فرح جبر: كافكا والنساء... المرأة كائن الكتابة لتزيين الجثة بالأنوار

1:08:00 م

 كيف يمكن الحديث عن فرانز كافكا اليوم، في الذكرى الثمانين لوفاته الجسدية؟ لا يزال الكتّاب يفتشون عن ألغازه واساطيره الغرائبية الواقعية. وفي المدة الاخيرة تجلت الحماسة لدى البعض لترجمة كافكا الى العربية، اضافة الى حماسة شبابية في قراءته. لقد اصبحت كلمة كافكوي سائرة مثل كلمة "شكسبيري" و"دانتيّ". و"هناك "كافكالوجيون" في الكتابة، من صادق هدايت الى كونديرا الى ايمري كيرتش وغيرهم. بمعنى آخر صار كافكا رمزاً والرمز مصطلحاً يجدر التعامل معه بحذر كبير، "حتى انا بالفعل، لم أعد اعرف ما الذي يكون رمزاً"، يقول المفكر والروائي الايطالي امبرتو ايكو. كافكا رمز في كل شيء. في علاقته بمدينة براغ وفي تنظيراته عن الكتابة، عن اصوله اليهودية وسلطة والده ورمزية مسخه وصولا الى علاقته بالفتيات والمومسات والجنس. ولا اظن اديبا واحدا اجتمعت المتضادات في وصفه مثلما اجتمعت في كافكا. ففيما كان البعض يصفه بأنه واحد من عظام كتّاب الواقعية، اعتبره فريق آخر الإرهاصة الأولى التي دشنت العبث الوجودي وتهيأ لآخرين انه اول من وضع أسس الأدب السوريالي، فيما اعتبره فريق آخر من كبار كتّاب الرمزية. وتتابعت التشخيصات متنافرة: فهو اشتراكي، ملحد، مؤمن، متشائم، متفائل، سوداوي، يهودي، انساني، عابث، باحث عن الحقيقة. قبل مدة صدر في فرنسا كتاب بعنوان "كافكا والفتيات" للباحث الفرنسي دانيال ديماركت، وفي مصر ترجم كتاب "محاكمة كافكا الاخرى" لالياس كانيتي ويتناول علاقة كافكا بعشيقته فيليس باور. بين الكتابين وكتابات اخرى نلاحظ كابوسية كافكا المريرة في الحب وفي العلاقات العاطفية والغرامية. فهو يحلم بالحب على طريقته كما يحلم بالحياة. يطلب المستحيل من الفتيات، على غرار ما يطلب من الادب والكتابة. يعشق الفتاة من بعيد وحين تقترب منه يبتعد عنها، وحين تهرب منه يحاول استرجاعها. يخطب الفتاة لكنه يرتعب من فكرة الزواج.


كافكا حالم ابدي وكابوسي ابدي، لا يستفيق من كابوسيته واحلامه التي تخلقها الفتيات العابرات في حياته. ينتظر شبح المرأة ويؤجل لقاءه الجسدي بها الى ما لا نهاية. جعل من المرأة كائنا يحسه من خلال رسائله اليها. لم تكن المرأة اكثر من كائن للكتابة، يجد كافكا في علاقته بها المسوّغ الحقيقي للنص الادبي الروائي والقصصي. فإذا وجد أيّ ثابت اساسي في طبيعة كافكا، فإنه هذا التناقض بين الحاجة الميؤوس منها الى علاقة، والعجز عن اقامة علاقة. هذا العجز الذي لا يغلب، والذي يتفاقم احيانا فيتحول "رغبة في وحدة بلا وعي" (كافكا)، او "خوفاً من الاتصال، من الانسياب الى الطرف الآخر. فلا اعود وحيدا قط". من هذا التناقض ينشأ شعور الانفصام المتواصل.


الفتيات اللواتي كن يعجبن كافكا لم ينل وطره منهن. سيكتب خبرته الجنسية مع الخادمات وبائعات الهوى. ففتاة الهوى التي امضى معها ليلة، لا يذكر شيئا عن عريها ولا عن لمساتها او قبلاتها. لقد ايقن كافكا ان الجنس مخز او انه مرادف للقرف والوساخة والرعب. ويزداد هذا الرعب في احدى رسائله الى فيليس. يقول: "ان روح المخدع الزوجي في البيت والشراشف التي اتسخت وقمصان النوم المبسوطة بعناية تثير قرفا فيَّ يصل الى حد الغثيان".

رافقت انعكاسات بيوت الدعارة كافكا حيثما ذهب، وكتب في يومياته: "ان الرغبة الجنسية ترهقني وتعذّبني ليلا ونهارا. يجدر بي لاشباعها ان اتخطى خوفي وخجلي وحزني ايضاً". لكن هذا لم يمنعه من ا غتنام اول فرصة تلوح، الا انه سرعان ما كان يشعر بأن الرغبة الجنسية التعيسة تدينه فيعتقد انه لا يصلح الا للمواخير، وهذا ما آل الى استنتاجه قبل وفاته بسنتين، اذ ان كل ما يستحقه هو هذه المرأة العجوز المجهولة الوسخة صاحبة الساقين المتهدلتين، التي تسحب منّيه بلحظة واحدة، وماله، ثم تستعجل الذهاب الى الغرفة المجاورة حيث ينتظرها زبون آخر. يراهن كافكا على الفتيات العشيقات ويبتعد عنهن. اول رهان له كانت فيليس التي التقى بها مصادفة في زيارة لصديقه ماكس برود ليل 13 آب .1912 في تلك الليلة لم يتوقع ان يجد فيليس في بيت صديقه. للوهلة الاولى اعتقد انها الخادمة. ثم جلس يراقبها بعدما صافحها. منذ لقائه الاول بها لن ينسى أياً من التفاصيل في شكلها. وبعد شهر قرر كافكا ان يكتب لها، حتى اخذت الرسائل تتوالد الواحدة تلو الاخرى الى ان بات يعرف عن فيليس كل شيء، فطورها، مواعيد عملها، لباسها واصدقاءها. في 16 حزيران 1913 قرر ان يعرض عليها الزواج. وحينما تسلّم ردها المختصر بكلمة "نعم"، شعر بالنفور في داخله فبعث اليها برسالة يقول فيها: "اطلب الزواج، وانا اشعر بوهن شديد، حتى ان ركبتيّ ترتعشان لدى قراءتي كلمة "نعم" في بطاقتك البريدية".


مراسلات كافكا التي تعتبر الشاهد على علاقته العذابية مع فيليس وضعها الياس كانيتي في كتاب بعنوان "محاكمة كافكا الاخرى" محاولا الكشف والاكتشاف. ربما اختار كانيتي العنوان دلالة على العلاقة الرسمية التي ارتبط فيها كافكا بفيليس والتي ظل خلالها قلقاً، مراوحاً بين خطر ان تحتل الحبيبة مركز حياته وتصرفه عن الكتابة، والوحدة التي عشقها وبغضها في آن واحد.

تبدأ المراسلات بعد أول لقاء لكافكا بفيليس في الثالث عشر من آب ،1912 وفي اليوم التالي أرسل الى صديقه قائلا: "كنا نرتب النصوص وكنت أنا تحت تأثير هذه الفتاة". وتأتي المكاتبات رسائل يومية يكتبها كافكا وتجيب عنها فيليس على وجه السرعة.


تطورت العلاقة بين كافكا وفيليس واخذت منحى جديداً سعت فيه فيليس للارتباط الرسمي بكافكا، لكنه بدوره سعى الى التملص قدر المستطاع، مستخدماً في ذلك كامل قدرته على المناورة والتنفير. فتارة يستخدم الكتابة محاولا إقناعها بأنه خلق للكتابة دون شيء آخر، وطوراً يسوق لها معاناة مرضه وجسده الهزيل مشفقاً عليها من الحياة معه. فيقول لها: "اسلوب حياتي موجه فقط للكتابة".


كانت فيليس بالنسبة الى كافكا مصدر أمان وقوة. يبتعد بقدر كاف لجعل حساسيته شفافة كي لا تزعجه شدة القرب منها. هي امرأة موجودة دائماً هناك. امرأة لم تنتظر منه أكثر من كلماته، فما كان منه الا الإسهاب في الحديث عن نفسه وذاته وكتاباته وعصابياته ووجوده، فيروح يسرد شكاواه مهما كانت، اذ يجب الا يحتفظ بشيء فربما أحبطه ذلك الشيء اثناء الكتابة.

بعد اربع سنوات وقبل فسخ خطوبته مع فيليس باور كتب لها: "تعرفين ان شخصين اثنين يتصارعان في داخلي. ومن مجرى الصراع طلعت طوال خمس سنوات بالكلمة وبالصمت وبمزيج منهما". ينعكس الازدواج الشخصي في اليوميات وفي رسائله الى فيليس عامي 1915 و1916 حيث يقدم كافكا طبيعة مزدوجة (انا - هو).

وليس غريباً ان تكون الشكوى من احوال الجسد ابرز ما يميز رسائل كافكا الى فيليس. فكل شيء يرتبط بذاك الجسد الذي لم يهدأ. اما على الجانب الآخر فأكثر ما يميز تلك الفتاة التي احبها كافكا انها امرأة بسيطة يملأها بنهم كبير ورغبة عارمة في الثقافة، وهو الجانب الذي اعجب كافكا وأثار رغبته الشديدة وخصوصاً عندما سردت أمامه أسماء الكتّاب الذين تعجب بهم. هو يحتاج الى سندها كدعم مستمر له في عمله، وقد مارس كل هجمات الغيرة بهدف تغيير فيليس. كانت خجولة ولم يكن في وجهها اي الق. اسنانها محشوة بالرصاص، وغالبا ما عبّر كافكا عن نفوره من هذه الاسنان. غير أنه كان قد صوّرها فتاةً صغيرة تسحره فيحملها معه في اسفاره وينظر اليها طويلا فتغرورق عيناه بالدموع. وكان يشعر بالشفقة حيال الصغيرة التي لم يعذبها احد. اما فيليس المرأة فكان يشعر بالتحفظ حيالها: "اشعر انني اقرب من الفتاة الصغيرة واستطيع ان اقول لها كل شيء، اما السيدة فتشعرني بالكثير من الاحترام". ويضيف: "لو خيّرت بينهما في الحياة لامكنني القول ان الفتاة الصغيرة هي التي تقودني الى الآنسة الكبيرة". كانت الصور الكثيرة لفيليس في صغرها هي التي تقربه من المرأة الشابة.

لكن المعركة مع فيليس كانت وجودية. فحين اعلنت خطوبتهما في العام ،1914 ازداد خوف كافكا من الزواج الذي اصبح وشيكا: "لا احتاج الى شقة، لا بل انها تخيفني". فقد كانت كل مشاريع فيليس ترعبه، وايضا كل ما له علاقة بالزواج. بعد ستة اسابيع من الخطوبة قال كافكا في يومياته عن نفسه: "انا شيطاني مع كل براءة". وقد رأى كافكا ان "الذنب يكمن في اللاوجود، وعدم النضج، والتردد قبل الولادة، وضعف العلاقة بالحياة". يعود هذا الذنب الى ضعف العلاقة ازاء عالم البشر بكامله، وخصوصا علاقته بفيليس باور، وذلك لأن كافكا في الحقيقة يعرف منذ البداية انه عاجز عن الارتباط.


في رسالة الى فيليس يشخّص كافكا ازماته: "ليس لديّ اهتمام ادبي، أنا مصنوع من ادب، لست شيئا آخر ولا اقدر ان اكون شيئا آخر". وفي رسالة اخرى يعلن كافكا ان الكتابة انما تعني "تزيين الجثة بالانوار"، وأنها "عمل مميت". ورغم ذلك يشعر كافكا ان العازب "ليس افضل من حشرة". ثم يقرر وفيليس ان يخطبا من جديد في تموز ،1917 ولكن هذا لن يؤدي الى نتيجة. بدا الزواج لكافكا مشنقة تحرمه تلك الهواية التي احترفها في شكل اقرب الى التقديس، وحفاظا على تلك القدسية يروح يكدّس الصعوبات في وجه فيليس امام حياة زوجية مشتركة، معبّراً لها عن تخوفه من مستقبلهما معاً ومن التعاسة التي قد يسببها لها مزاجه. بل واكثر: "انا في الاساس مخلوق بارد، اناني وقاس على رغم ضعفي"، ويتمادى كافكا في شحذ الاسباب لافشال رغبة فيليس الزواج منه، بل بالاحرى لانقاذ نفسه من هذا الزواج، الذي يصفه لها بأنه "مصيبتك يا فيليس".

دودة ارض

كان كافكا شديد الحساسية تجاه جسمه، وقد تنبه الى ذلك منذ طفولته، مما جعله مراقباً بانتباه لجسده الذي كان ميزان حياته كلها وسبب نفوره مما هو خارج هذا الجسد. فنجده يحرص على تجنب الضوضاء ويعتبر غرفته ملجأه الشخصي بل جسده الخارجي، ولا يطيق الزوار. حتى العيش مع اسرته اعتبره مصدر عذابه فيقول لها: "اكره في شكل قاطع كل اقاربي، ببساطة لانهم اشخاص اعيش بالقرب منهم". وقد بلغت مناورات كافكا مع فيليس لتنفيرها من الحياة معه مبلغها حين قال لها: "لا يمكنك العيش معي يومين، انت فتاة ترغبين رجلا لا دودة ارض رخوة".

بعد فشل الخطوبة بينهما، حاولت فيليس الاستعانة بصديقتها غريت بلوخ للتوسط بينها وبين كافكا ومحاولة اقناعه بالارتباط الرسمي بها، غير ان كافكا حوّل عواطفه واهتمامه نحو الصديقة وراح يرسل اليها خطابات يدحض فيها اسباب عدم اتمامه ذلك الارتباط، وفيها بالطبع جانب يسيء الى فيليس. وعلى رغم العلاقة بين الصديقتين، ظلت علاقته ببلوخ سرا، ولم تجد هذه الأخيرة من دور لها سوى ان تحاول مواجهة الطرفين معاً، فيليس وكافكا. وقد تحقق لها ذلك، وكانت بلوخ هي القاضية الفعلية في رواية "المحاكمة" ولم يقل كافكا كلمة واحدة يدافع فيها عن نفسه، إذ تظهر الرواية كأنها اعتقال في الفصل الاول واعدام في الفصل الاخير. فما كان منه الا ان اقصى فيليس عنه حتى ينجز الرواية،. فصارت الرسائل بعد ذلك عائقاً يربك عمله ويشتت انتباهه.

واصل كافكا علاقته بفيليس مرة اخرى لكنه هذه المرة سيقصيها من الداخل. لم تعد علاقته بها دافعاً، ولم تعد الرسائل ذات صدى كما كانت عليه في ما مضى. سيقل عدد الرسائل من كافكا وتشكو فيليس عدم الكتابة اليها، الى ان يصلها خطابه ما قبل الاخير حاملا آخر الصراعات التي مر بها الطرفان في هذه العلاقة، وهو الخطاب الذي اعتبره كانيتي اسوأ خطابات كافكا لفيليس: "انا مخلوق كاذب، وهذه هي الوسيلة الوحيدة للمحافظة على توازني، فقاربي هش".

فجأة، في ليل 9 او 10 آب 1917 استفاق كافكا على سعال دام غزير فتبين له في ايلول انه مصاب بداء السل، فتبدأ رحلة كافكا مع المرض الذي يتصوره نتيجة صراع نفسي: "لديّ الحق ان اقول اني مزقت نفسي". فليست روحه هي المصابة في صميمها بل جسده ايضا، وفي لحظة وداعه النهائي لفيليس في كانون الاول من العام نفسه، لم يكن يبكي المرأة بل انقطاع الرسائل. وبعد رحيل فيليس يدون كافكا في يومياته: "كل شيء صعب، باطل، وصحيح مع ذلك".

استخدم كافكا المرض كوسيلة للدفاع الاخير في وجه فيليس، قاطعا عليها اي محاولة للمصالحة، اذ انه لم يعد يعبأ بأي شيء سوى سلامه الداخلي.

ميلينا البائسة

في سنة 1922 تغيّرت حياة كافكا جذرياً وإن ظل من الناحية النظرية موظفا في مكتب التأمينات. فقد امضى وقتا طويلا في مصحه وأحب امرأة تشيكية حباً عميقا هي ميلينا جيرنسكا التي ترجمت بعض اعماله الى اللغة التشيكية، وهذا كان السبب في نشوء علاقتهما التي كانت ربما من اميز التجارب، ذلك لأن المرأة كانت تعيش تجربة زواج بائس وربما لم تكن ترغب في ترك زوجها، الى درجة انها هي وكافكا لم تتلاقيا الا مرات قليلة. لكنهما كانا يشعران بحنان زائد وكانت مثل تلك الظروف مثالية بالنسبة الى شخص في وضعه. فهي امرأة يمكنه ان يحبها، لكنها لا تستطيع الزواج منه. كان كافكا يريد امتلاك ميلينا روحياً ويترك الامتلاك الجسدي لزوجها. لذا كان يراها بعين الفتاة: "بالنسبة اليّ ليست امرأة بل فتاة شابة، لم اعرف في حياتي فتاة اشد حباً منك". لم تكمل ميلينا دراستها الجامعية، مفضلة التردد على مقهى اركو حيث يلتقي الادباء. كانت تحب الادب ومعجبة بكافكا الذي دعته الى فيينا فقبل الدعوة ووصل في 29 حزيران 1920 حيث نزل في فندق ريفا. وكان اللقاء معه من الاربعاء حتى السبت. "اليوم الاول كان يوم الشك والثاني اليقين العظيم والثالث الندم والرابع الافضل". استطاعت ميلينا خلال ايام قليلة ان تغير حياة كافكا، روّضت خوفه وساعدته في شفائه قليلا. وما ان عاد الى براغ حتى بدأ يبعث الكثير من الرسائل. هام بميلينا هيام العاشقين، لكن، مع كافكا، لا العشق عشق ولا العلاقة علاقة. كل شيء كان يتشكل من الكوابيس والتقلبات اليومية والمزاجية والكابوسية.

كانت ميلينا على يقين بأن كافكا لا يرجى من شفائه. فكلما لوّحت له بالمجيء الى براغ في احدى رسائله، كان يحاول اقناعها بالعدول عن ذلك. يرغب فيها اكثر من اي شيء آخر لكنه لا يريد ان يلقي برأسه فوق الابدية كلها.

دورا الحب المشؤوم

في العام 1999 نشرت صحيفة "ذا غارديان" البريطانية مقالا مطولاً بعنوان "حب كافكا المشؤوم" كتبه يهودا كورين وترجمت ملخصه احدى الصحف. كشف عن تفاصيل في حياة دورا ديامان، حبيبة كافكا الاخيرة لمناسبة كشف اقاربها في اسرائيل النقاب عن مكان ضريحها في مقبرة بلندن بعد عقود على وفاتها في بداية الخمسينات.

دورا فتاة يهودية، بولونية المولد، تعمل خياطة وتدرس في الوقت نفسه اللغة العبرية. كانت آخر فتاة في حياة صاحب "المسخ". كائن رائع. مزيج من البراءة والجمال والشغف. التقاها كافكا في العام 1923 على ساحل البلطيق عندما كان يتعالج من السل وقد انهكه المرض وافقده قدرته على التسلط، واغرقه في اليأس. كان دخول دورا في حياة كافكا يمثل اكثر لحظات وجوده وهجاً، هو الغارق في الكابوسية الدائمة. بل ان علاقة كافكا بدورا تبقى الاكثر ثباتاً.

اللافت ان علاقة دورا بأبيها كانت شبيهة بعلاقة كافكا بأبيه: كابوسية غرائبية تسلطية. فقد هربت من البيت بعد وفاة والدتها وزواج ابيها، فتتبعها والدها الى هناك واعادها الى البيت، لكنها ما لبثت ان هربت من جديد، فاضطر ان يتركها لحريتها، على عكس والد كافكا الذي عامل ابنه بروح استبدادية مما دفعه الى ان يكتب له: "انت وراء كل معاناتي"، اذ كان في نظره "صورة مصغرة للمجتمع الضاغط الذي يدفع الى الاحساس بالغربة، ويخنق شخصية الانسان".

في "المحاكمة"، ابن يخبر اباه عن خطوبته، ويطلب منه ان يقتل نفسه فيستجيب رغبة ابيه بكل طاعة. كل قصص كافكا يمكن ايجازها بأنها محاولات للهرب من ابيه. ورغم ذلك، هو لم يهرب تماماً لأن اعتذاره يتخذ شكل "رسالة الى الوالد". لقد كانت الحياة مستحيلة بدونه، استحالتها بوجوده. هكذا كان راغباً في قطع علاقته نهائيا بأبيه وقد ساعدته علاقته بدورا في الانفصال عن اهله من دون ان تنقطع علاقته بشقيقته التي كان يحبها بقوة.

انتقل كافكا الى برلين للسكن مع دورا التي غمرته بالسعادة وتفهمت قلقه العصابي. وفي شتاء 1924 اصيب كافكا بارتفاع في حرارة جسمه، فسعت دورا بجهد لتمريضه كي يشفى، لكنها اضطرت بحزن شديد امام تفاقم حالته الى تركه لعائلته والعودة الى براغ. وظل كافكا يكتب اليها الرسائل يوميا، ولم يسمح لها والده برؤية ابنه الا عندما نقل الى المستشفى في فيينا.

عندما حان احتضاره افتقد كافكا وجود دورا التي كانت ذهبت الى مركز البريد لأسباب خاصة. ارسلت الممرضة لاستدعائها، فصادفتها قادمة بسرعة وفي يدها باقة زهور. عادت دورا حابسة انفاسها في شوق لرؤية حبيبها. قالت الممرضة: "ان كافكا نهض من سريره بعدما أتت دورا، وشمّ الزهور، رغم انه كان بالفعل انسانا من وراء العالم". وكتب الطبيب الى اهل كافكا يصف اللحظات الاخيرة من حياة كافكا: "من يعرف دورا، هو فقط يستطيع ان يعرف ماذا يعني الحب".

الفراش

الفراش مكان الولادة، والنوم والعجز والمرض. مكان الهدوء والراحة. مكان الحب والجنس. مكان الانجاب. مكان القراءة. ومكان الموت.

واذا كان الفراش مركز امان ونوم في نصوص كافكا، فان الاتصالات الجنسية في هذا المكان ليست هي الاحداث الغالبة، وإن لم تكن غائبة. فللفراش في حياة كافكا وأدبه حضور خاص. هو نوع من الحصن تتحصن فيه السلطة، ومن طرف آخر هو مرض. وفي هذا المعنى هو تعبير عن وهن السلطة.

السرير مكان الجنس والموت معا. ومثلما كان كافكا يريد المرأة ويهرب منها، كانت هذه المرأة في أدبه هي الكائن الذي يبقى لكن متحوّلاً الى كتابة. ففي كل مرة كان كافكا يلتقي بفتاة جديدة، كانت العلاقة تنتهي بانتصار الكتابة على متعة الحياة والسعادة.



فرح جبر - ملحق النهار - 22.02.2004

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا