محمود الحجيري(*): يوم أُحرق متحفي

2:52:00 ص
عند مطلع ذلك الفجر المشؤوم اشعلت النار عمداً في محلي الكائن في احدى الساحات  بعد الصقت اوراق على الجدران المحيطة تحمل البصمات الاسلامية بتهمة اني ابيع المنكر، ورغم تدخل الجيران والدفاع المدني فقد اتت النيران على كافة محتويات المحل تحت نظر القوى الأمنية من مخفر البلدة وصولا الى كافة الاجهزة بشكل مباشر وغير مباشر أي عبر مخبريها، وقد اتت النار على ما يقارب 2000 كتاب، وقد كانت هذه المكتبة عبارة عن مكتبة عامة يقصدها العديد من اهالي البلدة لاستعارة الكتب وخاصة الطلاب حيث كانت تستقبل العشرات منهم سنويا من اجل البحث والتزود بمعلومة، وحوالي 250 لوحة فنية وقطعة انتيكا وأرشيف تاريخي استغرق جمعه عشرات السنوات من جهد و" بحبشة " في ذاكرة الناس والوثائق والملفات بالإضافة الى محتويات المحل من اجهزة كهربائية وبضائع معدة للبيع والشراء وما لحق بالبناء من اضرار جسيمة وقد قدرت الخسائر المادية بحوالي 50 الف دولار عدا الخسائر المعنوية والأدبية، حيث كنت ازعم اني منجز ثلاثة كتب جاهزين للنشر وكنت افتش عن ممول او مساعد لنشرهم  الاول يتضمن تاريخ وحكايا وعادات محلية، والثاني يتضمن نصوص تشبه الشعر او الخواطر الانسانية والوجدانية والأخير عبارة عن موسوعة للأمثال الشعبية يتضمن 2500 مثل مبوبين حسب المضمون والاهتمام. وكانت المكتبة شبه مكتبة عامة مفتوحة امام الطلاب والباحثين عن معلومة وقد استفاد منها العديد من ابناء البلدة، وفي صباح ذلك اليوم استدعوني مخفر البلدة وفتح محضر بما جرى واخذوا اقوالي ورفعت دعوى ضد مجهول،E
بقيت حوالي الاسبوع في حالة ذهول ولست مصدق ما جرى، وعندما "امتصيت" الصدمة بدأت في التفكير بإعادة الترميم والانطلاق من بين الرماد وبقوة وزخم اشد، اتيت بعمال لتنظيف المحل وإزالة سواد القلوب الحاقدة وما تركته على الجدران، وعندما بداؤا بالعمل سألوني : ماذا تريدنا ان نترك هنا؟ اجبتهم: لا شيء !! وعندما وصلوا الى رماد الكتب ظهر كتاب "مذكرات غاندي " مع مجموعة اخرى لم تحترق فتدحرجت دموعي لا اراديا، واعتبر هذه اللحظة اصدق لحظة تأثر بحياتي ولم اعرف سبب ذلك في تلك اللحظة اهو حزن وتأثر على مكتبة عامرة اغتصبها الحقد والظلامية او هو حزن على مبادئ وقيم غاندي اللاعنفية في لحظة دفن شناعة الجريمة، وبدأت عملية الترميم بالإمكانيات المحترقة من بين الرماد، فقدمت نصائح من اصدقاء وأقرباء برفع طلب مساعدة الى البلدية علها تتحمل جزء من المسؤولية وتساعد , وبعد الاسئلة والاستفسارات حصلت على معلومات مضمونها أنه في حال توافق المجلس البلدي واقر المساعدة فأنها ستتراوح بين 500 الف والمليون ليرة في احسن الاحوال، فعدلت عن الفكرة من اساسها ولم ارفع الطلب للبلدية لاعتبارات خاصة مقارنة بالرقم الموعود اذا اقر. جاءني صديق بزيارة وأهداني نصيحة بان ارفع طلب الى القائمقام كونه ممثل الحكومة في المنطقة وتحت اشرافه الهيئة العليا للإغاثة في منطقته، هذا حسب زعم الصديق ومعلوماته التي تقبل النقاش، حصلت على نسخة من التحقيق الرسمي حول الجريمة وذهبت زحفا باتجاه مدينة الشمس قاصدا مكتب القائمقام في السرايا، استقبلني بالترحاب وكان على علم بما حدث من خلال الاجهزة الامنية واخذ من يدي الملف وبدأ يقرأه وقبل ان ينتهي تافف مع ابتسامة وقال : العمى بقلوبهم شو معتبرينك شيعي؟  حتى عاملين فيك هيك؟ فضحك مساعده وهو احد اقربائي وقال: اهم! حضرته بيكون شيوعي، وعندما شرحت لسعادة القائمقام سبب زيارتي وما قاله لي الصديق اعتذر وقال : هذا ليس من اختصاصنا ولا يوجد فروع اقليمية لهيئة الاغاثة عليك بتقديم طلب للهيئة العليا للإغاثة في بيروت، وخرجت من المكتب وانا اجر اذيال الخيبة ورائي مع بريق امل يشع من منارة بيروت .
بعد عدة ايام  قصدت مدينة النور عندما صاح الديك ووصلتها قبل بدء دوام العمل شربت القهوة مع حرق عدة سجائر وأكثر من ساعة من الزمن قبل ان اقصد احد "الاصدقاء " الذي تعرفت عليه في جولة تسكع سابقة وهو من حاشية الرئيس سعد الحريري ومن خلال الصور التي يزين بها مكتبه كان من حاشية الرئيس الشهيد الحريري، شخص يميل الى الكبر وقور محترم عنده من الادب وحسن الاستقبال وانتقاء الكلمات بدراية مما يفرض على محدثه الاحترام الزائد ومحاولة مجاراته وتقليده، وعندما دخلت الى مكتبه رحب ترحيب حار ووقف من مكانه وتقدم مني خطوات قائلا: اهلا بصديقي! وصافحني ودعاني للجلوس واخذ مكانه ونظر الي وسألني: خير شو في حواليك؟ فناولته مغلف يضم نسخة من تحقيق الامن الداخلي اخذه وبدأ يقرأه  وبعد لحظات توقف وتأملني وسألني: انت تبيع البيرة؟ فأجبته نعم وتابع قراءته مع هزة من رأسه يمينا ويسارا قائلا: الله يكسر اياديهم، فأجبته هذا الكلام لا ينفع يا حاج، انهى قراءته ومسك سماعة تلفون ثابت وحاول الاتصال ثلاثة مرات لكن بدون مجيب، وقال : ما حدا عم يرد... سألته: انت بمن تتصل يا حاج ؟ فأجاب : برئاسة مجلس الوزراء، ابتسمت ضمنا وتخيلت وصولي الى هدفي على يدي "صديقي" الحاج، وضغط على زر منبه لتدخل علينا سكرتيرته  وطلب منها تصوير الملف وغابت لحظات وعادت تحمل نسختين من الملف فأخذهما وقال لها: عليك بتذكيري لنرسل هذا الملف الى رئاسة مجلس الوزراء لاحقا . ونظر اليي وقال : ولا يهمك يا صديقي، انشاالله رح يمشي الحال . وقفت فوقف مديت يدي لأودعه واشكره فقال: عيب هذا الكلام انت أخي خرجت من مكتبه وانا بكامل سروري، وغبت اسبوع كامل وصباح اليوم الثامن دخلت الى مكتب " صديقي" بذات الطريقة والاستقبال رحب بي وأخذت مكاني وبادر الى مسك الملف المعتصم على حافة طاولة المكتب وسألني: ماذا فعلت ؟ ابتسمت وقلت : انا من سيفعل يا حاج ؟ انا منتظر فعلك، فهز رأسه مع ابتسامة وقال: بسيطة ! وبداء بكتابة رسالة وضعها في مغلف صغير وكتب على بطاقة " الى حضرة الاخ العزيز اللواء يحي رعد رئيس الهيئة العليا للإغاثة "وناولني الرسالة  وقال عليك بالذهاب الى الهيئة العليا للإغاثة وتسلم هذه الرسالة لسيادة اللواء واخبرني بما يجري معك .

