الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة

هذه اللعبة بملاعبها المتفجرة بالصرخات والزمجرات واللكمات والسباب والآهات
ثمة مباريات نهائية تشبه القصائد.. لا تموت
 
شارل شهوان
يا لها من ذكريات
نتف ذكريات، ثوان ضوئية مبتورة أشبه برذاذ نيزك منتحر في ليل بهيم. بأيّة حال يبقى ما تبقى مبعثراً في جنينة العمر الصغيرة، حيث في وسع زهرة ضئيلة بحجم حدقة العين أن تهبني البهجة القاهرة لكل التعاسة، لكل السأم.

لندع الكرب جانباً، بمطلق الأحوال ما كنت أبداً كائناً سعيداً، بيد أني كنت فتى خجولاً وشقياً في آن معاً، ألعب مثل إبليس طوال ما أشرقت الشمس، وابتئس كقديس متمرّن طوال العتمة. لست أذكر في الواقع متى بدأت ألعب الفوتبول، لربما قبل أو بعد العاشرة من العمر، أما أين وكيف، أراني أعجز عن تبيّنه. أعود إلى بيتنا الحجري القديم مع غروب الشمس مكدساً بالغبار والتراب. كان ذلك يحدث يومياً طوال أيام الأصياف طراً. مثل عامل منجم في وسط الكسليك، أصل المنزل معفر الوجه خلف قناع الأغبرة والعرق، وتكون أمي في انتظاري، وأنال ما استحق أو ما لا أستحق، ولم يكن ألمي شديداً، مجرّد صفعات على المؤخرة، مجرّد عقصات، من ذا يأبه. كنت لاعباً بارعاً بالتأكيد، سريعاً مثل صاروخ وهو تشبيه فوتبولي بامتياز، وماهراً مثل ثعلب. الأفضل أن أقول أني كنت سريعاً وماهراً كأرنب برّي متوحّش، كنت بلا ريب لاعباً مهاجماً منذ اللحظة الأولى وفي سجلّي اليوميّ عشرات الأهداف. لا بد أنّي سجّلت خلال فتوتي أهدافاً تفوق كل ما سجّل في معظم بطولات كأس العالم قاطبة. لذا تراني أزدري اليوم كل إنجازات بيليه أو جورج بست أو جيرد موللر. وحتى جوست فونتين. أقرّ بأيّة حال أنّي غير متواضع حتى لو اضطرني الأمر إلى البكاء بعدها، وهذا ما يصيبني في جمّ الأوقات. عشرات الأهداف يومياً على مدى الأصياف وتحت الشمس الحارقة، أو عتمة العشية المنقضية إلى حين نعجز عن رؤية الطابة.

إبن الخواجه يلعب مع زعران الحيّ، ما كانوا حقاً زعراناً، مجرّد أولاد فقراء أو متوسطي الحال كما كانت وهي عموماً حال سكان شبه جزيرة لبنان، ثمّة أسماء وهيئات ما زلت أذكرها، البعض الآخر لم يترك أي إنطباع. مجرّد كومبارس لبطولاتي. كنت ألعب لا بل أحلّق بينهم مثل الفتى البرق، وصرخات «غووول» لا بد زعقتها آلاف المرات. أو، هل كنت بطلاً إغريقياً في حياة سابقة؟ بدون أدنى ريب. غير أنّ كل هذه البطولات ستغدو عديمة الفائدة بعيد سنوات ليست بكثيرة. لسوف أذوي وألتوي وأهوي كثقابة متفحمة. لا بد من الفرملة هنا، هذه الأفكار المكفهرة تبعث على الغم.

الفتى البرق الذي كنته كلاعب ما كانت تضاهيه البتة أو تماثله مواصفاتي الجسدية الهشّة. لقد كنت في الواقع المرّ أشبه بعود الثقابة التي تحدّثت عن احتراقها آنفاً. نحيل بعظام شبه مرئية وشفافة في آن معاً، وكان شعري أشقر لأبدو مندفعاً بين اللاعبين مثل ثقابة ملتهبة مسعورة. بأيّة حال أجدني أحبني الآن كما كنت لا أحبني فيما مضى، في تلك الأصياف بالذات كما في العتمة، آن تغرق الشمس أو تلك الطابة البدينة الحمراء الراكنة في مرمى الغروب؟ من كان أولئك الفتيان، أي مصير أي حياة، أية مآسي أهدرتهم؟ أينبغي أن آبه؟ عظيمهم انتهى لحظة تواروا ذات لحظة، لحظة خرجوا من حياتي، كنت أهزمهم وكفى، لا بد أني عمدتهم بنار الإنكسارات، حضّرتهم لآتي الأيام للمقبلة من الخسارات والإندحارات. ينبغي أن يقدموا لي الشكر. يا لهم من ناكري جميل. هنا ينبغي الفرملة مجدداً.

