الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة


نجاة علي
حظيت كتابات فرانز كافكا (1883-1924) باهتمام كثيرين من المبدعين والمفكرين العرب، في كونها قرَّبتهم من الحداثة الغربية. ومن هنا تبرز أهمية كتاب «فرانز كافكا» لرونالد غراي؛ (المجلس الأعلى المصري للثقافة، ترجمة نسيم مجلي). ويعد هذا الكتاب بمثابة مقدمة نقدية للتعريف بحياة كافكا وأعماله ومشكلاته النفسية من خلال عملية مسح شاملة ودقيقة لكل كتاباته وظروف عصره. وفي هذه الدراسة يربط رونالد غراي بين الفكر النظري عند كافكا وعملية الإبداع، أي أنه لا يتناول الأفكار بمعزل عن الكتابة الإبداعية، ومن ثم نراه يخصص لكل رواية من رواياته الشهيرة مثل «القلعة»، «المحاكمة»، فصلاً مستقلاً، بالإضافة إلى عدد من الفصول لدراسة قصصه القصيرة بخاصة قصة «التحول» التي يرى غراي أنها أكمل أعماله وأعظمها دقة وإحكاماً، إذ وجد فيها كافكا الشكل الذي يلائم حالته، ثم خصص فصلاً لدراسة أسلوبه الأدبي، وفصلاً آخر لفكره الديني.
يشير رونالد غراي إلى أن اتساع شهرة كافكا كان مصحوباً منذ البداية بنوع من سوء الفهم، فهو يرى أن اسم كافكا أصبح كلمة دالة على فظائع القرن العشرين، إلا أنه لم يقدم في بادئ الأمر هذا المفهوم. فالكلمة الأصلية التي كتبها صديقه ماكس برود في تعقيبه على رواية «القلعة» التي نشرت بعد وفاة كافكا، لم تعط مسألة الانتماء إلى العصر الاهتمام الأكبر، وقدمه برود على أنه عبقرية دينية. وبالطريقة نفسها قدمه مترجماه إدوين وفيللا موير على أنه جون بانيان العصري.
أخذت شهرة كافكا في الذيوع منذ الثلاثينات ووصلت أوجها في الستينات، ورأى بعض كبار الأدباء من أمثال أودن وكلوديل وتوماس مان أن كافكا يرتفع إلى مستوى دانتي وشكسبير وغوته وراسين، ووصفه توماس مان بأنه الضاحك الباكي في الأدب الألماني.
أما أندريه جيد، فعلى رغم أنه لم يعبر عن رأيه بعبارات محددة فإنه كتب في مفكرته عام 1940 عن الأثر الذي تركته رواية «المحاكمة» في نفسه، ونتيجة لذلك فإنه قام بإعدادها للمسرح بعد ذلك. إن قائمة الكتابات النقدية التي نشرت عن كافكا عام 1961 تقع في 400 صفحة تقريباً وتحتوي بنوداً من كل قارة، تدلنا على أن كافكا لم يعد مقروءاً فقط بل صار مبجلاً أيضاً. غير إن القدر الأعظم من هذا الأدب التابع، لم يهتم بكتاباته اطلاقاً، وإنما وجَّه جل همه إما إلى تفسير رسالته إلى الإنسانية، أو إلى الخلافات التي نشأت حول قيمته كمرشد ديني، أكثر من الاهتمام بقيمة رواياته وقصصه. وهذا يرجع في جزء منه إلى أسباب تاريخية. لم يقبل كافكا في حياته أن ينشر إلا ست منشورات صغيرة تقل في مجملها عن حجم رواية قصيرة. ورغم أن الكتب التي نشرت بعد موته في عام 1924 كانت في طريقها إلى الانتشار في السنوات العشر التالية، إلا أن استيلاء النازيين على السلطة في 1933 قضى على فرصتها في الذيوع، وبمجيء عام 1939 وقعت النمسا وتشيكوسلوفاكيا في قبضة الرقابة النازية، بحيث لم يعد ممكناً فتح كتبه وقراءتها إلا في الدول الأجنبية. واستمر الوضع إلى ما بعد 1945 حين بدأ المتحدثون بالألمانية من الجيل الجديد يسمعون عنه. وفي ما يخص ألمانيا، فإن شهرة كافكا العظيمة بدأت من خلال تقارير الأجانب الذين كانوا يهتمون بأفكاره أكثر من اهتمامهم بلغته.
ويصعب تصور أن كافكا تأثر تأثراً حقيقياً بالأماكن والأزمنة التي عاش فيها. وهذا أمر يصعب تحديده ما دام هناك آخرون كانوا في ما يختص بالمكان والزمان في مواقف مشابهة تماماً ولم يكتبوا مثلما كتب. ربما كان لحياته العملية في مجال الخدمة المدنية في النمسا دور في تكوين أسلوبه المجرد من العاطفة. ولكن كانت هناك عوامل أخرى لها دور فعال. فقد ولد في براغ وشبَّ فيها في وقت كانت امبراطورية النمسا والمجر، والتي كانت بوهيميا جزءاً منها، على وشك التقسيم وفق القوميات الداخلة فيها. كان القوميون التشيك يضغطون بقوة للاستقلال عن فيينا، وكانت هناك تيارات انفصالية قادرة على إثارة الزعزعة والقلق في نفوس الأفراد بالإضافة إلى أن كافكا لم يكن ينتمي تحديداً إلى الطبقة المتوسطة ذات السطوة والنفوذ والتي كانت تتكون من المتكلمين بالألمانية في براغ. وبحكم كونه يهودياً أرسله أبوه؛ تاجر التحف والخردوات الثري، إلى مدرسة ألمانية، وإلى الجامعة الألمانية في براغ، لكي يعده إعداداً كافياً يضمن له القبول في الحياة الاجتماعية. وظل كافكا؛ التشيكي الأصل يتكلم الألمانية في مدينة كان الناطقون بالألمانية فيها يشكلون أقلية ضئيلة، فبقي منعزلاً، أو على الأقل منفصلاً، عن التشيك بكونه ألمانيا، وعن الألمان بكونه يهودياً، وعن اليهود الأصوليين بعقليته المستقلة، وعن أسرته بسبب عدواة أبيه المستحكمة له. كل ذلك جعل له وضعاً شاقاً في الحياة. ولكن كان هناك كتاب آخرون من اليهود مثل فرانز فرفيل وماكس برود؛ صديق كافكا، لم يأخذ أياً منهما الإحساس بوطأة وضعه على هذا النحو الحاد المفزع.
ثم يشير رونالد غراي إلى أن السمة المميزة لكتابة كافكا يمكن التعرف عليها جيداً من طريق المقارنة بينه وبين مقلديه من أمثال البير كامو في «الطاعون» و»الغريب»، أو غراهام غرين في «وزارة الخوف»، أو ركس وارنر في «المطار»، أو سوزان سونتاغ في «حكاية صندوق الموت»، أو هيمان كوزاك في «مدينة وراء النهر»، أو الياس كانيتي في «التعمية»، حيث أخذ هؤلاء الروائيون تيمات كافكا، أو أسلوبه المفترض فقط.
وينتهي رونالد غراي إلى أن كافكا يمثل نموذجاً متطرفاً للكاتب الذي سلّم نفسه لكل القوى القادرة على تدمير الإنسان، من دون أي محاولة منه لإعاقة طريقها بالوعي، وهي الوسيلة التي يلجأ إليها معظم الناس، كما فعل إيفان الليتشي لانتزاع أنفسنا من وهم الرؤى غير المقبولة. مع ذلك، فإننا قد نخطيء، إذا حاولنا أن نحاكم كافكا على أساس اعتراضنا على هزيمة أبطاله. إذا كانت المقارنة بينه وبين سانسوم وبو لن تظهر شيئاً آخر، فإنها سوف تظهر بجلاء أن كافكا كان فناناً شديد الوساوس بدرجة تجعل من الصعب على أي أحد أن يتحداه إلا في المجال الذي اختاره لنشاطه، وهو فن كتابة الرواية والقصة.
ويعترف غراي في النهاية بأن عملية المسح الشاملة التي قام بها لأعمال كافكا تفرض هذه النتيجة، وهي أن الشيء الوحيد الذي نجح كافكا في صياغته بطريقة تضمن له البقاء هو موضوع تحقيره ذاته منعكساً في شكل روائي، فليس هناك شيء آخر مرئي في أعماله الروائية غير هذا التحقير.

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top