الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة



   شهادة قدمتُها للكتاب التكريمي الذي أشرفَت على إصداره باسكال لحود وصدَر في الشهر الماضي عن منشورات الجامعة الأنطونية تحت عنوان "وجيه كوثراني مؤرّخ البنى والتحوّلات".ا 

ذلك المقيم في تواريخه...
أحمد بيضون
أعرف وجيه كوثراني من نصف قرن تقريباً. كان، إذ ذاك، واحداً من الفتيان العامليين الذين أصبحوا بيارتة على نحوٍ لا رجوع فيه. هذا فيما كنت، شأنَ رفاق لي آخرين، لا أزال طريّ العود في البيرتة، ضعيف الأمل في استحقاق النسبة إلى بيروت ولو بالإعارة. فإن المستقرّ الرئيس لأهلي كان لا يزال البلدة العاملية التي جئت منها وإليها كان عليّ أن أعود. وأما وجيه ومعه أقرانه: حسن قبيسي وعفيف بيضون وأحمد بحسون وعادل مطر وناجي بيضون ونفرٌ من أضرابهم، فكان أهلهم قد استقرّوا، بين ثلاثينات القرن الماضي وخمسيناته، في العاصمة: أقدمهم عهداً في قلبها وأحدثهم نزولاً في ضاحيتها الشمالية.  وهو ما منحهم علينا، نحن الطارئين، امتياز الألفة للمدينة والمعرفة بمواضع فيها لا يرتادها إلا العارفون ونقبل عليها بصحبتهم إقبال الموعود بكشوف عظيمة.
وكانت العاملية، مدرسة الشيعة الأولى في بيروت، قد نسجت بين هؤلاء الفتيان أواصرَ لم يفصم بعضها إلا رحيل بعضهم عن الدنيا. وكان رشيد بيضون نائب بيروت الشيعي الذي لم يكن مهتماً بالفصل (ولا بمجرّد التمييز) بين زعامته السياسية ورئاسته الجمعية العاملية ومدارسها قد أقنع – بين من أقنع –  ذوي هؤلاء الفتيان، أو بعضهم في الأقلّ، بنقل قيدهم إلى بيروت لتعزيز الحضور الشيعي في العاصمة وللتصويت له كلما رشّح نفسه للنيابة عنها. وهو ما دأب على فعله ابتداءً من سنة 1947 بعدما نقل ترشيحه من الجنوب، وكان قد سبقه إلى الترشّح عن العاصمة شقيقه محمد سنة 1943.
كان وجيه كوثراني في صلب هذه الشلّة وكنت متطفلاً عليها تُقْتصر أوراق اعتمادي على انتسابي وبعض أفرادها إلى عائلة واحدة عريضة الانتشار. وعليه بقيت معرفتي بوجيه، في مطالع الستينات، مقصورة على ما يأذن به التقاطع بين علاقتينا بهذا أوذاك من معارفنا المشتركين. على أن هذه الحال تغيرت حين انضوينا، وجيه وحسن قبيسي وأنا، في جماعة "لبنان الاشتراكي"، مزمعين تجديد اليسار اللبناني، في أدنى تقدير، وتغيير العالم إذا أسعدَت الحال. وهذه كأس تجنّبها الآخرون من أفراد الشلّة العاملية وتجرّعناها نحن الثلاثة في أوقات متقاربة بين سنتي 1966 و1967. كان "لبنان الاشتراكي" بين ما كانه بيئة أنس ومودّة (قلبها تنافر الأمزجة أحياناً إلى نقيضهما). فكنّا نصل استمتاعنا بما نبذله من نشاط الدعوة والتثقيف السياسيين بجلسات وسهرات في المقاهي والبيوت وبرحلات، أحياناً، أحلّت محلّ الانتماء المدرسي الواحد أسباباً أخرى للصداقة.
وكان لزاماً أن يؤول تكرار هذه المناسبات، على أنواعها، إلى شدّ الأواصر بيني وبين وجيه وإن يكن بقي بيننا ثالث على الدوام: كان حسن قبيسي في معظم الأحيان وكان ناجي بيضون في كثير منها أيضاً. اشتدّت الأواصر إذن ولكن مناسبات اللقاء الحسّي بقيت على شيء من التبعية للوسيط: أي على شيء من التباعد بالنتيجة ولم تنتهِ إلى الانتظام الذي كانت تستحقه المودّة. وقد زاد من التقطّع اختلاف في الخيارات ما لبث أن ظهر في السياسة وفي الشبكة المهنية التي نسجها كلّ منّا لنفسه أو نسجتها له الظروف والفرص المتاحة. هكذا انتهينا إلى نوع من الصداقة قد لا يكون نادراً ولكن ماجَرَياته تدلّ على متانة نسيجه: وهو ذاك الذي لا يستدعي تعمّد اللقاء ولكنه يبدو باقياً على حاله، تجدّد ألَقَه حرارةٌ مستأنفة عند كلّ لقاء وكأن طول العهد بين لقاءين لا يبطل شيئاً ولا يعيد النظر في شيء.
سرّ هذه الديمومة السهلة التحصيل محفوظٌ عند وجيه، على الأرجح، ونصيبي ونصيب غيري منه قليلٌ أو غير حاسم. يكفي أن يكون وجيهٌ هو الطرف الآخر في العلاقة ليكون الأمر على هذه الشاكلة. فهذا الرجل يطوي جانحيه على كنزٍ من الطيبة يكسف كلّ خلاف وعلى ذخيرة من المودّة لا تستنفدها فرقة ولا فراق. ولهذا كلّه تعبير ظاهري ماثل في الخفر الذي يكسو طلعة وجيه وهو يجالس الغريب والقريب وينضح به صوته ولهجته وهو يتحدّث. فإن المصغي إليه يشعر أنه يغالب انخفاضاً أصليّاً في صوته حين يرفعه ويقهر صمتاً أصلياً كان مشدوداً إليه كلّما أخذ في الكلام. وهذه مغالبة للنفس تزكّي الألفة من جانب المحاور إذ تميل به إلى الاطمئنان وتستبعد اتّخاذه سلفاً طرفاً في المغالبة.

**

بمعنىً ما، أمضى وجيه كوثراني عمراً من البحث وموضوع بحثه وجيه كوثراني نفسه. وجد لهذه النفس هُويّات وملامحَ متزامنةً وأخرى متعاقبة.  وهو قد عُني بها كلّها فكرّس لكل منها كتاباً او أكثر ناهيك بالمقالات. ولم يكن التوالي الذي اعتمده لتناولها أمراً مقرّراً سلفاً بل كان يتبع تحرّك الباحث من انتساب فكري وانشغال نفسي-سياسي إلى آخر. فهذا مؤرّخ انتمى إلى مدارات بحثه تباعاً بما هو صاحب دورٍ فيها أو موجّه. فلم يكن اختياره لهذا أو ذاك من المدارات وملازمته إياه مدّة من الزمن،
انسياقاً وراء همّ فنيّ أو معرفيّ وحسب. وإنما كان، قبل ذلك، تلبية لدواعي الانتماء على الصورة التي كانت فيها هذه الدواعي تتقدّم في كلّ مرحلة.ا

ولكن هذا المؤرّخ واجه كلّاً من هذه المدارات لا على أنه مجال للتنزّه المطمئن بل على أنه بؤرةٌ متحرّكة لمشكلٍ أو لمشكلات. وبين مدارٍ ومدار، لم يكن التناول يبقى على سويّة واحدة من الإحكام أو من التبحّر أو من التعمّق. بل إن مسار هذا المؤلّف مسار نضج وتمكّن أيضاً يزدادان من كتابٍ إلى كتاب. ومردّ ذلك، فضلاً عن اكتناز الخبرات وطول المراس، إلى عناية من المؤرّخ راحت تزداد حضوراً بأصول صناعته. حتى ليمكن اعتبار هذه العناية أمراً يتجاوز تحسين الأداة إلى استواء صنعة التاريخ هويّة أخرى للمؤرّخ راحت ميزتها على سائر هوياته تزداد بروزاً على مرّ السنين إلى أن استوت بستاناً وارفاً يتعهّده المؤرّخ وتنتشر ثمرات تعهّده إلى بساتين هوياته الأخرى.ا

إلى الدأب الذي هو ديدن هذا المؤلّف، وهو يظهر، أكثرَ ما يكون الظهور، في اتساع قاعدة الموارد التي يستند إليها كل عمل من أعماله وفي المشقّة التي يقتضيها البحث عن بعضها، اتّسمت أعمال وجيه كوثراني بإقدام واضح في اختيار الموضوع وفي وجهة تناوله. ففي الاختيار لم يردعه تقليد يحصر فئة من الموضوعات بفئة من المؤرخين. وفي التناول لم يتوانَ عن الوقوف في وجه أطروحات كانت تبدو قويّة الشوكة، معنويةً كانت الشوكة أم مادية، إلى حدّ الإرهاب.ا

فمنذ أطروحته الأولى التي كرّسها لجبل لبنان في العهد العثماني الأخير، أصبح، وهو العامليّ،  واحداً من قلائل خرقوا الاحتكار الذي كان يولي أبناء الطائفة، بل أهالي المنطقة أو البلدة أيضاً، نوعاً من الحقّ الحصري في ماضي الطائفة أو المنطقة أو البلدة وحتى في حاضر هذه كلها. كان هذا العمل يجرّ ذيولاً "ماويّة" متحدّرةً من مرحلة في سيرة صاحبه موشكة على الانقضاء. وكان يفتتح همّاً "إسلامياً" ممزوجاً بشواغل التحرر القومي والدولة الوطنية هو ما وسم المرحلة اللاحقة من السيرة نفسها.ا

وحين أصبح الهمّ الإسلامي غالباً، إذ بانت ملامح الحقبة التي اتّخذت عنوان "الصحوة الإسلامية" وبدا الفرع الشيعي منها آخذاً في التصدّر مع استقرار النظام الذي أثمرته الثورة الإيرانية، بقي وجيه كوثراني على مزاجه الجدلي يعاند الطرح الغالب، وهو إذّاك وبعدذاك، طرح الغالبين. وقد تجسّد هذا المزاج، على الخصوص، في كتابين فصل بينهما أزيد من عقد ونصف عقد. الأوّل منهما، وهو الفقيه والسلطان، بدا الشاغل الراهن فيه مستتراً وراء بحث تاريخي مقارن تناول تجربتين متعاصرتين بات يفصلنا عنهما فاصل زمني جسيم هما الدولة العثمانية ودولة إيران الصفوية  ثم القاجارية. ويخلص هذا الكتاب إلى عبرة هي تقارب الفقهين السياسيين السني والشيعي في مرحلة الإصلاح الدستوري بعد أن تباعدا، مسايرَيْن الصراع بين الدولتين، في ظلّ الاستبداد. وهو، بتناوله العلاقة بين الفقه والسلطة في إيران، يوغل في أرض قلّ أن طرقها المؤرخون العرب. فإن القرون العثمانية مفروضة على انتباه هؤلاء بحكم اشتمال الدولة العلية على ولايات عربية تستوي أفقاً غالباً على ذاك الانتباه. وأما الإلمام بالصراع بين تلك الدولة وبين الدولة الإيرانية وبما جريات الصراع في هذه الأخيرة نفسها فبقي مثارَ حذرٍ عند المؤرخين العرب هو الحذر من التوغّل في قارّة غريبة. ذاك حذر كان وجيه كوثراني أيضاً واحداً من قلّة راحت تتجاوزه. ولعل هذا الاقتحام كان قد أصبح لزاماً على هؤلاء ليقابل اقتحام إيران المسرح العربي في غدوات الثورة الخمينية بشدّته المعلومة.ا

هذا الاقتحام يستثير من جانب كوثراني تناولاً صريح الصفة السجالية في الثاني من الكتابين اللذين ننوّه بهما هنا وهو يواجه ما بين "ولاية الفقيه" الذائعة الصيت وما يسميه "فقه الإصلاح الشيعي". وهو يجد هذا الفقه على مقربة منه عند الشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي كان كوثراني قريباً إليه لسنوات كثيرة، ولكنه يبحث عن تجلياته أيضاً في الفكر الشيعي الإيراني نفسه فضلاً عن جهود متمادية، في المضمار نفسه، بذلها فقهاء لبنانيون أحدهم لبناني-إيراني في الواقع وهو موسى الصدر. يبرز هذا الكتاب تعدّد السبل التي وجدها فقهاء الإمامية مفضية إلى الإصلاح وتعذّر اختزالها في واحد هو المنطلق من الأطروحة التي استعادها الخميني ووسّع نطاقها وهي القائلة بـ"ولاية الفقيه العامّة".ا

في هذا السجال وفي غيره ينحاز وجيه كوثراني إلى مزاج كان منتشراً في ما يتعدّى الطرح الفقهي بل في مواجهة الإطباق الديني، المتفاقم في ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته، على مثالي السلطة والمجتمع. هذا المزاج هو الذي يجد مفاتيحه في مبادئ "المواطنة" و"الديمقراطية" وما راح يسمّى "الدولة المدنية". هذا المصطلح الأخير هو الذي تدرّج نحو اعتماده، في مجال الفقه السياسي، فكرٌ إصلاحيّ بعينه معارضٌ، على الخصوص، لنموذج السلطة الجديد الذي استقرّ في إيران وراحت تبشّر به "الأممية" الشيعية بصيغتها الخمينية. وفي صدارة هذا التيار الإصلاحي أيضاً، وقد جهد وجيه كوثراني في التأسيس التاريخي له، كانت ماثلة، في مضمار الاجتهاد الفقهي، صورة محمد مهدي شمس الدين.ا

وقد يصحّ القول أن هذا الشاغل الجديد يمثل انعطافاً بيّناً في المسار الكوثراني الذي كانت السيطرة الغربية ومواجهة الشرق الإسلامي لها، بمفكّريه المختلفين وبجماعاته المتنافرة معاً، أليفة لمعظم محطّاته الأولى. تلك مرحلة اشتغل كوثراني فيها بأعمال رشيد رضا وما شهده "المؤتمر العربي" في باريس سنة 1913 من خطب وما أسفر عنه من مقررات، إلخ. وكانت "الدولة الوطنية" هي المتصدرة في مدونات كوثراني خلال تلك المرحلة تقابلها "الدولة السلطانية" الآيلة للسقوط. على أن الانعطاف اللاحق إلى النظام "الديمقراطي" أو "الدولة المدنية" ومتفرّعاتهما ليس، بأي حال انقطاعاً عمّا سبق. ولا ينبغي أن يُعدّ الانشغال بمحسن الأمين أو بمحمّد جواد مغنية وموسى الصدر أو بعبد الكريم سرّوش هجراناً للكواكبي أو لرشيد رضا أو لمحمد كرد علي. وإنما هو استحواذ المثال الإسلامي للمجتمع على الدولة على ساحة كان يتصدرها مثال "الدولة الوطنية" وهمّ "التحرّر القومي". وهو، على الأخصّ، بقاء كوثراني، وهو المؤرخ الراسخ القدم في التاريخ، راسخ القدم أيضاً في الحاضر، منخرطاً، مباشرةً أو مداورةً، في صيغة السجال الذي تستدعيه همومه.ا

ساق كوثراني بعصاً واحدةٍ هوياته الكثيرة: عروبتَه وإسلامه وتشيعه ولبنانيته وشاميّته وانتماءه إلى ضعفاء العالم وعثمانيته وحداثته المدنية أو الديمقراطية وحرفته التاريخية. وكانت تبتعد عنه حيناً شاةٌ من هذا القطيع وكان يولي عنايته أخرى يراها محتاجة إلى العناية قبل أن يستعيد إليه التي ابتعدت. وقد أشرتُ إلى ما لازم سيرته من إكباب على إتقان حرفة المؤرّخ: على تعلّمها وعلى تعليمها. وقد يكون أبرز أقرانه العرب في هذا المضمار منذ أسد رستم. وقد تجاوز هذا الأخير بشوط واسع إلماماً بما جاء به الأعاجم والأعارب في نظرية التاريخ وأصول الصناعة التاريخية نظراً وتطبيقاً. وهو قد اشتمل في عيّنته على معاصرين له مجدّدين لم يكن لرستم أن يعرفهم بطبيعة الحال. ولكنه نبش من بين قدماء المسلمين أيضاً وجوهاً مؤرِّخة أو مهتمة بأصول الصناعة التاريخية لم يفطن إلى أهميتها رستم. هكذا بدا كتابه الأخير تأريخ التاريخ، وهو متابعة وخلاصة لجهود سابقة، هديّة إلى الناشئة المؤرّخة، على التخصيص، ولكن إلى شيوخ المهنة أيضاً. فإن في هذا الميدان، لا ريب، كثيراً ممّا يفوت الممارس الالتفات إليه أو استخلاصه من خبرته. وميزة كوثراني أنه ظلّ، فيما هو لا ينفكّ يمارس وينتج، يتعلّم بدأبٍ قواعد الممارسة والإنتاج ويستقصي آفاق الخيارات التي يأخذ منها كلّ مؤرّخ ما يأخذ ويترك ما يترك. وها هو يقدّم في كتابٍ حصائلَ عمرٍ من التعلّم ومن الممارسة ومن التأمّل في الممارسة والتعلّم أيضاً.ا


**

كثيراً ما ساورني تحفّظ أو ارتياب وأنا أقرأ كتاباً أو مقالة لوجيه كوثراني. وكان مصدر التحفّظ أو الارتياب، على الدوام، اختلافاً بيننا في منطلقات وخياراتٍ عامّة. وقد أفضيت، قبل عقود، برأيٍ نقديّ منشور في كتاب وجيه الأوّل. على أننا تغيّرنا كثيراً – لحسن الحظّ – وجيه وأنا، ونحن نعاني وننظر ونشهد. وأشعر اليوم (من غير تحقيق أزعم إجراءه) أننا تقاربنا، من جديد، في الفكر، على غرار ما كانت حالنا في ماضٍ بات سحيقاً. وبهذا التقارب وبدونه أشعر بسعادة خاصة إذ تجاور بلاطتي الأنطونية بلاطةٌ لوجيه. عسى ان ينتشر في البلاط دفءُ صداقة لم تفتر يوماً.ا

مرحباً يا وجيه!ا

بيروت في أوائل آذار 2014

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top