الطبقة الأرضية عن الدير كانت ملعبنا. في الواقع، هو أحد ملاعبنا. كنا نتقي هناك لهيب الصيف وشمسه المتوحشة، بين الأعمدة كانت تدور المباريات ومن الأرض الإسمنتية القذرة ترتفع الأغبرة مدوّمة مثل عاصفة صحراء، وكنا نلتهم تلك الأغبرة مثل شطائر وهمية، وكانت أصواتنا بل صرخاتنا عاتية مثل محاربي الهنود الحمر. كانت معارك أكثر منها مباريات، وكرتنا البلاستيكية تلك المصنوعة بالتأكيد من مخلفات بلاستيك الدلاء، قاسية تؤلم الأقدام وتدميها. صوت اصطدامها بالجدران الإسمنتية كان يدوّي كانفجار مفرقعة. إيلي.ص نديّ الوحيد في تلك المباريات كان شديد الحمق، بيد أنّه كان بارعاً، ينطلق كبغل أعمى دون هوادة. كنت أهزمه وفريقه أغلب الأحيان. ستيفو الطويل حارس المرمى اصطاده بالكرات المنخفضة الزاحفة. جميل وأخوه توفيق العلويان السوريان، بسحنتهما الشاحبة ورأسيهما الشقراوين، كانا بطيئين كسلحفاة. ومن أيضاً؟ ثمّة شقيقان أرمنيان أيضاً، أظن أحدهما كان يدعى فاتشي كان لا بأس بهما. فاتشي الممتلئ عضلات كان يفوقنا عمراً وحنكة. ينبغي الإعتراف. إبن شارع حقيقي، أقرب إلى هرّ برّي واسع الدهاء لا بد أنّه نجح في مكان ما، أو أخفق كلياً. هاجرا إلى أميركا قبيل الحرب عندنا. ثمّة كثيرون أعجز عن تذكرهم، جوجو ابن السودا، وكان لا ينبغي أن نناديه كذلك، كان أسود هو نفسه وشديد اللؤم أحياناً، غير أنّه كان أصغر منا ويسهل ركله بلا عناء. بعد انقضاء سنوات كان يجوب الحيّ فوق ماكنة ميليشياوية ممتشقاً مدفعاً رشاشاً ضخماً أقرب إلى مضاد الطائرات. من الجيد أنّه نسي صفعاتنا والركلات. لاحقاً عرفت أنّ المدفع إياه سقط وكاد يبتر له قدمه، تلك القدم غير النافعة في الفوتبول، مجرّد خسارة طفيفة. تذكرت، كان هناك علي الطويل كمحطة إرسال والفارغ الرأس كقبّرة، كان ينطلق كصاعور مزمجراً ويسبق الطابة، مجرّد أخرق فوق عمودين. الفتى البعلبكي خاتشيك، أجل خاتشيك غير أنّه لم يكن حقيقة خاتشيك، جدّه هو الذي لقبه كذلك لسبب غامض، كان ممتازاً. منفوخ الصدر مثل ديك فرنسي وواسع الحيلة، كنا نلعب سوية ونحقق المعجزات، كان غريب السمات وأقرب الى الهنود الحمر الأباشي بحدّة سمرته ووجهه الطويل وشعره الأسود الطويل حتى الكتفين. لعلّه كان أبرع لاعب «كلّة» على وجه الأرض. كان معجزة صباي. كان يناديني «شور«. ما كنت ندّه في أي مجال آخر سوى الفوتبول. إبتاع سيارة فيما كنت لا أزال أحلم بدراجة بخارية، وعاشر نسوة فيها. فيما أغرمت كحمار بائس بإبنة الجيران، وهذه مأساة على حدة. ثم كان هناك الياس الدب وشقيقه الملتوي كسروة عليلة. هنالك أيضاً إبن فدوى الطيب وما زلت الى الساعة نادماً على تحطيم وجهه. ثمّة غيرهم ولكني لا أذكرهم. هؤلاء كانوا رفاق الحيّ، فريق الحيّ، أُسود الكسليك كما كنا ندعو فريقنا، أولاد العراء والبحر وضحايا الحرب الآتية.

ثمّة الذكريات الأخرى في ملعبنا الآخر، وأسميناه كرم الزيتون. وكان فعلاً كرم زيتون، كنا نلعب بين الشجرات، وكان مكسوّاً بالعشب البرّي وصالحاً للسقوط كما في الملاعب التلفزيونية. غير أنّ أحذيتنا أو إسبدريناتنا البائسة البخسة كانت تجر علينا هناك البلاء. فوق العشب الزلق كنا نسقط تباعاً ومرة كدت ألقى مصرعي وفقدت القدرة على التنفّس طوال دقائق مضنيات. انزلقت على ظهري وخبطت على الأرضية مثل كيس بطاطس، وهكذا كان. وعلى مقربة كان ملعب المدرسة الإبتدائية المسوّر بأرضيته الإسمنتية وشساعته.

لعلّه لم يكن كذلك بيد أني صغير وشبّه لي كذلك. كنا نتسلّق سوره العالي ونقفز كالدواري إلى الداخل. كان القيظ هناك حارقاً، وكنا نتقافز مثل جنادب فوق حريق. أكان ينبغي أن نتحمّل كل ذلك من أجل اللعب، من أجل صرخة «غول»، يبدو كذلك. ملعب آخر بين صنوبرات الكسليك الشهيرة، هناك كانت الذروة، نلعب وسط الصخور الجارمة والأشواك وانحدار الأرضية وأيضاً سوء التغذية. كنت أتقافر كدوريّ وأقتات مثله، أكره اللحمة والشواء. آكل «قتلة» مع كل عروس لحم مشوي، وكانت أمي من يتكفّل بالأمر. لا ضغينة هنا، وغالباً ما يكون البرّاد الجنرال الكتريك المتحفي شبه فارغ، كنا ثمانية أفواه وأرانب، عروس سكر مرشوش بالماء كانت تقضي الغرض، كنت نباتياً أنموذجياً من غير أن أدرك. البطاطا المقلية واو، ما كنت لأستبدلها بخراف أوستراليا قاطبة.

في ما بعد، بعيد سنوات، كنت وحيداً من بين الجميع. صرت لاعباً في فريق كرة قدم شرعي. كان الفريق يدعى راسينغ جونيه، وغالب الظن أنه كان تابعاً لفريق الراسينغ المعروف في بيروت. حتى أني وقعت كشفاً معهم في الاتحاد اللبناني للعبة. هناك كان يتوجّب أن تكون الأمور مختلفة. لست أدري كيف تجمّعنا بيد أنّ ما أذكره تماماً أني حتى هناك ما امتلكت يوماً حذاء كرة قدم حقيقي، أي النوع الذي يملك مسامير حديدية في أسفله، لم تكن الكاوتشوكية قد ابتكرت بعد. أما القمصان فنلناها لاحقاً، تلك البيضاء مع الشورت الأبيض، لا بد أننا دفعنا ثمنها ايامذاك. حقبة شاقة تلك. كنا نلعب أمام جمهور وهذا أمر ليس بالسهل. جمهور بدايات الحرب. هنا رفاق اللعب اختلفوا ودخلنا عالم الكبار. في وسع الكبار ان يفسدوا أي شيء. وكان الملعب كبيراً شاسعاً منهكاً. اختلف الأمر كلياً وتضاءلت المتعة وتضاءلت الأهداف، غير أني سجلت اهدافاً ما زلت أذكرها وفي مباريات قاسية حقيقية. عرفنا كذلك في البداية هزائم مذلّة. الفوتبول لعبة للصغار ينبغي الإعتراف، ليست لعبة أمجاد أو فحولة. بأية حال لن أطيل ههنا. لم تكن التجربة تلك ممتعة، لعل كل ما في المسألة أني أنا بالذات كنت تعساً ولأسباب وأكدار تتعلق بي. كنت بدأت أرى بوضوح، أحس بجلاء وأحزن كمقبرة مهجورة، وأخيراً وبكل أسى عاشقاً للمرة الأولى.

انطلاقاً من ثقافتي الإنكليزية عشقت الكرة الإنكليزية، كنت أتابعها بما تيسر أيامذاك، عبر الصحف أو المشاهد النادرة في تلفزيون جارنا العجوز فرنسيس الأبيض والأسود، وعبر مجلة «شوت» التي اكتشفتها في «كيوسك« على مقربة من سينما أمبير في أعلى ساحة البرج، كنت صغيراً آنذاك وأقصد الساحة بالباص وأقص شعري في صالون ما زلت إلى الآن أشم رائحته، كان ثمة رائحة مميزة لكل ما هنالك، حتى لمجلة «شوت» وورقها البني ولصور اللاعبين تلك الساحرة. كان ينبغي أن أُخلق في لندن، هكذا حلمت عندها وباستمرار. مباريات الدوري الانكليزي كنت أتابعها في بث مباشر عبر اذاعة «راديو بي بي سي« الانكليزية. أجل عبر الراديو وكنت أتخيّل في رأسي ما يحدث. كل ذلك العناء كان فاتناً. المباريات المتخيّلة دائماً أروع وأشدّ إثارة. أضعت مجموعة مجلات «شوت» وأضعت معها حقبة في شبابي. كانت تلك حقبة كيفن كيفن مع ليفربول، كان هو الملك النجم، الستار. غير الآن المنتخب الإنكليزي كان دوماً سيئاً، كان يخذلني بلا رأفة ولا رحمة. أحاول أن أختصر.

«تلفزيونات فوق الجبال»

لا أذكر كيف أتيح لي حضور بعض مباريات بطولة كأس العالم آنذاك، تلك، التي كسبتها ألمانيا على حساب هولندا. هولندا كرويف. ذلك الفريق الأسطوري ولربما الأعظم في التاريخ. وقتذاك سجل غيرد موللر ذاك الدب المحظوظ. بطولة عالم أخرى، وكانت جرت آبان الحرب وسط انقطاع تام للكهرباء ولا محطات محلية تنقل الحدث. تابعت بعضها كما معظم المواطنين من فوق الجبال. كان الجميع يتوجّهون بسياراتهم إلى المناطق الجبلية حاملين معهم تلفزيوناتهم الصغيرة النقالة ويصلون شريطها ببطاريات سياراتهم لتلتقط بهوائياتها الصغيرة محطات يونانية أو تركية أو غيرها كانت تنقل المونديال، هناك في أعالي الجبال على مقربة من النجوم كانت الشاشات الصغيرة مثل مخلوقات فضائية مشعة في الليل الكالح تعتلي سقوف السيارات، وكنت الصرخات تشق السماء وترهب الذئاب.

ثمّ كانت هناك بطولة العالم في الأرجنتين أيام الديكتاتورية ما قبل مارادونا، أيام كمبس وارديليز وغيرهما، هزموا الألمان في النهائي. كانت المباراة بفوضاتها تشبه إلى حدّ بعيد مبارياتنا في جلّ الزيتون، وأحببت ذلك. أتراهم اللاتينيون لا يكبرون كما يجب؟ يخطر لي أحياناً أنّها محطات، قيام بطولات العالم أساسية في أعمارنا. ثمّة الكثير من السنوات الضائعة، لنقل المتوارية في أعمار أيّ منا. مرت مثل سراب من غير أدنى أثر. بيد أنّ تلك البطولات تطبع سنواتنا تلك مثل وشوم أبدية شئنا أم أبينا. ثمّة مباريات نهائيّة تشبه القصائد لا تموت، نذكر خواتيمها على الأقل، أهدافها كإلتماعات قصيدة ما خالدة. وكمثل كتابة التاريخ دوماً يبقى المنتصرون وللأسف.

ما عادت كرة القدم تسحرني كما في سابق الأيام، ربما أنا هو السبب. أفضل الفوتبول أو تحديداً «الفاتبول« كما كان يتلفّظ رفاق الصبا والأحياء. ما زلت أفضّل هزيمة رفاقي على هزم البرازيل أو الأرجنتين أو المانيا. غير أنّي ما زلت أحلم في قرارة نفسي أحياناً أن أصبح في حياة لاحقة لاعباً في إنكلترا وفي لندن بالتحديد. إن حدث ذلك أو هل سأدرك عندها أنّي كنت حلمت بذلك؟ بمطلق الأحوال وإثر إحباطاتي المتوالية المتراكمة ما عدت مشجّعاً للإنكليز، بيد أنّه يستحيل أن أبدّل ذلك في لاوعيي. صرت أفضل نجوم السينما الطليان، من الناحية الجمالية الصرف، اللاعبون الإيطاليون هم الأروع، أشبه بآلهة رومانية. أكره اللاعبين البشعين. ثمّة بعض العنصرية في هذا القول أعرف. إذ يمكن إنطلاقاً من هذه المقاربة أن يفضل أحدهم آلان ديلون على باتشينو. غير أنّ هذه المقارنة غير مجدية هنا إذ أنّ الطليان لاعبون رائعون. تراهم يتحوّلون من فريق عادي الى فريق خارق في كأس العالم عموماً، وهي ظاهرة غير معلّلة، شبه خرافية لنقل ميتولوجية.

لاحقاً، اكتشفت في لعبة بلايستايشن فيفا 2000 أنّه بالوسع أن تؤلّف فريقك الخاص، بأسمائهم وبراعاتهم وقمصانهم حتى آخر التفاصيل، وفي الوسع أن أواجه بفريقي أدهى وأعظم فرق العالم، وهكذا كان. جمعتهم جميعاً وأنا معهم، ستيفو، جميل، خاتشيك، جوجو، ايلي، وغيرهم وواجهنا مانشستر وبرشلونة وتوتنهام وغيرهم. كان ذلك بمثابة انتقامي الضئيل. اجتمعنا كلنا، رفاق الصبا افتراضياً، بعد أن افترقنا واقعياً والى الأبد.

هذه اللعبة التي عشقها كامو وكرهها مورافيا والعابقة بأفيون الإنتصارات الواهية المخدّرة المنوّمة الكابحة للثورات. هذه اللعبة بملاعبها المتفجّرة بالصرخات والزمجرات واللكمات والسباب والآهات، لا شيء فيها سوى الهباء ولا ريب الهباء هو كل ما هنالك. يجدر الإعتراف بأنّي أفضّل اللعب على المشاهدة، لذا حين سأعود صبياً يوماً سأفعل ذلك. وسيعود اليّ أكثر ما أفتقده في حياتي وهو الهدف. سألهث مجدّداً وأعدو مسعوراً إليه، وسألتهم كل تلك الفوضى كل ذلك السخط، وتلك القذارة والجروح والخفقات والإنتصارات الحقيقيّة، أجل. جورج بست اللاعب الإيرلندي البارع، الأكثر براعة والساحر، بست الجيغولو الأجمل من ريتشارد بورتون انتهى مدمناً سكيراً ومات كذلك. كان بست لربما شاعراً أكثر منه لاعباً. ما عدت أعشق الفوتبول، أتابع بين وقت وآخر، أفرّغ بعض وقتي الضائع. لست أعرف على وجه الدقّة في نهاية الأمر إن كانت المسألة تهمّني على الإطلاق. لعلّه يجدر بي أن أقصد طبيباً نفسانياً قد يعيد إليّ متعة الأمر. هنالك وسائل قد تعيّن إنّما لا حاجة بي إلى ذكرها ههنا، أو السفر إلى كولورادو وبأفضل الأحوال مقديشو. هي نكتة سمجة بأفضل الأحوال. قد تكون الذكريات زاهية مشعّة، وقد تكون شاحبة موحشة أحياناً. لعلّها بلحظاتها المشرقة المفعمة بالدينامية والحبور والإندفاعات المجنونة بمثابة لعنة أو لكمة في وجه خلايانا التعبة المنهمكة. ماذا لو تنظّم بطولة الفاشلين أزلاً وأبداً في الوصول الى المونديال، شيء ما أشبه بمنظّمة دول عدم الإنحياز، وفي الوسع عندها إن وفّقنا القدير أن نشجّع منتخب الأرز في النهائي ضد فريق جنوب السودان. الجور يهدّ الأبدان، سنهزمهم شر هزيمة أو «الأهلي صربا» بقيادة «السيكا».


شاعر لبناني
المقال عن ملحق نوفذ في جريدة المستقبل

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top