الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة

 عن جريدة  "الجريدة"
يمكن القول إن استعمالات روايات فرانز كافكا في مجال الأدب عموماً والرواية خصوصاً أصبحت ظاهرة تستدعي التأمل والتأويل. فالروائي التشيكي الذي لم يحظ في حياته بأي شهرة تذكر ولم يطبع أعماله المهمة أيضاً، وظل ذكره خاملاً من دون اهتمام حتى أفول الحرب العالمية الثانية، أخذ النقاد يعدون كتاباته سمة من سمات القرن العشرين وتعبيراً جوهرياً له. وتفرّد كافكا نابع الى حد كبير من «تقاطع الكتابة والتجربة المعاشة» بحسب المؤلف جون ليشته، وهو لا يعيش لأجل كتابته فحسب، بل في كتابته أيضاً.
ثمة «كافكالوجيون» في الكتابة، وكافكا بالنسبة إليهم أصبح استعارة رمزية كأنه «شهرزاد الحكاية».

من يقرأ رواية «حب وقمامة» للروائي التشيكي إيفان كليما (صدرت مترجمة عن دار التنوير)، يجد أنها دراسة معمقة لفرانز كافكا الذي يعيده الكاتب إلى أصله التشيكي وإشكاليتهما المشتركة كيهوديين مضطهدين من أنظمة شمولية (نازية تحديداً). وكليما، الذي أمضى سنة ونيفاً من عمره الفتيّ في أحد المعسكرات النازية، قبل أن تضع الحرب العالمية الثانية أوزارها عام 1945، قرأ سراً خلال فترة أسره ديكنز وهوميروس وجول فيرن، ليكتشف فرانز كافكا لاحقاً: «كانت أول قصة قرأتها لفرانز كافكا تضم المقطوعات الشعرية الطويلة القليلة التي أنجزها، وكانت تتحدث عن رحالة أراد ضابط في إحدى الجزر أن يريه آلة الإعدام الغريبة التي صنعها بمحبة وتفان. لكن الآلة تعطلت أثناء العرض وشعر الضابط بخزي كبير جراء هذا، فوضع نفسه على كرسي الإعدام}. شكلت الكتابة بالنسبة إلى كافكا طريقة للعيش «عندما كان كافكا يكتب، لم يكن يهرب من عذاباته فحسب بل كان يتمكن من العيش أيضاً… كانت الكتابة صلاة بالنسبة إليه، هذه واحدة من العبارات القليلة التي كتبها عن معنى الأدب عنده، لقد نقل السؤال إلى حيز آخر: ما هي الصلاة؟ ما معناها بالنسبة إليه… الأرجح أنها كانت سبيلاً إلى اعتراف شخصي صادق بأي شيء في عقل المرء».



وفي موضع آخر من الرواية يقول كليما: «من المؤكد أن فرانز كافكا واحد من أهم الكتاب الذين عاشوا وعملوا في بوهيميا، كان يلعن براغ ويلعن موطنه لكنه لم يستطع حمل نفسه على الرحيل، لم يستطع اتخاذ قرار بانتزاع نفسه منهما».


حملت رواية «حماقات بروكلين» لبول أوستر (صدرت مترجمة عن دار «المدى») أيضاً إيماءات وإشارات كثيرة إلى فرانز كافكا. ثمة تقاطع بين ناثان غلاس بطل الـ»حماقات» الأوسترية وفرانز كافكا نفسه. الأول موظف كبير في شركة تأمين نجا من سرطان الرئة ويمضي في تأليف كتاب عنوانه «كتاب الحماقة الإنسانية» أو ما يشبه الكتاب، ذلك أنه يخطه على كل ما تقع عليه يده من إيصالات بطاقات الائتمان، والقروض الشخصية، ودفاتر الحسابات وما إلى هنالك مما يتساقط ويستهلك من أرواق يومية، يدون الحماقات التي هي استعارة للحياة نفسها كونها أكثر تجلياتها سطوعاً. يقول ناثان: «سميت المشروع كتاباً، لكنه في الواقع لم يكن كتاباً على الإطلاق». كافكا بدل أن يصبح كاتباً محترفاً تماماً ويعيش من عمله، بقي يعمل في مكتب التأمين الحكومي في النهار، وكان ينصرف إلى الكتابة في الليل. فضل الالتحاق بوظيفة في شركة تأمين على العمل في محلات والده مع أن أسرته كانت ثرية. وانعكس عمله البيروقراطي على مجمل كتاباته. على أن أوستر ليس بعيداً أيضاً عن أجواء كافكا، خصوصاً في «ثلاثية نيويورك» حيث البحث عن الهوية ومحاولة العثور عن الذات.

كافكا على الشاطئ

اختار الروائي الياباني هاروكي موراكامي أن يسمي روايته ما قبل الأخيرة «كافكا على الشاطئ» (صدرت عن مشروع «كلمة» للترجمة). وهذه الرواية بقدر ما هي غرائبية بقدر ما هي بسيطة، إذ تحتفل بسحر الحياة وتدافع عنها، ذلك من خلال حكايتين متوازيتين متقاطعتين، حكاية عجوز يجيد محادثة القطط يبحث عن نصف ظله الضائع، وفتى في الخامسة عشرة هارب من لعنة أبيه السوداء، وبينهما عوالم ومدن وشخصيات ورحلات شبه ملحمية تتلخّص جميعها حول البحث عن الحب، ومعنى الموت، وقيمة الذكريات والرمزية الأوديبية. رواية فيها تأثيرات من عوالم «ألف ليلة وليلة» وعوالم «هاري بوتر»، وعوالم الكاتب فرانز كافكا نفسه الذي يعترف الفتى أنه عندما قرر تغيير اسمه وجد أمامه اسم الروائي كافكا الذي قرأ أعماله، فقرر أن يكون هذا هو اسمه الجديد في عالمه الجديد. قال موراكامي إنه يحمل في ذاته التقاليد اليابانية كافة، لكنه يزدحم أيضاً بكل ما اكتسبه من ثقافة البوب «الماركات الأميركية» والثقافة الكلاسيكية «أسطورة أوديب، أفلاطون وهيغل».


هذه نماذج قليلة جداً من الروايات الحديثة التي تأثر أصحابها بفرانز كافكا وأفكاره حتى صرنا أمام نمط أدبي اسمه «الكافكائي». كان كافكا الكاتب الأطول ظلاً كما يصفه أحد الكتاب الذي يلمح إلى تأثيره الكبير على عدد من الكتاب المعروفين والمكرسين في الدوائر الأدبية والنقدية. صرح الفرنسي ألبير كامو في أكثر من موضع بإعجابه بكافكا ورأى أن ثمة صلة وثيقة وتقارباً حميماً يربط ما بينهما.

يمكن لنا أيضاً تلمس أثر كافكا لدى التشيكي ميلان كونديرا الذي ولد ونشأ في المدينة نفسها حيث ولد كافكا، أي براغ. ولا ننسى الروائي الأميركي فيليب روث الذي كتب رواية قصيرة بعنوان «الثدي»، وفيها يتحول بطلها ديفيد كيبش إلى ثدي أنثوي. يحاول روث في هذه القصة أن يجعل من الموقف الخيالي موقفاً قابلاً للحدوث في العالم الواقعي، وأن يجعل من كوابيس الحياة التي تواجه الإنسان في مواقف معينة، إحدى الحقائق. يقول في روايته: «هل حقاً حدث هذا؟ أيمكن تصديقه؟». استمر كيبيش منذ تحوله يتحدى ويتساءل وينكر مصيره. وحتى حين آمن بأنه ثدي، فقد ظل عقله مشغولاً بالبدائل.

وفي رواية أخرى لروث بعنوان «بروفسور الرغبة» يعود كيبيش جدداً، وهو هذه المرة أستاذ يهودي للأدب ليس على وفاق مع والده ومع إرثه اليهودي، يدرس مادة حول كافكا ويجد صلة ما تربط بين الطابع الأيروتيكي الغريب لعالم كافكا، وبين انغماسه وهوسه بعالم الجنس، الأمر الذي يدفعه إلى السفر إلى مسقط رأس كافكا وزيارة قبره. يحضر طيف كافكا أيضاً في رواية «البومة العمياء» لصادق هدايت، فهو يقول على لسان البطل: «أحس أن هذه الدنيا ليست لي. إنها للمتملقين، المنافقين، الوقحين، النهمين أبداً. مثلهم مثل كلاب واقفة أمام دكان قصاب تتوق إلى قطعة عظم ترمى لهم».


تأثر بكافكا الكثير من «النوبليين» والكتاب العالميين الذين تخطوا «نوبل». حين حاز إيمري كيرتش هذه الجائزة، قالوا إنه «كافكاوي» وقبلها تحدث النقاد عن تأثر جوزيه ساراماغو برواية «القلعة» في روايته «كل الاسماء». يرسم ساراماغو في روايته متاهة، بل من منظور ما فعل في «المحاكمة» و{القلعة». واذا كنا لا نعرف شيئاً عن ماضي k كافكا، من أين جاء، فان دون جوزيه بطل «كل الاسماء» لساراماغو، هو الآخر لا نعرف عن ماضيه شيئاً، يظهر منذ مفتتح الرواية داخل المبنى البيروقراطي المسمى موظفاً صغيراً يؤدي عملاً روتينياً رتيباً.

طفولة بائسة

في «حياة مايكل ك. وزمنه» (حرف كاف إشارة هنا إلى كافكا) يسرد «النوبلي» كويتزي حياة موظف في حديقة أسود منذ الطفولة البائسة حتى وصوله بطريقة شبه قدرية إلى سجون التعذيب في جنوب أفريقيا. كان موضوع غرف التعذيب الدافع كي يكتب كويتزي، على حدّ قوله، هذه الرواية للوصول إلى أقصى حدّ قد تبلغه العلاقة بين الجلاد والضحية، وهي علاقة مع المتخيّل بالدرجة الأولى. فالتعذيب بالنسبة إلى كويتزي يكشف في النهاية عن قتامة حياة الخاضعين للسلطة، وهي هنا سلطة الفصل العنصري السابقة، وبين السلطة التي تفقد شرعيتها. والخلاصة الأهم بالنسبة إلى كويتزي أنه ليس هناك من خير أو شر، أو حق وباطل، والكل خاضع لمأساة كونية واحدة. إنها العودة الى الإثم الأبدي. وفي روايته «إليزابيت كوستيللو»، تحاول بطلة الرواية تفادي الوقوع في مواقف هزلية تدعو الى استهزائها حين تجد نفسها في مواجهة لجنة «كافكاوية» (نسبة إلى أسلوب كافكا في الكتابة والتفكير)، فتحاول تقويم مسيرتها وأعمالها لتقرير إدخالها «جنة الأدباء» أو تبقيها على حالها، على ما هي عليه. وهنا، في الفصل الأخير، تتساءل إليزابيت أو يتساءل كويتزي: «أين يذهب أهل الأدب والفكر بعد موتهم؟ وهل ثمة مقبرة خاصة لعظامهم التي تتحول إلى أبيض ناصع؟». «أنقذونا» هي الكلمة الأخيرة التي يختم بها كويتزي روايته وهي مأخوذة عن مقولة لهوغو فون هوفمنستال في «رسالة اللورد».

