كمال اللبواني: تعقيبا على مقال د. محمد حبش… ليس دفاعا عن ابن تيمية (1-2)

8:59:00 ص

قرأت للأستاذ الشيخ محمد حبش في "كلنا شركاء" مقالا أخلاقيا وانسانيا عن فتاوى التكفير، وقد استعرض فيه مجموعة من هذه الفتاوى المختلفة المصادر والتي تبيح القتل على المذهب، وارتكاب جرائم ضد الانسانية، واعترض عليها كلها وبقوة، لكن دون أن يشرح لنا ماهي الأسباب التي دفعت بشيخ مثل ابن تيمية ليفتي بمثل تلك الفتوى الرهيبة، ومن دون أن يشرح لنا كيف تصدر مثل هذه الفتاوى، وما هي الظروف التي تحيط بصدورها، وما مدى شرعية وأحقية من يصدرها، ولا إن كانت تعتبر من الدين الواجب الاتباع (هي بالذات، أو كل فتوى بشكل عام)…

وهل يكفي أن نحكم على شيء بأنه خير أو شر، وصحيح أو خاطئ، دون أن نسأل لماذا وكيف وما نسبة الصحة وما نسبة الخطأ، وهل يوجد شر مطلق وخير مطلق…؟  من صفات العقل الدوغمائي الذي يستخدم مبدأ واحدا من مبادئ العقل وهو التناقض، أن يشيطن شيء ليشرعن ويقدس نقيضه، فنحن علينا اليوم أن نشيطن داعش كرمى لعيون الكثيرين. وحتى أن نجرم ابن تيمية تقربا بهم، وكذلك علينا أحيانا أن نشيطن اليهود لإثبات الوطنية… أما الجهاديون فيشيطنون أمريكا والديمقراطية والعلويين والشيعة ويلعنون صليب عذاب الحياة الدنيا، بل والحياة كلها… فينغمس طرفي الصراع الدوغمائي في صراع أعمى لا نهاية له، ويضيعون فرصة المقاربة العقلية الموضوعية التي تجعلهم قادرين على تجاوز أسباب هذا الصراع، لأن هزيمة أي عدو تبدأ بهزيمة قناعته بنفسه، فهل يظن من يحاربون (الارهاب) اليوم أن هؤلاء الشبان الذين يذهبون للموت ليسوا ضحية ظروف قاهرة وصعبة، وليس لديهم من المبررات ما يتوجب سماعها…

لذلك ومن أجل ألا ننغمس في المزيد من الدوغمائية المتضادة القاتلة… أحببت أن نسير معاً في بعض التحليل النقدي الذي يجعل القارئ أقرب للفهم الذي يسبق الادانة القادرة على التغيير… التغيير المتبادل الذي يشمل الذات والآخر معا. (رابط مقال د. محمد حبش) http://www.all4syria.info/Archive/162775

وكي لا نطيل على القارئ سنقسم عملنا على جزأين:

1-في التاريخ

بداية القرن الرابع عشر 1303 اجتاحت جيوش تيمور لنك مرة أخرى مدن سوريا التي كانت تحت حكم المماليك مقلداً جده هولاكو، وكان في هذه المرة يدّعي أنه يمثل الاسلام الشيعي، وجند معه الطوائف من أهل المنطقة، والذين كانوا يشكلون غالبية جيشه، واستخدمهم لاجتياح شريط مدن السنة واستباحتها تباعا من حلب حتى القدس وغزة… وهكذا يذكر التاريخ أن دمشق بعد أن سلمت له نفسها… كعادتها! (أي بخيانة زعمائها) وهي التي لم تتعود أن تسفك دماً ضد أي غاز وقف على أسوارها، بل فتحت أبوابها لهم جميعاً بطريقة أو بأخرى منذ أيام الآشوريين الذين سموها (حميريشو إميريشو) أي أمارة الحمير لكثرة ما وجدوا فيها من حمير صغيرة تجوب حاراتها الضيقة. وصولا لاستقبالها الجيش الفرنسي بقيادة غورو من قبل تجار دمشق ومشايخها استقبال الفاتحين.

ومع ذلك وبعد أن سلمت فيما عدا قلعتها لجيش تيمور المسلم بقيادة غازان، استبيحت دمشق كلها بأهلها ودمائها ونسائها وأطفالها وأموالها وبيوتها… فقتل من قتل وفر من فر حتى خلت على عروشها… ولم يعد يوقد فيها موقدا لأشهر. وعندما تجمع المجاهدون من عموم ريف دمشق (المقاتل كعادته). والذي يبقى تاريخيا رمز عزة هذه المدينة، رغم فقره ورغم غناها، وأعادوا تحريرها بقيادة الشيخ ابن تيمية (وهو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية) الذي قضى جل عمره مضطهدا في سجون الحكام الجبناء، عندها أصدر هذا الشيخ المجاهد فتواه الشهيرة بتطبيق حد الحرابة بحق كل من هاجم المدينة، واستباح دماء المسلمين، وهتك أعراضهم بطريقة شنيعة ومشهودة لم تسلم منه فتاة ولا امرأة… لدرجة أن لُقّب اهل دمشق فيما بعد ببناديق التيمور لنك (يقصد بالبندوق الابن غير الشرعي من الاغتصاب والزنا)… وعلى هذا مات الشيخ وهو مسجونا في سجن قلعة دمشق التي جاهد لتحريرها.

لقد تصرف ابن تيمية كقائد عسكري وليس كرجل دين، وفتواه تنطبق تاريخيا بمبرراتها وأسبابها على من قام بهذه الفعلة الشنيعة… وليست مذهبا يعبر التاريخ لينطبق على أحفادهم إلى يوم الدين… وهذا  يشبه شكلا ما قام به الرسول الكريم في المدينة المنورة بعد أن خانت قبائل من اليهود العهد معه، أثناء حصار المدينة من قبل ائتلاف قريش والقبائل يوم الخندق، وكادت أن تسقط المدينة وتستباح بسبب الخيانة لولا التدخل الالهي… حينها  طبق عليهم الرسول قواعد الحرب التي يقرون بها، وقبلوا بتحكيم أقرب أصدقائهم، ولم يطبق عليهم تعاليم الدين التي أوصت خيرا بأهل الكتاب والذمة. فهو لم يقتل رجالهم القادرين على القتال ويهجر غيرهم بسبب دينهم (الذي عاهدهم وحالفهم وسالمهم بسببه)، لكن بسبب خيانتهم وجرمهم العسكري كحليف حرب… فطبق عليهم قانون الحرب القاسي…

لكن منظري جماعة الاخوان المسلمين في سوريا في السبعينات، وكعادتهم في توظيف الدين في السياسة، وطريقتهم في شرعنة الارهاب والحرابة والاغتيال والتصفية، سحبوا فتوى ابن تيمية العسكرية من تاريخيتها وقطعوها عن سبب وجوبها، وحولوها لفتوى دينية مطلقة الزمان والمكان، وغير مشروطة بجريمة محددة وقصاص محدد بشخوص مرتكبيه، واستعملوها بعد مئات السنين كأنها جزء من الدين والمذهب… بل كفّروا من لا يقر بها ويطبقها، لتبرير قتل من يريدون، من (الطائفة العلوية) وغيرها ومن السنة أيضا، وهو ما استفاد منه النظام الطائفي الحقير الذي قام بارتكاب المجازر وممارسة القمع الرهيب… الذي سينفجر لاحقا على شكل ثورة عارمة في وجهه، استطاع أن يحولها لحرب طائفية بسب ممارساته الطائفية المشهودة التي تلاقت مع شعارات الاخوان الذين اندسوا في الثورة ورفعوا فوقها شعاراتهم، حتى صارت سوريا كلها ساحة لكل من يريد ممارسة القمع والجريمة والارهاب والتكفير و ارتكاب المجازر ضد الانسانية، بفضل النظام الطائفي الكافر بكل القيم، ومذهب الإخوان التحديثي في تسييس الدين و تبرير التكفير.

عادة، وبسبب عدم وجود قضاء مشترك متفق عليه بين المتحاربين… لا يقام القضاء الشخصي في الحروب، لتجري محاكمة كل شخص بشخصه وادانته بمقدار مشاركته بالجرم، بل يتم التعامل مع المجموعات المحاربة ككل متحد، شارك بطريقة أو أخرى ضمن مجموعة في ارتكاب ما ارتكب (والمشترك تقع عليه عقوبة الفاعل)، لذلك تقع العقوبة على القبيلة والدولة والشعب والطائفة ككل بالتكافل والتضامن، والتي تصرفت مجتمعة وحاربت كمجموعة، دونما انقسام ظاهر وتبرؤ واضح قبل أو أثناء الفعل. وهذا العقاب الجماعي لا يعتبر جريمة ضد الانسانية، فتفكيك العنصرية النازية ومؤسساتها واعدام رموزها كان ضرورة لفتح الباب لعودة المجتمع الألماني للعيش بسلام مع ضحاياه… وكذا الحال مع الكثير من التنظيمات السياسية العسكرية (القاعدة، الحزب الشيوعي، جماعة الاخوان، حزب البعث، مؤسسات الأمن)، وحتى مع الدول (الامبراطورية النمساوية، والعثمانية، والاتحاد السوفييتي، والامبراطورية اليابانية) كلها جرى تفكيكها والغاء وجودها، لصالح تركيبات أخرى عندما هزمت، منعا لاندلاع الحروب مرة أخرى. وكم من شعوب هجرت وشردت لهذه الغاية. وكم من القبائل سبي نساؤها لمنعها من التكاثر والحرب ثانية. وكل ذلك يعتبر من قوانين الحرب القاسية والظالمة. لكن البادئ أظلم، ودفع الشر الأكبر بالشر الأصغر وارد شرعا وعرفا. 

وأي مجموعة عليها أن تبعد مبررات الجريمة عن هويتها ومعتقدها، والا اعتبر هذا المعتقد هو بحد ذاته دافع للجريمة، ولذلك فأي طائفة لا تعلن عن مذهبها وتشرحه وتلتزم به، لا تعتبر طائفة بل جماعة سرية… يفهم من سلوكها أنه تعبير عن مبدئها، ولا ينطبق عليها مبدأ التسامح الديني حتى تعلن عن دينها قولا وفعلا… لذلك فتسمية الطائفة العلوية غير دقيقة، والأصح هي القبائل النصيرية. وهذا ينطبق على الشيعة والسنة الذين عليهم أن يثبتوا للعالم بالفعل أن دينهم لا يحرض على الارهاب والعنف والقمع وانتهاك حقوق الانسان خاصة المرأة… ولا يكفي القاء الخطب الرنانة عن التسامح ولا تدبيج المقالات المتبرئة من الفتاوى.

وعقد السلم العالمي هو الضامن الوحيد ضد هذه الوحشية التي تتصف بها الحروب. والذي إذا دان له الناس سلموا من شرور بعضهم، لذلك كان الدين عند الله هو الاسلام… بصفته عقدا عالميا للسلم محروسا بالحقوق المتساوية والقضاء العادل، يتجاوز القبيلة والقوم والعرق والحدود، متاح للجميع ويحصّل بالقبول والشهادة التي تنص على الدخول به صراحة (كل المسلم على المسلم حرام…) فإذا نكص بعهد السلم وباشر الحرابة خرج لدار الحرب من جديد. ومن يريد دخول هذا العقد يسلم… وهذا هو فحوى الرسالة التي أرسلها رسول الاسلام لقيصر الروم (أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين)، فالدعوة للإسلام ليست لإلغاء الآخر وتمايزه وحريته وحقه في الاعتقاد، بل هي دعوة لعقد حلف السلم معه (تعالوا لكلمة سواء بيننا) … وهذا شيء مختلف عن العقيدة التي تبقى حرة يحاسب عليها الله وحده.

فدخول عقد السلم كشرط لوقف الحرب المتكررة وقانونها الوحشي، هو أحد الحلول التاريخية الانسانية المقترحة والممكنة، فالأعراب قد أنهت بسبب الاسلام حالة النزاع الوحشي بينها ودخلت في عقد السلم قبل بكثير من انتشار العقيدة والإيمان فيها.

(قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)

وعقد الاسلام سمح باستقرار امبراطوريات ودول كبيرة (الخلافة الأموية والعباسية ثم السلطنة العثمانية)، وحافظ على صيغ العيش المشترك والتنوع فيها. وهو حق لم ينكره ابن تيمية على هذه الفئات، لتسلم من الانتقام بعد أن حاربت وقتلت واستباحت واضطهدت مرة بعد مرة كما سنرى:

في التاريخ وقفت القبائل النصيرية، وهم ليسوا طائفة أو مذهب بالمعنى المعروف، في القرن الرابع الهجري مع حركة القرامطة الفوضوية التي امتدت بين الساحل السوري والخليج الفارسي، والتي أيدها الحمدانيون وساندوها، وكان من شعرائها أبو الطيب المتنبي… المتقرمط الذي مدح أحد مجرميها بأبيات شهيرة تمجد جرائمه وقطعه للرؤوس:

حدق يذم من القواتل غيرها          بدر بن عمار بن إسماعيلَ

أمعفر الليث الهزبر بسوطه       لمن ادخرت الصارم المصقولَ

وقعت على الأردن منه بلية         نضدت بها هام الرفاق تلولا

ورد إذا ورد البحيرة شاربا            ورد الفرات زئيره والنيلَ

في وحدة الرهبان إلا أنه              لا يعرف التحريم والتحليلَ

وقد قتل المتنبي لاحقا في الرمادي بسبب أشعاره تلك، التي وضع بها نفسه وممدوحيه في مراتب النبوة (ومنها جاء لقبه المتنبي). وحتى لا تكون من بعده سنة بين الناس (عندما سأله قاتله: ألست القائل…؟) …  ليجري بعدها تشويه صورة قاتليه كما شوهت سيرة ابن تيمية. 

ثم استضاف النصيريون الغزاة الصليبيين وسكنت جيوشهم بسلام فترة طويلة من الزمن في ديارهم وقلاعهم حتى ما بعد تحرير القدس من الصليبيين وهزيمة المغول وانتهاء حكم الأيوبيين وظهور المماليك ، لدرجة أنهم لقبوا بالألمان لشيوع زرقة العين في أبنائهم بعدها،(واليوم يوجد في المانيا تيار عنصري نازي يدعوا لحمايتهم باعتبارهم بقايا صليبيين) ثم ومع نهاية الوجود الصليبي انقلبوا لمساندة المغول والتتار، وساهموا معهم في استباحة المدن، وبعدهم تحالفوا مع الفاطميين، ومن بعدهم تحالفوا مع الصفويين الغازين من بلاد الشرق، وتعرضوا بالمقابل للاضطهاد المستمر من قبل المماليك والسلاجقة والترك (العدو اللدود للصفويين) طيلة سيادتهم الطويلة على المنطقة .  وهو ما اختزن في ثقافتهم وخرج للعلن مرة أخرى بعد سقوط الامبراطورية العثمانية، وترجم على شكل تعاون مع الأجنبي المستعمر لاستبعاد أهل السنة عن السلطة، خوفا من تجديد اضطهادهم… ثم سيطرتهم على السلطة بالانقلاب العسكري وباستخدام الفكر القومي العنصري على الطريقة النازية كمقدس جديد بديل للدين، ونهبهم للمدن عبر السياسات الاشتراكية التي قوضت الطبقة البرجوازية السنية، وما رافقها من سياسات افقار وتمييز، ثم قمع وحشي لئيم كانت ذروته في الثمانينيات، وما تبعها من فساد منهجي نقل مركز الثروة خارج مكانها الطبيعي التاريخي ووضعها في جيوب قلة منهم، جرى ذلك تحت خيمة التحالف والتعاون مع اسرائيل والغرب… وصولا لمحاولتهم أخيرا سحق الثورة السورية بالتحالف مع ايران الصفوية، والقيام بكل ما يقوم به المرعوب الفاقد للوعي والادراك والسيطرة على النفس… بما فيها استخدام أسلحة الدمار الشامل والتسبب بقتل نصف مليون انسان وتهجير عشرة ملايين أخرى…

ومرة أخرى نقول أن هذا الطابع العام لسلوك مجموعة عرقية أو دينية لا ينطبق على كل فرد في هذه المجموعة القبلية، لكن هذا لا يعفيها من المسؤولية في غياب أي حركة جدية داخلية للاعتراض… ولن يعفيها بالمستقبل إذا لم يحدث فيها حركة تجديد عقيدي وقيمي ومراجعات جدية وجوهرية… ومع ذلك نحن نعتبر أن هذا السلوك السياسي العسكري ليس من الدين ولا من العقائد (هذا إن وجدت عقائد ومذاهب أصلا)، و معظم الجرائم التي عايشناها كانت بأوامر من السلطة التي تحتوي السفلة من كل المكونات، مع احتفاظها بطائفيتها المميزة لها، ولم تصدر عن المؤسسة الدينية العلوية (إن وجدت)، بل هو نزاع وحشي على البقاء وعلى السلطة والثروة وتنافس وتعارض بين أنماط العيش وشروطه المختلفة… وهو ما يفترض أن ينتهي بانتهاء شخوصه وظروفه، ويدفن معها. ولا يجوز توريثه وتخليده، بتحويله لجزء ثابت من العقيدة والثقافة المتوارثة التي يجب اعادة النظر فيها باستمرار تبعا للتجارب التاريخية. أو هكذا كنت أحب أن اسمع من الأستاذ الشيخ محمد حبش كمفكر وباحث اسلامي عريق. كائنا ما كانت الفتوى ومطلقها… أما أن نظلم الشيخ ابن تيمية المدافع عن شعبه وعقيدته، ونعتبره منظرا لداعش… فهو تسطيح للعقل وتشويه للحقائق والتاريخ…كان من الممكن تجنبه لو وضعت الأحداث في سياقها الموضوعي، ونوقشت بعقلانية غير مسيسة… والتي هي وحدها من يستطيع إخراجنا مما نحن فيه.

- يتبع في القسم الثاني.



  

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا