الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة

  
أفكر فيك الآن وأنا أحاول وصف موت طفل في الخامسة عشرة لأولادي، قبل أسبوع كنت أبحث عن كلمات مناسبة لوصف موت جدتهم التي تخطت السابعة والثمانين، ابنتي أرادت أن تعرف من أنت؟ هل سيموت بابا وماما؟ متى سيموت كيان (أخاها)؟ متى سأموت انا؟ وكيف يمكننا وضع من نحب في التراب باسمك؟ يومها قلت لها إن الأجساد تماما كالأحذية، حين تتلف نلقي بها جانبا (في الحقيقة قلت نرميها) وسيكون لدينا دائما حذاء جديدا نلبسه، كنت أضحك من تطرفي الشديد في إعطاء هذا المثل لها، لقد أردت أن أصور لها الأمر بأقل قدر من الرومانسية كي تعتاد على التعامل مع الأمر بعقلانية، وبأقل قدر من التأثر فأنت جارنا كما يعلم الجميع. رغم ذلك قالت لا تأخذوني إلى المقابر مرة أخرى لا أريد أن أسمع عن الموت لا أريد أن تدفنونني إن مت ...وأرغمتني على أن أعدها بالأمر. ابني طلب مبلغا كبيرا من المال كي لا يلقي بنفسه أسفل سيارة ويموت فنحزن. 
جاري الموت، إنك تصعب الأمور علي، تجعل الأسئلة أصعب وأقرب وأنت تمر في الشارع المحاذي للبيت وتاخذ جسدا طازجا بهذا الشكل، ألملم نفسي كأنني أرتب رفا وقع، لأجيب على أسئلة أولادي. وأتذكر فجأة لماذا موت الأطفال والشباب رومانسيا إلى هذا الحد، لماذا يجب أن يغلف برومانسيات الجنة والشهادة والتطهر والزفاف والأعراس والطيور لماذا عليه أن يترافق بالطقوس والورود والأدعية والنحيب والصراخ، لماذا سترقص فتيات في غرف نومهن الليلة من شدة الحزن، لماذا سنرى العائدين من الموت على ظلال الجدران وفي أضواء النيون، لماذا سنقرأ لهم الكتب التي لم يكملونها، لماذا سنحتفظ بروائحهم في القمصان والأحذية وأغطية الوسائد، لماذا سنجمع الجيران على موائد لرحمة أرواحهم، لماذا سنرى الملائكة تزفهم في أحلامنا التي ستتوقف فجأة لأن ذاكرتنا لن تحتمل صخب كل هذا الاسترجاع. 
لم تطرح ابنتي الكثير من الأسئلة هذه المرة فقط سألت إن قطع الخاطفون رأس الطفل أم لا؟ قلت لا، وعاد كل منا إلى ما يفعله، أنا إلى البحث عن محل مفتوح لبيع الخضراوات، وهي لتلقين دميتها درسا في الرومانسية....ستموتين الآن وسنغلق المحال على شرفك....
(*) روائية فلسطينية

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top