الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة


ترجمة كوليت مرشليان
نشرت صحيفة «لوموند» الفرنسية في ملحقها «لوموند ديبلوماتيك» مقابلة أجراها المدير السابق في الصحيفة (من العام 1990 إلى العام 2008) إينياسيو رامونيه مع الروائي الكبير الراحل غابرييل غارسيا ماركيز وتُعتبر بحسب رأي رامونيه المقابلة الأخيرة معه ويروي تفاصيل اللقاء وظروفه. ننقل المقالة كاملة لجمالية تفاصيلها التي قد يجد فيها القارئ جديداً حول الكاتب والروائي الذي طبع عصره بأروع المؤلفات، وقد جاء في نص المقالة:

«كان قد قيل لي بأنه في هافانا غير انه لا يرغب في رؤية أو استقبال أحد بسبب معاناته المرض. وكنت أعلم تحديداً أين يسكن: في منزل رائع خارج العاصمة. اتصلت وزوجته مرسيدس أزالت كل العوائق والمخاوف: «أبداً»، قالت لي بحرارة، وأضافت: «كل هذا لنمنع الزيارات الكثيرة والمرهقة له، تعال، فسيسعد غابو برؤيتك».

ووسط حرارة لا توصف، ذهبتُ في صباح اليوم التالي ومشيت في حديقة وسط شجر نخيل يشكل ممراً للفيلا الاستوائية حيث يقطن. لم أكن أجهل وضعه الصحي وكنت أعرف أنه مصاب بسرطان الغدة اللمفاوية وأنه يخضع لعلاج كيميائي شديد القوة. وكنت علمت أن وضعه سيء وحالته متقدمة وبأنه كان يتلقى ما يشبه رسائل الوداعات للأصحاب والحياة... خفت أن أجد نفسي أمام إنسان يحتضر. وصلت زوجته مرسيدس وفتحت لي الباب، وصدمت حين رأيتها تبتسم وتقول لي: «أدخل، سيصل غابو بعد قليل... إنه يلعب التنس وسيحضر فور انتهاء المباراة...».

وفي حرارة الضوء القوي في الصالون، وكنت أجلس على كنبة بيضاء، رأيته يتقدم بكل نشاطه، وكان شعره لا يزال رطباً، بعد الدوش كذلك كأن شارباه في معركة... كان يرتدي «غايابيرّا» ذهبية اللون (قميص كوبي) وبنطالاً أبيض واسعاً وحذاء من قماش. كان يشبه شخصيات فيسكونتي (المخرج السينمائي الإيطالي)، ثم راح يشرب قهوته المثلّجة ويشرح لي بأنه يشعر «وكأنه عصفور وحشي هرب من قفصه». ثم أضاف: «في مطلق الأحوال، أنا شاب أكثر مما يوحي به مظهري... ومع تقدمي في السن، استنتجت أن جسد الإنسان ليس جاهزاً ليخدمنا بمقدار السنوات التي نحلم أن نعيشها». وفجأة قال: «يجب أن نقلّد الإنكليز الذين لا يحبون الحديث كثيراً عن مشاكلهم الصحية، فهذا أمر غير مهذّب...».

[ عصفت ريح

وفجأة عصفت ريح قوية فراحت الستائر تهتزّ عالياً وشعرنا وكأننا وسط باخرة في البحر، ثم قلت له كل الأمور الإيجابية التي احببتها في الجزء الأول من سيرته «أن نعيش لنسردها» وقلت له: «إنها روايتك الأولى». فضحك ثم أمسك بنظارتيه محاولاً ترتيبها على وجهه وكانت النظارات ضخمة نسبياً وقال: «هناك شيء من الخيال إذ وجدت أنه من المستحيل أن أعيد تركيب قصة حب والديّ. أو ذكرياتي وأنا رضيع... ولا تنسَ فوحدها المخيلة واضحة. وهي أحياناً أكثر حقيقة من الحقيقة. أنظر إلى كافكا، أو فوكنر، أو بكل بساطة سيرفانتس». وفي هذه الأثناء، كان المكان كله يسبح في أجواء فرحة ودرامية في آن بسبب الموسيقى التي كنا نستمع إليها وهي آتية من آخر الصالون وكانت «سمفونية العالم الجديد» لأنطونان دفوراك.

وكنت قد تعرفت إلى غابو العام 1979 في باريس وكان مدعواً من قبل الأونيسكو للمشاركة مع هوبير بوف ميري مؤسس «لوموند ديبلوماتيك» وسين ماك برايد لنقاش حول موضوع عدم التوازن في الشمال والجنوب في إطار وسائل التواصل.

في تلك الحقبة، كان متوقفاً عن كتابة الروايات بسبب موقف فرضه على نفسه بعدم الكتابة ما دام اوغستو بينوشيه في الحكم في تشيللي. لم يكن بعد قد نال جائزة نوبل للآداب لكنه كان قد أصبح مشهوراً للغاية. فنجاح روايته «مئة عام من العزلة» جعل منه الكاتب باللغة الإسبانية الأكثر عالمية بعد سيرفانتس. وأذكر أنني قد فوجئت يومها بصِغر قامته كذلك تأثرت بجديته وصرامته. كان يعيش مثل ناسك حبيس في غرفته للعمل المتواصل وكان لا يخرج سوى للاجتماعات في الأونيسكو.

أما بالنسبة إلى الصحافة التي كانت تشكّل شغفه الكبير الثاني، فهو كان قد نشر تحقيقاً مصوراً حول هجوم للكومندوس ضد القصر الوطني في ماناغا، الأمر الذي سبق سقوط الديكتاتور أناستازيو سوموزا في نيكاراغوا. وكان قد حصل على معلومات غنية توحي للقارئ وكأنه شارك شخصياً في الحدث. وأردت أن أفهم منه كيف حصل على معلوماته فقال: «كنتُ في بوغوتا (كولومبيا) حين حصل الهجوم، فاتصلت بالجنرال عمر توريجوسّ رئيس الباناما. كان الكومندوس قد التجأ إلى بلده ولكن لم يذكر أحد ذلك في وسائل الإعلام. وكنتُ قد طلبت منه أن يقول لهم بأن يتحاشوا وسائل الإعلام، لأن المعلومات التي قد يعطونها إياها قد تُنقل مغلوطة. فأجابني: «تعال، فهم لن يتكلموا سوى معك». وصلت ثم وجدت نفسي في ثكنة عسكرية مع قادة الكومندوس إيدن باستورا ودورا ماريا وهوغو توريس. ثم توصّلنا إلى التدقيق في الحدث منذ التحضير له وصولاً إلى آخره، وأمضينا الليل هناك، وحين شعرنا بالتعب، نام كلٌ من باستورا وتوريس، ثم أكملت الحديث مع دورا ماريّا حتى الفجر. وبعدها عدت إلى الفندق لأكتب التحقيق. وحين انتهيت منه عدت إليهم وقرأته عليهم. فقاموا بتصحيح بعض المعلومات التقنية مثل أسماء الأسلحة أو المنظمات... ثم نشرت التحقيق بعد الحادثة بأسبوع، وبسببه تعرف العالم على القضية بكل تفاصيلها وكاملة».

[.. وشافيز

وكنت قد التقيت غابو مراراً في باريس، في هافانا أو في مكسيكو. ولم نكن نتفق على قضية هوغو شافيز: فهو لم يكن يؤمن به، أما أنا فكنت اعتبر ان الكومندنت الفنزويللي ذاك سيقود اميركا اللاتينية الى بعد تاريخي جديد. أما في بقية الأمور، فكانت نقاشاتنا جدية كثيرة حول قضايا مثل قدر العالم، مصير اميركا اللاتينية، كوبا.

ذات يوم، ضحكت الى حد الدمع، كنت عائداً من كارتاجينيا في كولومبيا وكنت قد رأيت هناك الفيلا التي يملكها وكانت تحت الحراسة المشددة، فناقشت ذلك معه، وسألني: «هل تعرف كيف حصلت على ذلك المنزل؟» ليست لدي أية فكرة. «كنت قد رغبت دائماً بالسكن في كارتاجينيا وحين صرت أملك المال لذلك المشروع، فتشت عن منزل ولكن كانت الأسعار دائما مرتفعة للغاية فسألت محامياً صديقاً فشرح لي قائلاً: «هم يتخيلون انك ميلياردير لذا يرفعون الاسعار. دعني ابحث بنفسي لك عن بيت». وبعد أسابيع، وجد منزلاً وهو في الحقيقة كان يستخدم كمطبعة قديماً. فناقشن السعر مع المالك وكان ضريراً وعجوزاً وتوصلت معه الى سعر مقبول. غير ان المالك اصر على ان يعرف من هو الشاري قبل توقيع عملية البيع. فعاد صديقي وقال لي: علينا ان نجتمع به ولكن لن تتكلم لأنه اذا تعرف الى صوتك فسيزيد السعر فوراً...

هو أعمى وأنت عليك ان تكون أخرس. وحين وصل يوم اللقاء، بدأ الأعمى يسالني وأنا أجيب بكلمات قليلة... ولكن، في لحظة اقترفت الخطأ بأن أجبت على طريقتي الخاصة: آه، اجل»، فانتفض وقال: لقد عرفت صوتك. انت غابرييل غارسيا ماركيز! أزيل القناع عن وجهي.. ثم اضاف بسرعة: «يجب ان نراجع السعر!.. هنا تتغير الأمور..» حاول صديقي ان يفاوض على طريقته، وكان الأعمى يقاطعه في كل مرة ويقول: كلا، لا يمكن ان نبقى على نفس السعر.. «حسناً، كم ترغب ان يصبح إذاً؟ سألناه بعد ان هدأنا. فكر العجوز لبرهة ثم قال: «نصف السعر!» لم نفهم الأمر.. فشرح لنا: «انت تعرف انني كنت املك مطبعة هنا. وكيف تظن أنني كسبت رزقي حتى الآن؟.

كنت اطبع نسخات مقرضة لمؤلفات غارسيا ماركيز!».

رحنا نضحك ولا زالت هذه الضحكة تطن في ذاكرتي وأنا في منزله في هافانا اتابع الحديث مع غابو العجوز ولكن غابو اليقظ, ثم حدثني عن كتابي الذي يضم محاوراتي مع فيدل كاسترو: «اشعر بالغيرة منك إذ تمكنت من قضاء أكثر من مئة ساعة معه...» فأجبته: «وأنا لا أستطيع أن انتظر أكثر لاقرأ الجزء الثاني من مذكراتك، وستتحدث ايضا عن لقاءاتك مع كاسترو الذي تعرفه منذ فترة طويلة. هو وأنت تشكلان ثنائياً من كبار عمالقة العالم الاسباني. وإذا قارنا الأمر بفرنسا مثلاً فهو يشبه لقاء الشاعر فيكتور هوغو بنابوليون..» ضحك بقوة وهو يملس حاجبيه: «أنت تمتلك مخيلة واسعة... ولكن للأسف، ربما انني سأخيب املك، فلن يكون هناك ما تسميه الجزء الثاني من مذكراتي.. وأنا أعرف انه من بين اصدقائي كما من بين أعدائي من ينتظر «تقريري التاريخي» عن فيدل. انه امر عبثي. لقد كتبت عنه ما يجب ان اكتبه، فيدل صديقي وسيبقى كذلك، حتى القبر».

أصبحت السماء قاتمة ومع اننا كنا في الظهيرة الا ان الغرفة اصبحت في العتمة القليلة. ومن ثم انخفضت وتيرة الحديث ثم توقفنا عن الكلام. شعرت بأن غابو كان يتأمل وصارت نظرته شاردة وضائعة ورحت اتساءل في نفسي: هل من الممكن ان يقرر عدم تركه شهادته الكاملة حول صداقته العميقة مع فيدل؟ وهل انه سيترك ذلك من أجل نشره بعد موته، اي حين يصبح الاثنان خارج هذا العالم؟

في الخارج، بدأت تنهمر الأمطار بغزارة كبيرة من السماء وبقوة هائلة من العواصف الهوجاء المعهودة في تلك المنطقة الاستوائية. ثم توقفت الموسيقى. واجتاحت الصالون بقوة رائحة الاوركيديا. فجأة بدا غابو وكأنه عجوز كولومبي متعب. لكنه بقي هناك جالساً، صامتاً ومتأملاً، وكان يركز نظره على المطر المنهمر، ذاك المطر الذي يرافق دوماً وحدته هناك. ثم غادرت بسرعة ولم أكن اعلم أنني كنت أراه للمرة الأخيرة.

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top