غدت شخصية «جوزف k» لكافكا من روايته «المحاكمة» «أيقونة» غريبة بالنسبة إلى الأدباء في العالم. جوزف k في «المحاكمة» سيصبح «ك» في قصة «القلعة»، هنا اللغز ليس في الشخصية فحسب بل في اسمها، هذا الحرف سيصبح مسار جدل وتأويلات بين النقاد. استناداً إلى الناقد الفرنسي مارك روبير فإن كافكا يستخدم الغفلية (كون الشيء، مجهول الاسم لشخصياته الرئيسة)، مثل كاف وذلك كي يبرز نوعيتها المتعالية.
أقرب توظيف لهذا الاسم كان في رواية «القريبة كاف» لياسمينة خضرا التي ترجمت حديثاً عن دار «الفارابي». بطل الرواية مسكون بموت والده وتخلّي والدته عنه وغياب شقيقه الحبيب. استسلم الشاب الجزائري لمشاعره نحو نسيبته أو ابنة عمه الحسناء، فتحولت مشاعره الإنسانية في الحبّ، بسرعة كبيرة، إلى هاجس، من دون أن نقرأ مضمون الرواية نلاحظ ان الروائي الجزائري استلهم عنوانه من كافكا، وهو يجمع بين القرابة والغفلية…

ومنذ الخمسينيات، كان لكافكا الأثر الكبير على الأدب العربي. قال الروائي جمال الغيطاني إنه «تم التعامل مع كافكا في الستينيات بوصفه شخصية مقدسة سحرتنا». وفي الوقت ذاته، بدأ كُتّاب عرب مثل صنع الله ابراهيم باستلهام موضوعات كافكا وأسلوبه، خصوصاً من خلال روايته «اللجنة». وكان طبيعياً أن يكون ضمن قراء أعمال كافكا الكُثر روائيون وقاصون عرب، كما كان طبيعياً أيضاً أن تمارس تلك الأعمال تأثيراتها في هؤلاء الأدباء أو في بعضهم، أو في بعض أعمال ذلك البعض، في أقل تقدير.

فمن هؤلاء نعرف جورج سالم، يحيى الطاهر عبدالله، محيي الدين زنكنه، وجبرا إبراهيم جبرا. وثمة كاتبان مصريان مهمان بالنسبة إلى استقبال كافكا في العالم العربي هما جورج حنين (كاتب فرانكفوني سوريالي)، وعميد الأدب طه حسين الذي استخدم حنين كافكا كجسر تمكنت الثقافة العربية عبره من الاقتراب من الحداثة الأدبية.
والجديد في استعمالات كافكا، أن ثمة رواية صدرت عن علاقته بأمه بعنوان «الأذى» للكاتب المكسيكي سياليتيل التريستي ورواية أخرى بعنوان «لغز ابن كافكا» للروائي الأميركي كورث لوفيان. وبين والدة كافكا وابنه المفترض تكمن المغامرة الكتابية. يسأل الكاتب المكسيكي كيف يا ترى كانت والدة فرانز كافكا؟ يحاول الإجابة عن هذا السؤال ضمن روايته القائمة على الخيال، ربما هو تخيل كافكا لأنه يعتبره من كتابه المفضلين.

حتى في العالم العربي قرأنا رواية متخيلة عن كافكا بعنوان «زهور كافكا» لمالك نيروز، وثمة روائية مغربية كانت تستعد لإصدار رواية بعنوان «حدائق كافكا»، على أن الشغل الشاغل لبعض الكتاب العرب هو: هل كان كافكا صهيونياً؟ بسبب قصته «عرب وبنات آوى».


يمكن لنا القول إن فرانز كافكا كان الممثل الأبرز لروح العصر الحديث. لقد حقق نجاحاً لافتاً في تصوير العدمية التي ألقت بظلالها الداكنة على مجتمع فقد صلته بإله يمنح الفرد نوعاً من الطمأنينة الميتافيزيقية والاستقرار النفسي، تماماً كما نجح في فضح آثار العقلانية المفرطة للهيمنة البيروقراطية التي توقع الفرد في حبائلها العنكبوتية.

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top