الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة

"المجتمع العربي والثقافة العربية: دليل أساسي" لسمير وروزان خلف
 المتغيرات الثقافية في الحياة اليومية

 
اضطلع سمير خلف وروزان سعد خلف بمهمة جلّى، هي طرح القضايا الأكثر ديمومة وأهمية، المتعلقة بالمجتمع العربي وبالثقافة العربية. الكتاب(•) الذي يبلغ عدد صفحاته 545، مصنَّف حسب المواضيع الأساسية، وهو يجمع بعض المقالات التي أُعيد نشرها، والتي تتناول المجتمع العربي بشقيه المشرقي والمغربي، إضافة إلى المقالات التي تتناول العرب الذين يعيشون في الخارج.
تتمحور الموضوعات الأساسية حول التباينات الثقافية التي نصادفها في الحياة اليومية، محاولة التعامل مع الهويات، والانحرافات عن السلوكات المألوفة، وأنماط الحياة البديلة، وتمكين المجموعات المهمّشة، والمسائل المرتبطة بالنوع الاجتماعي (Gender)، والدين والتركيب الطقسي للحيّز بين الهويتين المحلية والعالمية، والحياة الجنسية، ووسائل الإعلام الجديدة، والإسلام العابر للحدود الوطنية (Transnational). في الإجمال، هناك ما يقرب من خمسين مادة للقراءة، مناسبة ومنتقاة بعناية، تتصل بالمجتمع والثقافة العربيين. يمثل الفصل التمهيدي الذي أعدّه المحرّران لكلٍّ من الموضوعات، المادة التي تربط الشروح التركيبية (Synthesizing) المعمَّقة والموضِّحة. ورغم أن بعض المواد التي تمّ إيرادها تعتبر معقّدة بعض الشيء، فإن الفصل التمهيدي سيسهل على القارئ الحصيف فهمها.
ومن خلال النصوص الجميلة المأخوذة عن أورهان باموك (Orhan Pamuk)، ورايت ميلز (Wright Milles)، وتشارلز تايلرز (Charles Taylers)، وبرتراند راسل (Bertrand Russel)، يضع الجزء الأول من الكتاب القواعد، ويشرّع الباب أمام التمعّن بالمخيال الأدبي والسوسيولوجي في الوطن العربي.
تنطلق جميع المقالات، لا من العلوم الاجتماعية فحسب، وهي السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا بصورة أساسية، بل من الأعمال الأدبية أيضاً، وهي تلقي الضوء على التحولات اللافتة التي مر بها الوطن العربي، ولا سيما خلال العقدين الماضيين. وكثيراً ما توصف تلك التحولات وتداعياتها بأنها "متقلِّبة"، وهو ما يبيّن مدى رغبة المحرّرَين في إظهار تعقيد هذه البقعة الجغرافية، وفي توعية القراء من مغبّة قراءة التغييرات قراءة خطية. بالتالي، فإن المواد المختارة هي أبعد ما تكون عن تشييء الثقافة العربية. يصوّر المحرّران الحراك والدينامية والوسطية (In-betweenness). فعلى سبيل المثال، في الجزء المتعلق بالتعامل مع الهويات في عوالم متنافرة، يورد المحرّران التحوّلات الثقافية التي تبهر الأبصار، والتي يمرّ بها الجيل الجديد الذي "يفتقر إلى اليقين التقليدي الذي يتمتع به الأجداد والأمان الاقتصادي الذي يتمتع به الوالدان". بالتالي يجد أفراد هذا الجيل أنفسهم "عالقين في براثن الحاجة إلى المناورة لتحقيق إحساس بالذات، انطلاقاً من مجموعة من مصادر الولاءات الداخلية والخارجية المتطابقة والمتنافسة" (ص 93).
لكن محاولات المناورة تلك لا تحدث بتأثير من الإرادة الفردية والبنى الاجتماعية الكابحة ضمن الدولة القومية التي ينتمي إليها الفرد، بل تحدث نتيجة التأثيرات الطاغية للعولمة، أي كما تقول فرحة  غنام: المحلي يعولم والمحلي يعولم (ص 356)؛ ولم تعد الثقافة العربية محصورة داخل الحدود الجغرافية للوطن العربي. فالثقافة تسافر، والإسلام يصبح عابراً للقوميات. وهنا تبدو المقاطع المختارة من نصوص كتبها طارق رمضان وبسام طيبي وآخرون لافتة على نحو خاص. تسبر جوان سكوتس (Joan Scott) أبعاد قضية المحجّبات، لتظهر أزمة مرئية المسلمين في بعض البلدان الأوروبية. ويرى جان نديرفين بييترس (Jan Nederveen Pieterse) أن الدول الغربية الأصغر، مثل هولندا، قد توفر للثقافة المعْبَر (Crossover) فرصاً أفضل ممّا توفره الدول الكبرى، مثل فرنسا. لكن التطورات الأخيرة وأحداث العنف التي جرت في هولندا منذ عام 2008 تُظهر عكس ذلك.
تنتج الهجرة تحوّلات كبيرة في الثقافة العربية. فبما أن إدوارد سعيد قضى عمره بين عالمين، نجده يقدم في سيرته الذاتية التي تتميز بعمق الأفكار، نصاً يتناول الاغتراب وحالات الخواء (Anomic Situation) الاجتماعي التي يعيشها المهاجرون واللاجئون. يتناول المحرّران في المقدمة التي وضعاها مسألة الإسلام العابر للقوميات، ويركّز بسام طيبي في مقاله على عملية التهجين (Hybridity) بالنسبة إلى المهاجرين في أوروبا، وخصوصاً من الجيل الثاني. يقول طيبي إن أفراد هذا الجيل يمرّون بصيرورة إعادة تكوين هويات جديدة، رافضاً ما تقوله بعض الكتابات عن المأزق الذي يعيشونه، من أن المهاجرين يجدون أنفسهم مضطرين إلى الاختيار بين مكان ثقافتهم الأصلية والثقافة الأوروبية.
يلجأ سمير خلف إلى استخدام الصورة المجازية للجذور (Roots) والمسارات (Routes) لتقديم دليل إضافي لدعم وجهة النظر الجدلية للتفاعل بين التقاليد والحداثة، وهو التفاعل الذي لا يقتصر تأثيره على المهاجرين، بل يتعدّاهم ليشمل شعوب المنطقة. وفي تحليله للتحول المجتمعي في لبنان، يدرس خلف الكيفية التي يستجيب بها الترابط العائلي (Familism) ومشاعر التضامن الاجتماعية والمذهبية للقوى التي تحاول تقويض أسس التماسك والهويات الجماعية. وهو يبيّن "كيف أن حنين الفرد لإعادة التواصل مع جذوره قد يتحول إلى مسارات تسعى إلى التعبير عن هويات مهنية، وهويات ثقافية جديدة، أكثر اتصالاً بمسألة الحفاظ على صيغ السلم الأهلي، من تعددية وتسامح" (ص 189).
يركّز سمير خلف وروزان سعد خلف على إظهار تنوّع الأنماط الثقافية والبنى الاجتماعية. فالروابط الأسرية والقرابية تظلّ مصادر مرنة للارتياح النفسي، لكن التنوّع مهم أيضاً. وبخلاف الكتابات التي تتناول المجتمع الحضري، تبيّن الدراسة التي وضعتها نجا حمادة تحت عنوان: "زوجات أو بنات: التباينات البنيوية بين الضرائر الحضريات والبدويات في لبنان"، كيف أن الضرائر البدويات اللبنانيات عادة ما يتقبَّلن وضع تعدّد الزوجات، بل إنهن على استعداد للعيش مع ضرائرهن تحت سقف واحد. تتنوّع مفاهيم النوع الاجتماعي، والعلاقات بين أفراد الأسرة، والعلاقات بين الآباء والأولاد، والحياة الجنسية، تنوعاً كبيراً بين حيّ للعمال في الضاحية الشرقية في بيروت (برج حمود)، وأوساط الطبقة الوسطى (العليا) لطلاب الجامعة الأميركية في بيروت. تقدِّم كل من سعاد جوزف وروزان سعد خلف، على التوالي، عملاً ميدانياً ودراسة يستأثران بالاهتمام بشأن التباينات المذكورة.
يختار هذا الكتاب، الذي يتناول المجتمع العربي والثقافة العربية، بعض المقالات التي تصوّر الأنماط المتغيّرة، لا من الوجهة الجغرافية فقط، بل بمرور الوقت أيضاً. فالمقال الذي كتبه سمير خلف حول أحياء البغاء في بيروت يتعقّب تاريخ تلك الأحياء اعتباراً من عام 1890، وهو يلجأ إلى سجلات تاريخية ومخطوطات سير ذاتية لإظهار دور تنظيم "مهنة" البغاء في تغيير الانطباعات عن هذه المهنة. فهو يرى أن سلعنة (Commodification) البغاء القانوني من قبل العثمانيين عام 1913، أوجد "ظروفاً جعلت البغاء أكثر إنسانية، وأقل مدعاة للنفور، في ما يخص النساء اللواتي يمتهنّه، والرجال الذين يسعون إلى الحصول على خدماتهن" (ص 142). ونلمس هذا النمط المتغيّر في المقال الذي كتبه ماكورميك (McCormick) حول تقبّل المجتمعات اللبنانية لثقافة المثليين ومرئية هذه الثقافة. كما لحق التغيير بالدين وبطقوسه. فلم يعد الموجِّهون الأخلاقيون المتنفّذون، بالنسبة إلى الشباب العربي الذين يعيشون في الوطن العربي وخارجه، هم خطباء المساجد؛ بل الواعظون الجدد، مثل عمر خالد، وخالد جندي، وعمر عبد الكافي، الذين يقدمون رسالة أكثر حداثية من الخطباء التقليديين. ويبدو المقال المأخوذ عن آصف بيات لافتاً بهذا الشأن، فهو يُظهر كيف أن تلك الشخصيات، الشبيهة بالمبشّرين الإنجيليين الذين يعظون من خلال شاشة التلفزيون، تجمع بين الإيمان والتسلية، وتنقل رسائل أخلاقية بسيطة تتعلق بالسلوكات اليومية. ولا يصدر هؤلاء الوعاظ فتاوى، بل يتوجّهون إلى الاحتياجات الروحية والنفسية للأشخاص الذين يتلمّسون الطريق سعياً إلى
صياغة هوية ذات مغزى ترتكز إلى كوزموبوليتانية جديدة نابعة من الكتب المقدسة.
أخيراً، فإن تلك المواد الغنية التي تعالج المجتمع العربي والثقافة العربية، وفي حين إنها تُظهر التباين في الأنماط على خطوط صدع مختلفة، فإنها، برأيي، لم تتوجّه على نحو كاف إلى تبيان التنوع حسب الطبقات الاجتماعية. كما كنت أتمنى لو أن تلك المقالات المختارة أسمعتنا عدداً أكبر من الأصوات من الوطن العربي، فقد هيمن على هذا الكتاب الباحثون الغربيون وباحثون يعيشون في الخارج.
والواقع أن هذا العمل سوف يبهج الأذهان التواقة إلى المعرفة لجميع الأشخاص الذين يهتمّون جدّياً بالمجتمع العربي والثقافة العربية. سوف يضمّ جمهور الكتاب، على الأرجح، علماء الاجتماع والأشخاص العاديين وصناع السياسة. كما يعتبر الكتاب مناسباً للأغراض التعليمية. أنصح الجميع بقراءة هذا الكتاب الرائع، وخصوصاً القارئ الغربي، لأنه يحقق براعة الهدف من وضعه، وهو تقديم فهم أعمق للمجتمع العربي كبنية أو كصيرورة سياسية. وما من شك في أن الجهود المخلصة التي قام بها المحرّران، في هذا الشأن، قد آتت ثمارها. فقد قام المحرّران، وبكل دقة، بسبر ودراسة المجالات الثقافية التي تتّسم نوعاً ما بالضبابية والإبهام، في منطقة متقلبة، وهي الوطن العربي.

(•) Samir Khalaf and Roseanne Saad Khalaf (eds.)
Arab Society and Culture: An Essential Reader
(London: Saqi Books, p2008 545)

(أستاذ مشارك في الجامعة الأميركية في بيروت) 

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top