وصلت الى بناية ستاركو ودخلت الى مقر الهيئة سألت عن اللواء فقالوا غير موجود ولن ياتي اليوم، دخلت الى مكتب فشعرت اني افسدت جلسة رومانسية وانسجام وقد واجهنى الشاب بطريقة فظة وقال بحزم : اللواء مش موجود والله معك، خرجت من هذا المكتب وسرت في ممر طويل علني اجد ضالتي فالتقيت بدركي فبادر الى سؤالي: من تريد ؟ فأخبرته بقصتي، اخذ الرسالة مني بعنف وقال : الحقني؟ سرت خلفه ودخل مكتب عش الغرام وقال بلهجة فوقية ظاهرة وحازمة: شرف سجل طلب لهذا الرجل , فلم يناقش من صدني قبل لحظات، وسجل الطلب وأعطاني رقمه على ورقة وشكرت الدركي وغادرت باتجاه "صديقي" وعندما وصلت الى مكتبه وجدت عشرات الاشخاص يطلبون المساعدات متجمعين على المدخل اشبه بمظاهرة وفي صالون الانتظار لا يوجد مكان فارغ فذهبت مباشرة الى السكرتيرة وطلبت منها تصوير ؤقم الطلب وإعطائه لـ"صديقي" الحاج ولم تمانع بل اضافت " تكرم عينك " وغادرت باتجاه بلدتي وانا متسلح برقم طلب من الهيئة العليا للإغاثة ومدعوم ومبارك من "صديقي" وهو صديق الشيخ سعد رفيق الحريري وقاعدة معادلة تاريخية ممتعة صديق صديقي صديقي انه العز والمجد بعينه !!!!!

وفي صباح اليوم التالي اتصلت بـ"صديقي" على رقمه الخاص . وهذا مضمون الاتصال الحرفي :

_ صباح الخير حاج

_ اهلا بصديقي صباح النور كيفك شو الاخبار

_ الحمد الله , يا حاج مبارح كان عندك عجقة كبيرة ما قدرت فوت لعندك ,فأرسلت لك رقم الطلب مع السكرتيرة

_ ايه صحيح , ولا يهمك وصل رقم الطلب

_ من بعد فضلك , بدك تحكي مع حضرة اللواء رعد حتى يمشيه

_ تكرم عينك اليوم بحكي معه , بس انت عم تفوتني بالحيط

_ معقول يا حاج ؟ انا قد اني فوتك بالحيط ؟ انا عم اتدرى بالحيط , بس كيف ؟

_ لأنه يا صديقي الشيخ سعد موصيني ما اشتغل الا لأولاد بيروت

_ عفوا يا حاج على الازعاج وتحياتي للشيخ سعد


وما زلت احتفظ بالرقم .


ناشد ثقافي 

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا