الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة

أزعجنا فؤاد عجمي منذ الثمانينات، وليس في السنوات الأخيرة فقط. فقد كان في طليعة من راقبوا «الحصاد المُرّ» للقومية العربية وسياساتها التي تولَّى السلطة باسمها وعلى وقعها العسكريون والأمنيون العرب على مدى خمسة عقود. وهكذا، ففي حين كان إدوارد سعيد يدغدغ جراحنا بقلمه الحافر ضد الصهيونية والاستشراق والسياسات الأميركية بالمنطقة؛ فإنّ فؤاد عجمي كان ينثر ملحاً على الجراح المتخثرة والفاغرة. وقد كان أكبر ما يثيرني شخصياً في مطالعاته وأُطروحاته ومقالاته حتى بدايات القرن الحادي والعشرين، أمران آخران غير حملته على القومية العربية، الأول أنّ «الأيديولوجيا» القومية المزوَّرة في نظره، والتي كان يأخذها على الأنظمة العربية غير الديموقراطية، ما كانت تستدعي منه التعامُلَ مع الأيديولوجيا القومية الصهيونية المحاربة بالطريقة نفسِها. وقد سمعتُه مرةً يقول إنّ هذه «نجحت» وتلك لم تنجح! وقال له أحد الحاضرين: إفترض أنّ حرب العام 1967 لم تحدث أو لم ينهزم فيها جمال عبدالناصر، فكيف سيكون حكمك على مصائر القومية العربية؟ وما ارتبك الرجل ولا تردّد، بل أجاب: أنا من مدرسةٍ كانت دائماً ضد الأيديولوجيات الشمولية التي سادت في الحرب الباردة. ولذا، فسَواء نجحت الوحدة المصرية-السورية أو فشلت، ونجح عبدالناصر أو فشل؛ فإنّ مسألة الأمة لا تُبنى هكذا، لا لجهة الثقافة ولا لجهة الدولة! وتابع مناقشه: لكنّ القومية الصهيونية قامت على القوة والفتح، وهي أيديولوجيا شمولية، فلماذا ما رأيناك استنكرتَها أو ناضلْت ضد حروبها؟ وأجاب عجمي مرةً ثانيةً أو ثالثة: القومية الصهيونية غير القومية العربية. لكنني أرى أنّ القضية الفلسطينية محقة في نطاق قرارات الأُمم المتحدة. وأنا أنقد فقط العقائديات الثورية اليسارية والآن الإسلامية التي سادت في أوساط منظمة التحرير وخارجها، والتي ما ساهمت في تمكين الفلسطينيين من الحصول على حقهم، بل أضرت بهم لجهتين: التلاعب بعواطفهم بحجة التحرير الكامل، وإدخالهم في ألعاب الصراع بين الأنظمة العربية!
نعم، وما تعودنا نحن أيضاً على يمينية الرجل، وللسبب الثاني أنه من أصل لبناني وجنوبي. ولهذا فقد كان كثيرون يتهمونه بالخيانة، خصوصاً أنه من جنوب لبنان الذي احتلته إسرائيل. لكنّ حجته هنا - إذا صحَّ التعبير - كانت أقوى (!) فلولا «حركشة «الفلسطينيين بإسرائيل من جنوب لبنان، لظلَّ الجنوب آمِناً. وقد دلَّ كتابه عن السيد موسى الصدر والإحياء الشيعي، على طريقته في فهم الولاء الوطني، والولاء للطائفة. فلبنان مظلوم بسبب السياسات العربية، وبعض الاستئثار من القيادات المسيحية، وأخيراً الاستعمار السوري. وعقدة الجنوب هذه ستحرر الشيعة من ثلاث طبقات من الظلم: الأيديولوجيا القومية، والممارسات الفلسطينية والسورية من بعد، واستئثارات النظام اللبناني. ولذا فقد رأى أنّ ظاهرة موسى الصدر هي ظاهرةٌ إحيائيةٌ ونهضويةٌ تتمرد بطريقتها الخاصة على كل الظُلامات، ومن ضمنها التقاليد الإقطاعية ضمن الطائفة الشيعية. لكنه يتشكّك في النهاية في مصائر «الإصلاح الشيعي» بعد الثورة الإسلامية في إيران. وهو يتوقع (في النصف الأول من التسعينات) أن يتعاظم النفوذ الديني الإيراني على الشيعة اللبنانيين وأن يُحدث لهم ذلك مشاكل في ما بينهم ومع المحيطين، السنّي العربي، والمسيحي.
وفي تقديري أنه حتى حرب العراق الثانية (غزوة الكويت)؛ فإنّ عقدة فؤاد عجمي كانت جنوب لبنان، والمشكلة مع سورية. فعلى هذين الأمرين أو على وقْعهما تشكّل وعيه السلبي تجاه العروبة وتجاه السرديات الشمولية القومية، ولاحقاً ولاية الفقيه والفسطاطين. ولذلك فقد كان منفتحاً حتى على إمكانية الحرب على العراق واعتبرها حرباً على الديكتاتورية الغازية للكويت. ولذلك، ما قبض كثيراً مسألة «صدام الحضارات» التي أتى بها هنتنغتون، لأنّ رأيه كان أن الشموليات انضربت والعولمة الصاعدة والمنتصرة (رمزها الهيمنة الأميركية) ستقضي على بقايا احتقانات الهويات سواء أكانت دينيةً أم إثنية أم قومية!
بيد أنّ تحولاً حدث لديه بعد أواسط التسعينات جعله ينخرط في زُمرة المحافظين الجدد الذين وجّهوا رسالةً الى الرئيس كلينتون عام 1996 طالبوا فيها باستخدام القوة في حفظ مصالح الولايات المتحدة وحلفائها، وفي مصارعة الأنظمة الشمولية، والأيديولوجيات المعادية لأميركا والغرب. ومنذ ذلك الحين، ما غاب اسم فؤاد عجمي عن بيانات وإعلانات وتوقيعات المحافظين الجدد. والمعروف عنه أنه تدخل لمصلحة قانون حصار سورية، كما أعان أحمد الجلبي وولفوفيتز وفريق غزو العراق. والمشهور عنه بعد غارة بن لادن على الولايات المتحدة في أيلول (سبتمبر) 2001 أنه اعتذر في مقالةٍ له عن تهوينه من شأن الأصولية السنّية والشيعية، ورأى ضرورة اجتثاثهما لصَون أمن العالم، ومصالح الولايات المتحدة وحلفائها. وما كانت عنده مشكلةٌ بالطبع بشأن غزو أفغانستان، لكنه تردد قليلاً بشأن العراق، لأنّ مسألتي الإرهاب والنووي ما كانت الأدلة عليهما قوية. ثم إنّ غزو العراق سيبدّد وحدته، ويضعه أو الأقاليم الشيعية منه بيد إيران. ثم ذكر في مقالتين متواليتين عام 2002 أن الحرية أغلى من أي اعتبار، ولذا فإنه تبعاً لأصدقائه العراقيين يؤيد غزو العراق إذا كان المراد بناء نظامٍ ديموقراطي هناك. وحبذا لو أمكن إعطاء إيران وبشار الأسد درساً أيضاً على نحوٍ ما لكي تعرف الأنظمة الشمولية المصائر التي تنتظرها من جانب شعوبها ومن جانب العالم الحر.
في الأعوام اللاحقة على غزو العراق، اهتمّ فؤاد عجمي كثيراً ببرامج إقامة النظام الديموقراطي. وبخلاف زميله ولي نصر في جامعة جونز هوبكنز، ظلَّ يرى أنّ الأصولية الشيعية بإيران دولة لا تقلُّ شراً وسوءاً عن نظيرتها السنية. وقد تكون أخطر لأنّ القائم عليها والداعم لها دولة الملالي القوية.
