيقة الثلاثين، عندما شاهدوا حورية تخرج من البحر. كل شيء في ذلك الوجه كان قد خلق للضحك واللذات، الفم البريء الشهواني، والوجه البيضاوي الرائع، والأنف الدقيق والخدان اللذان احتفظا بأثار الطفولة. ثم تظهر الرؤيا: عنق بجعة وكتفان ضامران، صدر عار، وخصر نحيل بإمكان رجل أن يحيطه بيديه، وردفان ينحنيان بروعة على قمة فخذين طويلين مشدودين، وساقين ساحرتين فوق قدمي راقصة، وإضافة إلى هذا كله لباس سباحة من قطعتين يكشف أكثر مما يخفي من ذلك الجسد المثير الرائع". 

لا ينتهي الكلام عن بريجيت باردو أو "ب. ب"، فهي محط أنظار الكتّاب وصدرت حولها عشرات الدراسات والأبحاث والسير والأفلام، وبقيت علامة فارقة من علامات ما بعد الحرب العالمية الثانية. كانت النجمة التي ترفّه عن العالم لينسى مآسيه، فهل تولد "ب ب" جديدة تنقذنا في مآسينا في العالم العربي؟  - See more at: http://www.almodon.com/culture/7191b68d-1b6a-4a03-b440-dc41fc26a21f#sthash.5mJUHDnK.dpuf

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا