الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة

لا تزال مقالة أستاذ الفلسفة أوليفيه بوريول في جريدة "لوموند"، "في مديح المآثر السيئة"، عن كرة القدم، موضع اهتمام وتعليق ومقاربة. ركّز الأستاذ الفيلسوف على 6 حوادث كروية ذائعة الصيت في أوساط هواة كرة القدم وغيرهم. النماذج هذه، موضوعها حركة ارتكبها لاعب معروف أو ذائع الصيت، وما كان ينبغي له أن يرتكبها، وباتت هذه النماذج "فتحاً" في الذاكرة. من نطحة لاعب كرة القدم الفرنسي من أصول جزائرية زين الدين زيدان، لصدر لاعب المنتخب الإيطالي ماركو ماتيراتزي في نهائي مسابقة كأس العالم 2006، إلى لمسة يد دييغو مارادونا التي أدخلت هدفا في مرمى انكلترا في مونديال 1986، ولمسة يد تييري هنري التي أنقذت منتخب الديوك الفرنسي من السقوط أمام إيرلندا خلال التأهل لمونديال جنوب أفريقيا 2010، فإلى ركلة الفرنسي إيريك كانتونا في صدر ماثيو سيمونز، مشجّع "كريستال بالاس" عام 1995، وتهليل الفرنسي ميشال بلاتيني بالفوز على رغم وفاة 39 شخصاً في ملعب هايزل ومعظمهم من الايطاليين عام 1985، وفعلة شوماخر في تعرضه للاعب الفرنسي باتستون ولطمه له في مباراة فرنسا وألمانيا عام 1982.
اللافت من خلال النماذج التي اختارها أوليفيه بوريول، أن المآثر السلبية أكثر نجومية وعبقاً من كل شيء في المونديال، كأنها حرب بأسلحة غير تقليدية. القنوات ووسائل الاعلام تختار هذه الأحداث كعناوين تراجيدية وشعبوية، فتبنى عليها الحكايات والتأويلات والأقنعة الأيقونية. لنتخيل نطحة زيدان ("أخيل العصر الحديث" كما سمّي) وما حملته من تعابير وتفسيرات لا تحصى، وخصوصا في الكتب والمقالات والتحليلات الفلسفية والاجتماعية والهوياتية. قال بوريول إن هذه النطحة ليست حركة غير متعمدة أفلتت من صاحبها في لحظة غضب، بل بادرة مجنونة أدّاها صاحبها ببراعة مهندس لامع؛ ذلك أن زيدان لم يوجه النطحة إلى رأس ماتيراتزي، بل إلى قلبه، بؤرة الشجاعة والغضب. وهي ضربة من الرأس الذي تعتمل فيه حسابات باردة وعقلانية، إلى الصدر العامر برغبات متنازعة ومشبوبة. تخيّل بوريول زيدان يقول لماتيراتزي لحظة نطحه برأسه: "ربما سيفوز فريقك بكأس العالم لكن ما سيبقى في ذاكرة الناس صورة جسدك الضخم يهوي إلى الخلف ليقع على الأرض بشكل مضحك وستبقى في صدرك ذكرى هذه الضربة المفاجئة كوقع الصاعقة". رأس زيدان الذي نطح اللاعب الايطالي، هو نفسه سجّل الأهداف في مرمى البرازيل وأحرز كأس العالم 1998. باتت النطحة الزيدانية حاضرة دائماً في الذاكرة الرياضية والثقافية والفنية، بمثابة "ميديا" يمكن أن توظف كقناع للكثير من القضايا الثقافية، كأن في براثنها ما يمكن تسميته صراع الهويات أو صدام الحضارات والثقافات والتراجيديا الانسانية.
مشهد خارج قواعد اللعبة الكروية كان أقوى من اللعبة نفسها، فهزّ الوجدان والصورة وطرح الكثير من الأسئلة.
نطحة زيدان
بقي زيدان يصنع الحدث بغيابه عن الملاعب. نطحته أو مأثرته السلبية، هي رصيده الأقوى. في مجال الفنون، نحت الرسام الجزائري الأصل عادل عبد الصمد تمثالاً للنطحة التي تمثل تلك اللحظة التي انطبعت في رؤوس المتفرجين مع نهاية مونديال 2006. هذه المنحوتة التي أثارت اعتراضاً لدى رياضيين عندما وضعت أمام مركز "جورج بومبيدو" في باريس، تمثل بحسب رأيهم مشهداً لا يتناسب والقيم الرياضية، وقالت بعض الجمعيات الفرنسية إن تمثال عبد الصمد يشجّع على العنف والكراهية ويستغل كرة القدم لفعل ذلك، وهذا ما اعتبروه مؤسفاً جداً، وجعلهم يوقّعون عريضة موجّهة إلى زيدان يطالبونه خلالها بالمحافظة على صورته كبطل رياضي، ودعوه إلى إزالة التمثال الذي صنعه الجزائري عبد الصمد من ساحة المتحف الباريسي، وخصوصاً أن التمثال الشهير يجمع ألوف السياح الذين يتهافتون على التقاط صور تذكارية قربه. تجدر الإشارة إلى أن التمثال صنع في الولايات المتحدة وحظي باتهام عدد كبير من الناس عند عرضه في نيويورك قبل أن ينقل إلى باريس. نقل التمثال الى كورنيش الدوحة القطرية، تأهباً لاستقبال مونديال كأس العالم في قطر عام 2022. لكن الفن النحتي أصبح له معنى آخر في الدوحة، حيث هبّت عواصف المتزمتين وصارت المنحوتة "صنماً" في رأيهم، فتراجعت السلطات ورحّلتها الى مكان آخر. العنف الذي تمثله المنحوتة قابله عنف المنع والتزمت، مع التذكير بأن العنف يطغى على الكثير من أعمال عادل عبد الصمد.
حتى في مجال الكتابة والتدوين، صارت النطحة الزيدانية مادة إلهام أدبي، في زمن كرّس الأدب نفسه لعرض كل ما لم يكن ينبغي قوله. خير مثال على ذلك، الروائي البلجيكي جان فيليب توسان، الذي بهرنا بقصته "كآبة زيدان". يقول لوران دومولان عن هذه القصة التي لا تتعدى السبع عشرة صفحة في النسخة الفرنسية، أن موضوعها يبدو للوهلة الأولى كأنه غير مرتبط بالأدب كثيراً. مع ذلك تجتمع في نصها القصير تلميحات إلى الرسم الفلامندي والفلسفة اليونانية وتاريخ كرة القدم، في قلب جمل فخمة التوازن وشواهد عن ستاروبينسكي وفرويد وباشلار ومحاكاة لنيتشه ودو نرفال. الكاتب البلجيكي ليس الأول الذي يستلهم الرياضة في الأدب، فهناك أدباء وشعراء كانوا يلعبون كرة القدم ويكتبون عنها.
قصة "كآبة زيدان" اختيرت ضمن أفضل الأعمال النثرية الأوروبية، التي صوّر فيها الكاتب الدقائق التي سبقت احتكاك زيدان بماتيراتزي، سارداً من خلال شخصية زيدان، وكآبته، مشاعر يقول توسان إنّها تقاطعت مع كآبته الخاصة. لذا نجده يستشهد بمقاطع من روايته "حجرة الحمام": "كآبة زيدان أعرفها، غذّيتها، أكابدها، يصبح العالم معتماً... تتثاقل الأطراف. تبدو الساعات متثاقلة، تبدو أطول، أبطأ، لا نهاية لها". ينتقل الكاتب إلى تلك اللقطة التي نطح فيها زيدان خصمه الايطالي: "نهاية المباراة، الوقت الإضافي، رميات الجزاء والفائز، حركة حاسمة، خشنة، سخيفة ورومنطيقية: لحظة كمال الغموض تحت سماء برلين، بضع ثوان من الازدواجية تبعث على الدوار، حيث يمتزج الجمال بالسواد، ويلتقي العنف بالشغف، ليتسببا في تشكيل دائرة لحركة غير مسبوقة". ما كتبه توسان عن زيدان ربما كان لاحظه بيتر هاندكه في "قلق حارس المرمى"، القصة التي تحولت ايقونة عن كرة القدم. وهناك عشرات الروايات التي باتت تستلهم حكاياتها من الملاعب.
كثر حاولوا الافادة من اللحظة التراجيدية الزيدانية. اختفى اللاعب ماتيراتزي بعدما ألّف كتاباً عنوانه "هذا ما قلته لزيدان"، الذي انتقده بسبب تصريحاته. زوجة زيدان الإسبانية فيرونيكا فرنانديز، تدخلت لتتحدث عن سر النطحة، وتكشف في كتابها "زيدان حياة سرية" عن حدوث شجار بينها وبين زوجها قبل يوم من مباراة نهائي كأس العالم لكرة القدم 2006، ما جعل زيدان يدخل المباراة في حالة نفسية سيئة جداً أثّرت سلباً في أدائه ودفعته إلى الاشتباك مع مدافع إيطاليا. أصدرت المؤلفة آن ديلبي كتاباً عنوانه "الدقيقة 107" (2007)، حظي باهتمام النقاد. ديلبي مخرجة مسرحية أولت اهتمامها منذ سنوات للكتابة، وخصوصاً عن التراجيديا في الفكر الإنساني. الدقيقة 107 المعنيّة في عنوان هذا الكتاب هي تلك التي شهدتها المباراة النهائية لبطولة كأس العالم عام 2006. شبّهت آن ديلبي ملعب كرة القدم بمسرح جديد يعرف كيف يلهب مشاعر الجموع الهائلة. هذا هو الدور الذي كان المسرح يؤديه تحديداً عند اليونانيين القدماء. كان وقت المباراة النظامي، 90 دقيقة، قد انتهى. لم تكن هناك أي ضجة صادرة عن فرح أو عن يأس، وبحركة شبه آلية شغَّلت التلفزيون وكانت صورة زيدان وخلفه أحد لاعبي الفريق الخصم. من هنا، تبدأ المسرحية التراجيدية من اللحظة التراجيدية. وجدت المؤلفة في النطحة فرصة لتقديم كتاب في سياق إصداراتها، وتحدثت عن النطحة من مختلف أبعادها الغرائزية والتراجيدية والإنسانية. أمام مشهدية النطحة الزيدانية تقول: "فكّرت عندها في تلك الحرب الأخرى، الحروب الضروس بين رجلين آخرين منذ حوالى ثلاثة آلاف سنة. إنهما أخيل اليوناني الذي كان يسعى إلى قتل هكتور الطروادي. يومها قال أخيل لهكتور: "هكتور، توقّف أيها الملعون عن الحديث حول أيّ اتفاقات، فبيننا لا مكان لأيّ صداقة". أجابه هكتور: "أخيل، أنت لست سوى متشدق بالكلام الجميل، أنت فنان في الكذب، وأنا قادم لقتلك". هذا المشهد التراجيدي كان حاضرا في النطحة الزيدانية.
يد مارادونا
على رغم أن مارادونا كان أسطورة في مسيرته الكروية، لكن بريق الهدف التدليسي الذي سجّله بيده في مرمى انكلترا 1986 لا يزال يلمع حتى الآن كأنه تاج أسطورته، وبات أيقونة يتمنى معظم اللاعبين الكبار تحقيقها في حياتهم. هي لقطة مزلزلة خارج إطار روتين كرة القدم شجعت الكثيرين على تدوين كتب عن اللاعب الارجنتيني إضافة الى تصوير أفلام لعل أبرزها فيلم أمير كوستاريكا عنه. مارادونا ليس ذاك اللاعب الذي يجول ويصول ويستعرض ويجن على العشب الأخضر، بل ذاك الفنان في تفكيره والثائر في تصرفاته والغريب في طباعه. غاص كوستاريكا في حيثيات حياة مارادونا ولاحق تصرفاته كأنه رمز سياسي، مفنّداً مواقفه ليس الرياضية فحسب بل السياسية، مبرزاً المدرسة التي يعود إليها مارادونا، معرّجاً على القدسية التي يمتلكها الأسطورة الكروية في الأرجنتين التي وصلت إلى حد ابتكار كنيسة خاصة به.
مذ ضربت "يد الله" ضربتها في مرمى انكلترا، صارت هناك لائحة بالأهداف التي تسجل بطريقة التدليس رغماً عن شطارة الحكام. مارادونا الذي احتفى بغشّه واعتبره عملاً إلهياً، تحوّل في رأي بوريول إلى أحد آلهة الأولمب، كما ماكيزو الذي ميزه ديلوس عن بورغ كونه ابتدع لعبة التنس الديموقراطية ليصبح المضرب للجميع.
كان الشاعر محمود درويش على حق حين وصف كرة القدم بأنها "أشرف الحروب" وكتب مقالاً في هذا السياق عن مارادونا، وصفه بـ"الشيطان الملائكي"، ووجد الخبراء الرياضيون في المرجعية الشعرية اللغة الوحيدة القادرة على وصفه: "قوي كالثور. سريع كالقذيفة. يدخل الملعب كأنه داخل إلى كنيسة. يغربل الدفاع ويهدّف. نجم هذا العصر. لن يجد الأطباء دماً في عروقه. سيجدون وقود الصواريخ. يمرّ كالهواء عبر المساحات الضيقة. ملك الكرة المتوّج الذي قال: سجلت الهدف الأوّل في مرمى الإنكليز بيد الله ورأس مارادونا".
اعترف مارادونا بأنه تعمّد تسجيل الهدف بيده لأن الحارس الانكليزي بيتر شيلتون كان طويلاً، ولذلك لم يكن في استطاعته ضرب الكرة برأسه. وكان مارادونا قد سجل هدفاً ثانياً في اللقاء نفسه اعتبره البعض أفضل هدف في تاريخ كأس العالم بعدما راوغ نصف الفريق الانكليزي. لنتخيّل أن هدف التدليس الذي سجله مارادونا صار مثالاً يتسابق الأبطال في تقليده، كلٌّ على طريقته! لنتخيّل كيف أن اللاعب الارجنتيني ليونيل ميسي يحاكي مارادونا ويحرز هدفاً بيده. يرى النقاد والمتابعون أن ميسي قدّم برهاناً جديداً للجميع على أحقية المقارنة بينه وبين مارادونا، حيث بات الأول يسير على خطى مواطنه مارادونا.
يد هنري
لم يكن ميسي الوحيد الذي يستخدم يده هذه في تسجيل الأهداف عقب واقعة مارادونا. ما كان منتخب المنتخب الفرنسي ليتأهل إلى مونديال جنوب إفريقيا لولا يد تييري هنري، الذي اعترف أنه استخدم يده في تهيئة الكرة التي سجّلها وليم غالاس لتقود فرنسا إلى التعادل مع إيرلندا والتأهل إلى كأس العالم 2010. احتفى مارادونا بغشّه، وأقر به، بينما تواطأ تييري هنري مع الواقعة التلقائية والمؤاتية، ولم يقرّ بغشّ لم ينتبه إليه أحد لحظتذاك. يعيد عمل هنري إلى الأذهان سؤال جيجيس في أحد حوارات أفلاطون. جيجيس هذا وقع على خاتم إخفاء، مثل "طاقية الإخفاء". وهو يسأل: "من يَلزم الاستقامة إذا أمِن الناس ألاّ يراهم أحد؟". بين مارادونا وتييري هنري مشهدية التدليس والخداع والزعرنة، كأنهما يطبّقان المقولة اللبنانية "ما بيحقلّي بس صحّلي". أنقذ هنري منتخب بلاده من السقوط، بواسطة الغشّ، وأسقط مارادونا انكلترا بهدفه التدليسي الذي صار ذاكرة في ذاتها؛ ذاكرة مريرة في أذهان الجمهور الانكليزي. حتى أن طيف الهدف التدليسي سيطر على أقارب ماردونا؛ فكثيرون يعترضون ابنته في الأماكن العامة يسألونها عن سر الهدف وعن سر يد أبيها الاسطوري الذي كسر قواعد اللعب وخدع حكم المباريات.
تدليس مارادونا وهنري وغشّهما، يبدوان لطيفين ومقبولين، مقارنة بعنف شوماخر وكانتونا وبلاتيني وزيدان، الفاضح والأسطوري والبدائي في زمن الحضارة. فعلى رغم أن كرة القدم وجدت لترويض العنف وامتصاصه، فإن الأحداث الصغيرة التي تجري في محيطها تبيّن هشاشة الانسان في كبت غرائزه البدائية. يقول بوريول إن أداء لاعبي كرة القدم قد يكون مدار بحث وتفكير فلسفيين. هؤلاء اللاعبون الذين تجاوزوا الحدود نقول عنهم في الأدب: لقد أضفوا السموّ والعظمة على المباراة، كما يذهب بوريول إلى تحليل ما قاله اللاعبون بعد ضرباتهم تلك، كقول بلاتيني: "في هذا اليوم أصبحت رجلاً"، وقول زيدان: "أنا رجل قبل كل شيء"، وكانتونا: "أنا بشر قبل أن أكون لاعباً". ادعى هذا الأخير أنه أحسّ بشعور عظيم عندما ركل مشجّع كريستال بالاس. كان أسطورة "مانشستر يونايتد" يهمّ بالخروج من الملعب بعدما حصل على بطاقة حمراء لركله ريتشارد شو خلال مباراة في الدوري في سيلهرست بارك هام 1995. لكنه فقد أعصابه بعد وابل من الإعتداءات اللفظية من المشجع ماثيو سيمونز. وردّ كانتونا من طريق القفز فوق لوحة الإعلان قبل زرع رجله اليمنى في صدر سيمونز وأرعب المشجعين، متحولاً الى استعراضي في الـ"كونغ فو".
الركلة بحسب بوريول، بمثابة درس في الاخلاق. كأن كانتونا ديوجينوس الملاعب. ينقضّ مثل كلب حانق على أبله اعترض طريقه. أيضاً الالماني شوماخر وجّه ضربة عنيفة الى الفرنسي باتيستون، في بطولة كأس العالم لكرة القدم 1982، وبدا كأنه وضيع حاذق أو بارع. فبعدما بدأ الشوط الثاني من المباراة بعشر دقائق، اندفع باتيستون نحو المرمى الألماني متغلغلاً بين مدافعي الألمان، فانقضّ شوماخر في اتجاهه، وبينما استعد باتيستون لتسديد الكرة توجه شوماخر نحو باتيستون ووجّه إلى وجهه كوعه الجارح، مما أدى إلى سقوطه بدون وعي وبأسنان مكسورة. الشيء المدهش أن الحكم لم يحتسب أيّ خطأ على الحارس، الذي نجح في تجنّب أكبر خطأ عدواني وعنيف في تاريخ كرة القدم من دون أن يُحاسب. وعندما جاء الفريق الطبي إلى حيث سقط باتيستون، استنفر شوماخر وأخذ يشتكي ويتساءل متى ينتهي نقل باتيستون عبر الناقلة.
وضاعة شوماخر لا تمت بصلة الى ما فعله بلاتيني يوم لم يخف فرحه في الملعب، على رغم موت عدد من الاشخاص. ما فعله بلاتيني كان تعبيرا عن "الأنانية الفظة" في موقف ليس مؤلماً فقط بل أقل ما يقال عنه إنه دموي فظيع!
لقد حوّلت هذه الأحداث رمزيةَ اللقطة الرياضية من لحظتها الزمنية الميتة الى بعدها الأيقوني فغلب عليها البعد التأويلي من خلال مقارنتها بأحداث تاريخية لإيجاد ميتولوجيا مناسبة لها. كما أن هذه الأحداث حوّلت أصحابها من مجرد لاعبين يذكرهم التاريخ الكروي إلى أيقونات تشغل وسائل الميديا.
باختصار، يقول أوليفيه بوريول إن مباريات كرة القدم ما هي إلا حرب طروادة جديدة يتحول فيها الرجال إلى آلهة أو إلى محاربين خلال تسعين دقيقة من الزمن.‏ ما يقوله ربما يتفق مع موقف الروائي الأميركي بول أوستر الذي اعتبر أن كرة القدم هي "البديل من سفك الدماء" في الحروب الكونية، و"البلدان تخوض حروبها اليوم في ملاعب كرة القدم، بجنود يرتدون السروال القصير، وإذ يفترض أنها لعبة وأن التسلية هدفها، غير أن الذاكرة الخفية لتناحرات الماضي، تخيّم على كل مباراة، وكلما سجل هدف ترددت أصداء الانتصارات والهزائم القديمة".
أبعد من المآثر السلبية والحروب الكروية المقنعة، كان الروائي الإسباني خافير مارياس يقول "لا حاجة لكرة القدم إلى كتاب، لأن شعبيتها تكفي". يبدو أن الكتّاب باتوا يحتاجون إلى كرة القدم، إذ يكفي استعراض أسماء الروايات والقصائد والكتب الفلسفية والاجتماعية التي وظفت كرة القدم في مضمونها لتبيان ذلك، ربما لأن أهل الثقافة يعجزون عن تفسير هوس الشعوب بالكرة المطاطية التي تتدحرج بين الأرجل على العشب الأخضر، حيث تدور الكرة في الملعب وتدور معها مخيلة العالم.
عن ملحق النهار الثقافي

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top