اسكندر حبش: البوكر العربية.. أسئلة الجوائز

1:05:00 ص

إسكندر حبش

في كلّ مرة يعلن فيها اسم الفائز «بالجائزة العالمية للرواية العربية» (أو بجائزة «البوكر»، كما دُرج على تسميتها، وذلك تيمناً بالجائزة البريطانية المرموقة التي منحت اسمها لهذه الجائزة، ما أعطاها اندفاعاً قوياً وحضوراً وارفاً) لا بدّ أن نقرأ ونسمع الكثير من التعليقات بين المؤيدة والشاجبة، وإن كان الشجب يطغى في العديد من الأحيان، على الأقل لأن اسم الفائز لا يشكل إجماعاً كبيراً، وربما لأن المتابعين كانوا ينتظرون رابحاً آخر.
في أي حال، وقبل أن ندخل في أي رأي، لا بدّ أن نعترف أن الجائزة، التي أصبحت اليوم في سنتها السابعة، عرفت كيف تصوغ حضورها، لتكون «حدثا» سنويا، ينتظره الجميع من كتّاب رواية ونقاد وناشرين، وبخاصة هذه الفئة الأخيرة، التي تعتمد فعلياً على الكتاب الفائز إذ أنه يتيح لها عبر عمليات بيع نسخ الطبعات المتعددة أن تجد دخلا حقيقياً يتيح لها إصدار سلسلة طويلة من الكتب الأخرى تغني عبره قائمة منشوراتها. بالإضافة بالطبع، إلى الكتّاب الذين تشكل لهم قيمة الجائزة مبلغاً حقيقياً يجعلهم «يتوقفون» عن الركض وراء الكسب المادي ولو لفترة قصيرة.
كل هذا يبدو مفهوماً، من هنا نجد اليوم ما يشبه الهوس بهذه الجائزة، التي لم تعد وحيدة، إذ هناك العديد من المؤسسات والدول التي أطلقت جائزتها الخاصة، والتي قد تلاقي المصير عينه من الإقبال والدعاية الإعلامية والتغطية الصحافية الخ.. لكن بين ذلك كله، يبدو أن سؤال الأدب لا يزال حاضرا، إذ أنه يشكل السؤال الأهم في كل ما يجري.
ربما من أوائل الأسئلة التي تطالعنا: هل ان الأدب بحاجة إلى جوائز كي يستقيم ويجد مكانته في المجتمع وفي الأدب بطبيعة الحال؟ بالتأكيد لا أحد يكتب من أجل جائزة. نكتب لحاجة الكتابة بالدرجة الأولى، وللعديد من الأسباب الأخرى التي يشرحها كل واحد على طريقته الخاصة. لكن الجوائز الأدبية، أمر موجود في العالم بأسره، لذلك ليس من «المعيب» أن تكون هناك جوائز في العالم العربي، إذ لا بدّ أن تشكل في نهاية الأمر نوعاً من حافز ما، وإن اختلفت أسباب هذه الحوافز الحقيقية عند كل واحد منّا. إزاء ذلك كله، من المفيد إذن أن تأتي جائزة لتشير إلى كتاب ما، على الأقل ووفق ما رأيناه، أن «البوكر»، تدفع قراء ـ كنا نعتبرهم غير موجودين، أو لنقل قراء افتراضيين - إلى الظهور وإلى الشراء وربما إلى القراءة. أي أنها أوجدت حالة حقيقية وحلا لأمر كنا نشتكي منه لعقود عديدة: غياب القارئ العربي. من هنا ـ وعلى الأقل لسبب ظهور هذا القارئ ـ لا يمكن رفض حضور الجوائز الأدبية في حياتنا. نعرف أن الإنسان العادي، بحاجة دائماً إلى «بطل» يستظل به، وقد أتاحت الجائزة عملية ولادة هذا البطل الذي يضفي هالة حقيقية حتى على الدولة التي يكون آتيا منها. مثال صغير على ذلك، الاحتفاء الذي شهدناه العام الماضي بالكاتب الكويتي سعود السنعوسي عن روايته «ساق البامبو»، وما رأيناه هذا العام مع العراقي أحمد سعداوي عن روايته «فرانكشتاين في بغداد»، الخ..
لكن ذلك كله، لا يعني الأدب في العمق، إذ يبقى السؤال الأدبي هو الأساس مثلما أسلفنا، أي على هذه الاحتفاءات أن لا تنسينا مطلقاً جودة ما نقرأ وجودة ما كُتب. إذ ـ في نهاية الأمر ـ هذا ما يعني القسم الأكبر منا، التي تبحث عن «أدب كبير» يدغدغ ثقافتها وأحلامها وما إلى هنالك.

ردود

هذا السؤال هو في الواقع ما يجر الكثير من الاعتراضات حين إعلان اسم الفائز، إذ قد لا تجد في الرابح ولا في روايته ما يرضي طموحها، أو لنقل لا يرضي هذه الاستيهامات العديدة التي تسيرها. وعلينا أن لا ننسى فعلا ذاك القسم من «الشتائم» الذي يأتي قبل إعلان الجائزة، حين لا يتم اختيار كتاب أو كاتب معين. سأعطي مثالا على ذلك. أحد الكتّاب الذين يشرفون على صفحة ثقافية في إحدى الصحف العربية الزميلة، رشح روايته للبوكر، ولكن لم يتم اختيار هذه الرواية حتى في القائمة الطويلة. أمر منطقي، بمعنى أن حيثيات كل جائزة أدبية تملك منطقها الخاص ولجنة التحكيم فيها تملك بدورها منطقها الخاص. إذ تقبل وتستبعد ما تراه هي مناسبا. من هنا، ما كان عليه إلا أن بدأ بشتم كل شيء، والطلب من نقاد وكتّاب آخرين أن يدلوا بدلو الشتيمة. أقول ذلك لسبب أن كل المقالات التي صدرت في هذه الصفحة الثقافية للزميلة المعنية، لا نجد أي واحدة منها «إيجابية» بوجه الكتب الأخرى التي بقيت، في اللائحة الطويلة ومن بعدها اللائحة القصيرة.
مثال لا يدل بالطبع على أي بحث أدبي، إذ لا يمكن إلا أن نقرأه من زاوية «الغيرة»، إذا جاز القول. من هنا علينا أن نتعلم أبسط قواعد النزاهة والتقبل والديموقراطية التي نتغنى بها ليلا ونهارا. وسأسمح لنفسي هنا بتحية للروائي السوري خالد خليفة الذي كان أول مهنئي الروائي العراقي سعداوي بعد فوز هذا الأخير بجائزة هذا العام، إذ كان خليفة مرشحاً بدوره ووصل إلى اللائحة القصيرة للمرة الثانية ولم يفز. تهنئة جميلة كتبها على صفحته في الفايسبوك، وهي إن دلت على شيء، فهي تدل على هذه الروح الجميلة التي على الكتّاب أن يتحلوا بها، لا أن يلجأوا إلى الإلغاء والشتم وما شابه.
كل هذه الديكورات التي تحدثت عنها لغاية الآن، تبدو وكأنها أصبحت السمة العامة التي يحاول كثيرون أن يجعلوها السمة الوحيدة لأي جائزة تمنح في العالم العربي، في حين أن الأساسي الذي نتناساه، هو المعيار الأدبي.
بالتأكيد يحق لنا انتقاد أي كتاب أو أي روائي، لكن علينا أن نبقى ضمن حدود هذا الانتقاد الأدبي لا أن نعممه على كل شيء. هذا ما ينقصنا فعلا لغاية اليوم، ضمن مسيرة البوكر. يمكن لأي واحد منا أن يبدي رأيه إعجاباً أم لا بالكتاب الفائز وحتى في كل ما يقرأ حتى للأسماء المكرسة والشهيرة، لكن أظن أنه من المعيب جداً أن نحمل كل خلافاتنا وانفصاماتنا الشخصية ونجعلها هي الحكم وهي من يسيّرنا في اتخاذ أي قرار.

بدون إجماع

ثمة أمر أجدني منحازاً إلى قوله: أجمل ما في الأدب أنه لا يتطلب إجماعاً، وإلا لما عاد أدباً. أقصد أهمية أي كاتب، أن قسما منا يحبه، وقسماً آخر يجد أن ما يكتبه لا معنى له. هذا هو قانون الأدب وشرطه. وإلا لكنّا توقفنا عند كاتب واحد من بداية الخليقة ولما انحزنا إلى تيارات ومدارس أدبية متنوعة، ولا انحزنا أيضاً إلى الأنواع الكتابية المتعددة. من هذه النقطة أجد أيضاً أن أعضاء أي لجنة تحكيم تنتمي إلى هذه الفئة البشرية، بمعنى أنها أيضاً يحق لها أن تقرأ كما هي تقرأ لا كما أريد أنا منها أن تقرأ. إنها هي من يتحمل مسؤولية قراراها. صحيح أنه يحق لنا أن نعترض، لكن لنعترض ضمن الأدب لا ضمن المماحكات الشخصية، لأننا لو كنا نحن أعضاء لجنة تحكيم لاخترنا ما نجده مناسباً لنا، أي لاخترنا وفق قراءاتنا لا وفق الطريقة التي يريد منا الآخرون أن نقرأ عبرها.
بناء على كل ما تقدم، لا يعني هذا الذي كتبته إلى الآن دفاعا لا عن الجائزة ولا عن أصحابها ولا عن لجان تحكيمها. لي رأيي الخاص بالطبع. وأجد أن العديد من الروايات التي فازت بالبوكر لغاية الآن لا تعنيني، وأجد أن كثيراً منها لا تملك الشروط الفنية وأنها لم تضف أي شيء على قراءاتي، كما أجد أن بعض «الخاسرين» كانوا يستحقون الفوز بالفعل. لكن هذا كله مجرد رأي خاص، أي رأيي أنا، الذي لا يمكن لي ولا بأي حال من الأحوال أن أفرضه على أحد، إذ ثمة آراء أخرى تجد العكس من ذلك وعلي احترام هذا الرأي الآخر، وعلي القبول بالنتيجة. لأن قبولي لا يعني أن الأدب توقف عند هذه النقطة، بل إن حدثاً معيناً تمثل بجائزة ما، اختار ما اختاره، وهذا لا يلغي حضور أي كاتب آخر. هذا ما علمنا إياه تاريخ الأدب. سأعطي مثلا صغيرا: في الماضي، حين منحت جائزة نوبل للآداب للكاتب الفرنسي أندريه جيد، كانت اللجنة الملكية السويدية محتارة بينه وبين مارسيل بروست. شكل الأمر صدمة عند البعض. لكن مع الأيام، تناسى الجميع حتى حضور أندريه جيد وكتاباته وكتبه، وبقي مارسيل بروست خالداً في التاريخ الأدبي، بل أكثر من هذا، إذ أنه يشكل مفصلا أساسياً من مفاصل الرواية في العالم. لكن هل يحق لنا وسط هذه المعمعة أن نلغي أندريه جيد؟ بالرغم من أن المقارنة لا تصلح ـ برأيي الخاص ـ بين هذين الكاتبين، إذ أميل بالطبع إلى بروست ومن بعيد، إلا أنه لا يمكن لي أبدا إلغاء جيد، إذ لديه محبوه وقراؤه حتى وإن تساءلت عن معنى كتاباته. لكن على السؤال الشخصي أن لا يطغى وأن لا يكون هو الحاضر الأبدي.
بهذا المنطق، أعتقد أن علينا أن نقرأ الفائزين، مع حقنا الأكيد في أن لا نحب ما كتبوه. لأنه لو تم اختيار كاتب آخر، نريده على سبيل المثال، سنجد بالتأكيد، قسماً لن يحبوا ما نحبه.
ما من جائزة أدبية في العالم تثير إجماعاً عاماً. من هنا، ليست الجائزة هي المهمة، بل الكتابة. أن نكتب حقاً فلا بدّ أن يصل ما نكتبه إلى قراء يعنيهم ما نفعل. لأن الأدب هو ما يتبقى في النهاية لا الجوائز، إذ قد تتوقف الجائزة وتختفي وتصبح جزءا من التاريخ، أما الكتاب، فلا شك أن له حيوات كثيرة ستعود لتعيش من جديد.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا

بين جلسة في الحديقة وإعدام شاعر: حيوات اسطنبول وأحلامها في القرن السادس عشر