سيّد مكاوي يشتم الأم في ليل الحشيش

1:55:00 ص
محمد الحجيري

 مكاوي سليل المشايخ الضريرين، محبي الطرب والحشيش والقرآن،  

 توزعت على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً "فيسبوك" و"يوتيوب"، أغنية "غريبة" إلى حد ما وماجنة وشتائمية وسوقية عنوانها "يا كس أمك"  وجه الغرابة ليس في كلمات الأغنية بحد ذاتها، فالتراث الغنائي والشعري يزخر بطقاطيق ومونولوجات وقصائد تتضمن بعض المجون وربما قمته. الغرابة والدهشة والمفارقة أن الأغنية طربية وبصوت سيد مكاوي، الشهير بالأغاني الرصينة والدينية!

لا يتوقع المرء اليوم أن يسمع أغنية صريحة وفجّة بصوت سيد مكاوي، وكثيرون لم يصدقوا أن أغنية "يا كس أمك" بصوته ومن تراثه الممنوع أو المحتجب أو المنبوذ. وربما ما كانت لتصلنا لولا أننا في زمن الإنترنت والحرية الافتراضي. وما يزيد الدهشة والمفارقة أن مكاوي كان أحد المطربين المعممين سابقاً ومسحراتياً، وتعلم أساساً تجويد القرآن قبل أن يصبح مطرباً، وهو صاحب الأغنية الدينية و"حيران على باب الغفران" وصاحب الأغنية العروبية والقومية "الأرض بتتكلّم عربيّ". وأن يقدم أغنية "مقهاوية" تتضمن ألفاظاً صريحة أبي نواسية إذا جاز التعبير، في جلسة خاصة كما هو واضح، فهذا "الأمر الذي يدعو إلى إعادة التفكير في وجوب ادّعاء قدسيّة وطهرانيّة الشخصيّة الموسيقيّة العامّة"، كما كتب موقع "معازف" المختص بالموسيقى.

لا شك في أن طقاطيق الزمن الجميل كان فيها بعض الإيحاء الإباحي، لكن لم تصل تسمية الأشياء بأسمائها. ولغة "المجون" ليست وليدة اليوم فهي أكثر حضوراً في الزمن التراثي ويتجلى ذلك في الدواوين و"ألف ليلة وليلة" وكتب ابن الحجاج وأبي حكيمة. أما النهضة العربية والتأثيرات الحداثوية الأوروبية- المسيحية والميديا فأتت لتهذب اللغة وتطرد منها الكلمات الماجنة غير المهذبة، ولم نعد نقرأ كلمات إباحية إلا في ما ندر، فيما يشتم بعضهم بالإنكليزية.  
بقي تداول طقطوطة سيد مكاوي مقتصراً على فئة محددة، شبيهاً بتداول قصائد الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان الإباحية التي قالها في عشيقاته وتناقلها الفضوليون شفوياً ونسخاً، وهي لم تطبع حتى اليوم. كذلك تحضر هنا قصائد العراقي حسين مردان العارية في عاهرات الميدان في بغداد التي لم تطبع إلا قبل سنوات. وتذكرنا طقطوقة مكاوي بقصيدة "كس أميات" للكاتب المسرحي نجيب سرور، مع فرق في الجمهور والمضمون. تعلم المطرب تجويد القرآن وقدم أغنية شتائمية في لحظة مزاج وبهجة، أما المسرحي فتعلم في كنف الشيوعية وكان ثورياً، سجن واتهم بالجنون، وقصيدته هجائية سياسية بالعامية المصرية. ولم تجرؤ أي مؤسسة نشر عامة أو خاصة داخل العالم العربي أو خارجه على نشرها، وحين نشرها ابن الشاعر شهدي على الإنترنت، اعتقلته شرطة الآداب المصرية وحُكم عليه بالسجن بتهمة "الإساءة إلى الأخلاق العامة".

ثقافة الحشيش

  وسيد مكاوي، سليل المشايخ الضريرين، محبي الطرب والحشيش والقرآن، بحسب تعبير نائل الطوخي، تنتمي طقطوقته إلى أغاني جلسات الحشيش، هي جزء من ثقافة كانت سائدة في حقبة من الحقب. يصف كامل الخلعي في كتابه "الموسيقى الشرقيّ" الذي صدر عام 1904 جماعات "الصهبجيّة"، أو "أصحاب قهاوي الحشيش"، ويزيد وهج الطقطوقة الطربية المكاوية حين نتأمل صوره الكثيرة المتناقضة حيناً والمتناغمة أحياناً واللطيفة أحياناً أخرى، فهو ابن البائع المتجول في عابدين، ولد عام 1928 في حي الناصرية في السيدة زينب، لأسرة فقيرة، وعندما كان في الثانية من عمره أصيب في عينيه برمد صديدي ونتيجة لتولي الحلاق علاجه فقد كفّ بصره. ما دفع أسرته إلى تحديد مسار حياته بما يناسب ظروفه الصحية، وقررت تحفيظه القرآن الكريم، آملة أن يكون قارئاً للقرآن أو مبتهلاً دينياً، أو مؤذناً. والفنان الذي ولد فقيراً وتوج فقره بفقدان بصره، لم يمنعه فقدان البصر من تربية أذنيه على السماع من المشايخ والمطربين والمطربات نذكر من بينهم: محمد العربي، سيد درويش الطنطاوي، زينب المنصورية، سيد مصطفى، محمد صادق. عدا عن إسطوانات أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب. وعندما بلغ مكاوي الثالثة عشرة من عمره توفي والده، فأصبح مسؤولاً عن أسرته وكان يكسب عيشه من قراءة القرآن الكريم في الموالد، ويؤذن للصلاة في مسجدي أبوطبل والحنفي في حي الناصرية. وهو المسحراتي في رمضان عندما كان يتجول في شوارع قاهرة المعز وضواحيها وأحيائها يوقظ الناس النائمين استعداداً للسحور. ما إن بلغ مكاوي مرحلة الشباب حتى انطلق ينهل من تراث الإنشاد الديني عبر متابعته أقطابه في الليالي التي كانوا يحيونها، وكوَّن فرقة من المشايخ الصغار لإحياء الموالد والمناسبات الدينية التي كانت النواة لأنغام "الليلة الكبيرة" مع صلاح جاهين: "يا غزال يا غزال العشق حلال دوبني أنا دوب" و"طار في الهوي شاشي وانت ماتدراشي. يا جدع".
 وكان مكاوي أحد تلامذة مدرستي سيد درويش التعبيرية، وزكريا أحمد التطريبية، وكان كثيراً ما يغنى ألحانهما سواء في جلساته الخاصة أو حفلاته العامة. وتعرف على كل من المخرج الكبير أحمد بدرخان، ومحمود رأفت الذي كان يملك مكتبة صوتية تضم خمسة آلاف أسطوانة لكبار المطربين والمطربات في الفترة السابقة على ذلك العصر، فأتيح لمكاوي أن يستمع إلى أعمال فنانين أمثال: الشيخ يوسف المنيلاوي، عبد الحي حلمي، محمد سليمان، سليمان أبو داوود، سيد قاسم، محمد عثمان، وعبده الحامولي.
      
أم كلثوم

وسيد مكاوي صاحب الطقطوقة الفجة والمقهاوية، يقال إن حياءه وخجله منعاه من أن يتصل بأم كلثوم ليقول لها "عندي لحن جيد لك"، وهو الملحن الكبير الذي لا يقل في مكانته الفنية عن زملائه الذين كانت تتغنى بألحانهم. ورغم انتظاره الطويل وعشقه لغنائها تقدم العمر بمكاوي وبأم كلثوم من دون أن يلتقيا ولو في أغنية واحدة، إلى أن فاجأها اثنان من كبار فرقتها الموسيقية عازف القانون الأول محمد عبده صالح وعازف الكمان أحمد الحفناوي يطلبان منها أن تقرأ مقالاً للناقد رجاء النقاش يسألها فيه لماذا لم تغني حتى الآن لسيد مكاوي؟ وأعجبها المقال واقتنعت به وطلبت منه أن يتصل بسيد مكاوي ويبلغه باستعدادها للتعامل معه ولكن النقاش طلب منها أن تتصل به هي بنفسها وهذا أكرم له وشيء يشعره بالتقدير وهذا ما حصل، وكانت مفاجأة يا "مسهرني" التي كتبها أحمد رامي. واستبعد مكاوي من الأغنية جميع الآلات الكهربائية من الأورغ أو الغيتار ملتزماً بالنغمة الشرقية>
كتب الروائي خيري شلبي مقالا في مجلة "الإذاعة والتلفزيون"، عام 1980، بعنوان "النفق... الحارة المصرية" عن سيد مكاوي قائلاً إن العميان لا عائل لهم سوى القرآن الكريم، يلوذون به، ونعم المصير يحفظه ويجوده، وقد انتمى مكاوي إلى ألحان السماء، وصوته أشبه بالنفق السحري يعبره المستمع من القديم إلى الحديث، ويظل على هذا النحو لحناً مصرياً خالصاً أعماله مميزة الطابع، رغم رحيله في 21 أبريل 1997.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا