الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة


الزمان: الأربعاء، السادس من آب 2014 حوالي الساعة الثالثة عصراً.
خلال فترة الهدنة بين الجيش اللبناني والمسلحين، والتي تنتهي عند الساعة السابعة مساءً.
لا تُسمع أصواتُ الاشتباكات، وهي حالة نادراً ما كانت تحصل، رغم الإعلانات المتكرّرة عن هدنة لأسبابٍ إنسانيّة.
أحد الأصدقاء المقيمين على أطراف البلدة اتصل بشقيقي وأخبره بأن الجيش يسمح بمرور السيارات المغادرة. وهي من المرات القليلة التي يُسمح فيها بمرور السيّارات. ولم يكن منعُ عبور السيارات ضرورياً أصلاً لأنها كانت تتعرض لإطلاق النار مباشرةً من قِبل المسلحين، (البعض يقول بأنها نيران الجيش اللبناني..)
طلب شقيقي من زوجه وأولاده التهيّؤ بسرعة للمغادرة بعد أن تأكدوا من حيازتهم بطاقات الهُوّية.
"أنا سأبقى هنا"، قال. "لولا قلقي على الأولاد لما عنى ليَ الأمرُ شيئاً".
الأمر بالنسبة لوالدتي لا يستحق النقاش: "أنا لا أخرج من بيتي".
انطلقنا من المنزل برفقة سيارتيّ بيك آب لجيراننا. ليس غيرُنا في الشارع الذي عادة ما يغص بزحمة سير عشوائيّة.
عبرنا الطرقات التي يتجمع على جوانبها بعض الأشخاص، غالبيتُهم من النازحين السوريين. وصلنا إلى قرب المحكمة الشرعيّة التي سيطر عليها المسلحون. حاجزٌ يقف عليه ستّةٌ من "الوجوه" السوداء. شعرت بالارتباك.
دون حاجةٍ إلى الكلام، رسم أحدُهم بيده إشارة الرجوع. رجعنا. لم أعد مرتبكاً، حتى سياراتُ المسلحين ووجوههم السوداء لم تعد تعني لي شيئاً. وأحسست بشيئٍ من الرضا، فما يحدث للجميع يحدث لنا..
لكن شقيقي أصرّ علينا بسلوك طريق آخر.. (وادي حمَيْد). فقد استعلم عن إمكانيّة المرور من خلاله.
قبل وصولنا إلى الحاجز بمائتي متر تقريباً اتصل ابن شقيقي بأحد الجنود على الحاجز يعلمه بمرورنا، حتى لا يلتبس الأمر عليهم ويطلقون علينا النار.
توقفنا قرب جنديّين خلف متراس مدعّمٍ بالأسلاك الشائكة يرتفع عن الطريق بحوالي الثلاثة أمتار.. ثم تابعنا الطريق.
يبدو أنه لم يعد هناك وجود للمسلحين في هذه المنطقة التي شهدت أعنف الاشتباكات في الليلة الأولى..
سلكنا الطريق الترابيّ الذي يوصل إلى بلدة رأس بعلبك.. تنفسنا الصعداء بعد أن تجاوزنا المنطقة القريبة من الحاجز.
سيارات قليلة تأتي من تفرّعات أخرى للطريق قاصدةً المعبر ذاته.
الوادي الموصل إلى رأس بعلبك تحرسه مواقع عديدة للجيش اللبناني منتشرة على التلال المشرفة..
حوالي عشرين سيارة متوقفة في الوادي الذي تآلف مع السيول التي (في مواسمها) تغزو المنطقةَ، حاملة الأتربة والصخور من السلسلة الشرقيّة وصولاً إلى بلدة الهرمل..
السيارات متوقفة قبل مئات الأمتار من بعض الجنود المنتشرين في الوادي..
حوالي نصف ساعة من الانتظار، ثم جاءت الإشارة بالسماح للسيارات بالتقدم.
مررنا بمحاذاة الجندي الأول.. ثم الثاني .. وبعد أن أشار لنا بالمرور.. نادى علينا بصوتٍ عالٍ بالتوقف. توقفنا.
ألستم أنتم....؟
نعم نحن.
لقد تعرّف على السيارة التي كنت أقودها.. ثم إلى بعض الوجوه داخل السيارة، فمنزل شقيقي قرب الحاجز مباشرةً.
يبدو أنه من العسكريين الذين خدموا في فترةٍ سابقة في موقع "وادي حمَيْد".
ـ "كيف هم الشباب" على الحاجز؟ سألَنا.
ـ لقد شهد معارك قاسية، أجبته. وقد سقط فيه ثمانية من العسكريين.
هزّ رأسه ببطءٍ أسفاً.. ثما تابعنا المسير.
بعد عدّة حواجز عبرناها في مجرى السيل.. وصلنا إلى رأس بعلبك بمحاذاة كنيسة السيّدة في أوّل البلدة حوالي السابعة مساءً.
سيارات كثيرة مركونة في محاذاة الحائط الذي يحيط بأملاك الكنيسة، جماعات من الصبايا والشباب يتجوّلون في المكان..
تفرّست في الوجوه كثيراً، فقد أمضيت سنتين في أحد بيوت هذه البلدة حين كنت أتابع دراستي الثانويّة، فلم أتعرّف إلى أحد.
أصدقائي الكثر الذين كانوا في مثل هذه السنّ.. كانوا كذلك منذ أكثرَ من ثلاثين سنة.. ولا يمكن أن يكونوا ما زالوا على هذا النحو.. لا بدّ أنهم أناسٌ آخرون .. وشعرت بشيئٍ من الخيبة!

*استاذ ثانوي في صيدا، كتب هذه المقالة زيارة الى عرسال.

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top