بيد أنّ الفشل الذي واجهته الولايات المتحدة في العراق، وصعود النفوذ الإيراني وازدياد الأخطار على إسرائيل، دفعت فؤاد عجمي وفوكوياما معاً إلى الخروج من الحلقة الضيقة للمحافظين الجدد، إنما باتجاهين مختلفين: فوكوياما باتجاه الوسط وضرورة أن تعود الولايات المتحدة إلى الديبلوماسية وألا تكتفي بالحملات العسكرية... وفؤاد عجمي باتجاه المطالبة بأن تكون الولايات المتحدة على مستوى المسؤولية فلا تكتفي بإضعاف الأصولية السنّية أو اجتثاثها، بل عليها أن تهتمّ بضرب الأصولية الشيعية عبر مكافحة النفوذ الإيراني المستجد بالعراق، والمتطور بلبنان. فالأُصولية السنّية تريد إخراج الولايات المتحدة من المنطقة، وكذلك الأصولية الشيعية. وفي هذه الفترة بالذات (2007- 2009) بدأت تظهر لديه أفكار أُخرى بشأن كيفية مواجهة الديكتاتوريات والأُصوليات. فقد تكون هناك أخطاء في السياسات الأميركية بالعراق مثل حلّ الجيش والشرطة، إنما بالتأكيد لا ينبغي العودة الى التعاون مع الديكتاتوريات ضد الأصوليات. فالإرهاب كل الناس ضدّه ولا مستقبل له، أما الديكتاتوريات الحاكمة فلديها سُبُلٌ خفيةٌ كثيرةٌ للاستقرار والاستمرار.
... وحصل أيام أوباما ما كان يخشاه عجمي، ويخشاه المحافظون الجدد. فقد اتفقت إدارة أوباما مع إيران على توريثها العراق، وعلى مهادنة بشار الأسد وعلى مهادنة «حزب الله» في مقابل عدم الإغارة على إسرائيل! لذا ومنذ العام 2010 كثرت حملاتُ فؤاد عجمي على إدارة أوباما الضعيفة والمرتبكة وسياساتها الاستسلامية لروسيا ولإيران. وقد كانت هناك نغمة ظاهرة في حديثه عن السياسات الأميركية الجديدة والقديمة بمنطقة الشرق الأوسط، مؤدّاها أنّ الحلول الخارجية لا تنفع مهما بلغت درجات النيات الحسنة. ولذلك فإنّ عجمي استبشر خيراً بحركات التغيير العربية، وخصَّ ما سمّاه «التمرد السوري» (Syrian Rebellion 2013) بكتابٍ خاصٍ جمع فيه خلاصة معارفه وآرائه منذ كان طالباً في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وقد عالج عجمي الأوضاع الجيوسياسية والطائفية في الصفحات الأولى. ثم مضى قُدُماً باتجاه التضامُن مع ثورة الشعب السوري من أجل الحرية. وهو رأى أنّ إيران وهي ذات حكم شمولي تحت عباءة الدين، لا تُعجبُها حركات التغيير العربية بجانبها، لأنها تـذكِّـر شعبها والعالم بحركة العام 2009، ولذلك فــقد توقّع أن تتدخل إيران لدعم الأسد الواقع تحت سيطرتها، شأن ما فعلته وتفعله بالعراق، بعد أن سلّمتها إدارة أوباما تلك البلاد على رغم الدماء التي بذلها الأميركيون فيها!
بدا فؤاد عجمي في كتابه عن الثورة السورية نادماً على نحوٍ ما على سوء فهمه الطويل المدى للعرب، سوريين وغير سوريين، فهم بشرٌ مثل سائر البشر، يريدون الحرية والكرامة والعدالة والدولة. وما ترك لهم عسكريوهم وأمنيوهم سبيلاً لشيءٍ من ذلك. ثم أُضيف الى ذلك البلاء بأصولية الخميني، وأصولية بن لادن، وسوء تقدير إدارة أوباما.
في يوم 12 أو 13 /6 سمعتُ عجمي فى «فوكس نيوز» يقول إنّ الخطأ حيث تكون النتائج معروفة لا يظلُّ خطأً، بل يصبح جريمةً متعمدة. وهذا هو الذي حصل في لبنان وسورية والعراق!

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top