عماد فؤاد: سبع قصائد... وعلامة تعجُّب

3:41:00 ص
الحصار

ما يحيِّرني
ليس الرَّجلُ الذي ظلَّ صامدًا بين الأسوارِ
تحيطُه الجثثُ ورائحةُ الموتِ من كلِّ ناحيةٍ
ليس الرَّجلُ الذي اتّخذَ من جوعِه سندًا
ومن قلبِه درعًا
ما يحيِّرني
ليست السِّهامُ التي ما تكفُّ عن الطَّيرانِ عاليًا
قبل أن تسقطَ كلُّها في الموضعِ نفسِه
من قلبِه
حتى إنّ السِّهامَ الجديدةَ تضطرُّ إلى أن تفلقَ القديمةَ
كي تنغرسَ عميقًا في النُّقطةِ ذاتِها
من قلبِ قلبِه..
ما يحيِّرني
ليس قلبُه
قبضةُ اليدِ النَّابضةِ التي ظننتُ في البدايةِ
أنَّ السِّهامَ القادمةَ من علٍ
ستفتِّتُه تمامًا
وتجعلَ منه مصفاةً مخرَّمةً
أو تحطِّمُه إلى ألفِ قطعةٍ
ما يحيِّرُني
هم هؤلاء
الذين يربضونَ خلفَ الأسوارِ بصبرٍ
لا ينقصُ ولا يكلُّ
يفتحون أقواسَهم الواسعةَ
ويثبِّتون سهامَهم فيها
ثم يطلقونَها بعينينِ مفتوحتينِ على اتّساعِهما في الشمسِ الحارقةِ
كيف كانوا يصوِّبون بحقِّ اللهِ
وهم لا يرونَ شيئًا من الرَّجلِ القابعِ خلفَ الأسوارِ
كيف عرفوا موضعَ القلبِ
كي يجعلوا سهامَهم
تسقطُ هكذا
طوالَ الوقتِ
في النُّقطةِ
ذاتِها؟!


تسامح


الصَّائدُ الذي كان يتباهى بسرعتِه في اقتناصِ الفرائسِ
الذي لم تضنَّ عليه الحيلةُ باللامعِ والجديدِ والمبتكر
الجالسُ الآن في الرُّكنِ يمسحُ ضوءَ عينيه من مياهٍ غامضةٍ
كبرَ...
لم تعد سرعتُه كافيةً لمباغتِة الضَّحايا الجددِ
صغيراتِ السِّنِ وبريئاتٍ
لكنَّهن يملكن فطنةَ الحرصِ
يحتمين من فخاخِه وأسلحتُهنَّ مخبّأةٌ في الملابسِ
لا يملكن خبرةَ الهروبِ من شباكِه
فهنَّ - أصلاً - لا يقتربنَ منها
لكنَّهنَّ رحيماتٌ به
يدعنه - رغمَ ذلك -
يمرُّ جوارهنَّ في سلامٍ

الصَّائدُ
الذي كان يتباهى بسرعتِه في اقتناصِ الفرائسِ
أصبحَ متسامحًا
بل وامتلكَ بعد كلِّ هذه السِّنين
ابتسامةً راضيةً
بعد كلِّ هزيمةٍ.


رحيق

وأقولُ: يا آدم..
فتطير الفراشات تاركةً للنَّحل مُهمَّة الرَّحيق
ويُزهرُ الصَّبارُ العنيد في الشُّقوقِ

وأقولُ: يا إيليا..
فيتبسَّم الرَّبُّ في الأعالي
وتعود الفراشات برحيقٍ غامضٍ
لتحطَّ على يديّ.


طاعة

محجَّبةٌ
كلَّما ضربَها هواءُ الصُّبحِ
تكورتْ حبَّتا كرزٍ صغيرتانِ
تحت سوتيانها الرَّقيقِ
كأنَّ حبيبها البعيد
همَّ بمدِّ أصابعه النَّحيلةِ
أو حتّى
اكتفى بالنَّظرْ.


!

تحبُّه
ويحبُّها
....
........

لكنَّها
....
........

جعلتْ له
في كلِّ عاصمةٍ
عشيقة!


وقلت إذا...


وكنتُ إذا استدرتُ أراها، وإذا أغمضتُ عينيَّ أراها، وكنتُ إذا سرتُ يمينًا أو يسارًا أو نزلتُ أو صعدتُ أو جلستُ أو وقفتُ أو رميتُ نفسي من الطَّابق العشرين أراها، وقلتُ إذا استطعتُ أن أغمضَ عينيَّ وأتجاهلَ رقودَها عاريةً على كنبةِ الصَّالون أمامي، وإذا نسيت أنَّ لي أنفًا يشمُّ رائحتها، وإذا نسيتُ أنَّ لي يدين تستطيعان تجاهلَ نهديها الملفوفين أمام عينيَّ الآن غافيين في سوتيانها الأسود، وإذا نسيت أنَّ لي عشرة أصابعَ تستطيعُ أن تتجاهل خصلاتِ شعرها المحلولِ، وأنَّ لي لسانًا يقدرُ أن يتناسى طعمَ لسانِها ملفوفًا وساخنًا ومحمومًا، وإذا انشغلتُ بالتَّدخين.. سيجارةٌ تُشعل من أخرى، وإذا أعميتُ قلبيَ النَّابضَ أمامها الآن بغشاوةِ الخمرِ والنَّبيذِ والكحولِ والمارجوانا
فسوف تختفي من أمامي
ستصبحُ كنبةِ الصَّالون فارغةً وخاليةً
كي أتمدَّد أو أتعرَّى أو أتقلَّبَ أو أنكمشَ أو أقفزَ من فوقها على البلاط
لأرجع هذا الصَّبيَّ البريءَ من دمها
هذا الطفلَ الذي يجري فيسقطُ
فيقومُ فيجري فيسقطُ
لاهيًا عن يوم سيجلسُ فيه جلستي هذه
أمام جثَّةِ امرأةٍ تحتلُّ كنبةَ صالونِه الوحيدةِ
يدورُ حولها
وهْي ترمقُه كذئبةٍ ميتةٍ
بعينينِ نصفَ مفتوحتين.


قَسَم


... والتَّفاصيلُ
... والأشياءُ تتراكم فوق بعضها البعض
... والذِّكريات
... وقُبَلٌ لا تعدُّ ولا تحصى
... ودموعٌ جفَّفتْها مناديلُ الوحدةِ مرَّة
    ونسيتها مناديلُ الرَّحمةِ مرَّات
... وألفُ مشاجرةٍ
... وألفُ مصالحةٍ ملفَّقةٍ لأجل عناقٍ يطولُ أو يقصرْ
... ورجلٌ يغادرُ في الضَّبابِ
... وامرأةٌ تتلاشى في الوضوحِ
... ما من لغةٍ يا أبجديّةْ
... وما من أبجديّةٍ
    يا لسان.


وردة

أنا الرَّسولةُ
أوراقي نديّةٌ كي أقولَ إنَّني أنعمُ من خدِّ الحبيبةِ
وأشواكي حادةٌ تنغرسُ في الأناملِ
كي أحميَ نفسي من هشاشةِ نفسي

الرَّسولةُ أنا
يزرعونني في البساتينِ كي أنفثَ العطرَ
أُلقى على الجثثِ وفوقَ القبورِ
تُفرَطُ أوراقي فوق ماءِ الجميلةِ
قبل أن تتحمَّمَ
ويقطفونني في الموتِ وفي المحبَّة.


أنا الرَّسولةُ
نديّةٌ في الأصابعِ
ومجفَّفةٌ ومنسيةٌ
بين صفحاتِ الكتبْ.



شاعر مصري مقيم في بلجيكا
http://www.emadfouad.com

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا