الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة

هذه المقالة نشرت قبل مدة عن الشيوعي العتيق أبو راجي كتبها الزميل زهير دبس واليوم رحل ابو راجي نعيد نشرها بهذه المناسبة.

ينفث دخان سيجارته «اللف» في الهواء، ويردّ على زوجته بعصبيّة، صارّاً على أسنانه قائلاً بنبرة عالية: «خلقت وبموت شيوعي»... ثمّ ما إن يهدأ حتّى يناديني ولم أكن قد تجاوزت الأحد عشر عاماً كي أقرأ له جريدة «النداء» التي حجز فيها اشتراكاً سنويّاً بالرغم من أمّيته وعدم معرفته القراءة والكتابة، ثمّ يقول: «إقرأ لي يا سيّد شو قال الرفيق أبو أنيس»، فأبدأ التفتيش عن أي خبر أو مقال يخصّ جورج حاوي (أبو أنيس) فأقرأه له، وما إن أنتهي من قراءته حتّى يعلّق قائلاً: «يلعن عرضو شو بيفهم، ما خلق متلو بعد، لا بفكرو ولا بتحليلو، الحزب من دونو ما بيسوا شي». ثمّ لا يلبث أن يعاود لفّ سيجارة أخرى نافثاً دخانها عالياً من جديد.
إنّه أبو راجي، الفلاح والمزارع الذي انطبعت صورته في خيالي منذ كنت طفلاً أزور الضيعة صيف كلّ عام وأقضي معظم أوقاتي برفقة ابنه عبدو. وجهه يُشبه «الخلّة» التي يسكن فيها ويُيمّم وجهه في طبيعتها وسمائها صباح ومساء كلّ يوم. أبو راجي سئم الأرض وزراعتها، فهي لم تجلب له سوى فقر يُضاف إلى فقر يراكمه على مرّ المواسم والأعوام. لكنّه ظلّ يقارعها ليل نهار، لعلّها تُزهر أيّامه ذات يوم كما يُزهر ربيعها كلّ عام.
أبو راجي الذي كان يجاهر دائماً أنّه ترك «النير منيّر»- أي أنّ الثور مربوط إلى الفدّان- ولحق بالحزب على بيروت للمشاركة في التظاهرات، غالباً ما كان يتصادم مع جيرانه وإخوته الذين يردّون سبب فقره ووضعه المتردّي إلى قناعاته السياسيّة والفكريّة التي لم تجلب له سوى الفقر و«التعتير»، ثمّ يعيّرونه بموسم الكوسى الذي أتلفته «البردة» (الثلج) دون سواه، قائلين إن ذلك ما هو إلا غضب من عند الله عليه بسبب قناعاته الشيوعيّة. مذكرين إياه أيضاً بمواسم الدخان والبندورة والخيار والبطيخ التي «انضربت» كلّها بسبب ذلك أيضاً، وأنّ هذا لم يكن ليحصل لولا السياسة «اللي ماخذتلو عقلو». لكن كلّ تلك الانتقادات التي كانت توجّه إلى أبي راجي لم تكن تثنيه أو تغيّر قيد أنملة في قناعاته التي ضحّى من أجلها بكلّ شيء.
ولم تقتصر قناعات أبو راجي السياسيّة والعقائديّة على شخصه فقط، بل امتدّت إلى عائلته، فسمّى أبناءه وبناته على أسماء القادة والعظماء: غيفارا، فرج الله، عروبة وغيرهم... ولم يكتفِ بذلك، بل ترك لهم حريّة السير على خطاه وكان له ما أراد، فسار أولاده منذ صغرهم على دربه، يلعبون في «الخلّة» ويحفرون المطارق والمناجل على صخورها ويزيّنون جدران منزلهم بصور ماركس ولينين وغيفارا وغيرها من الشعارات الثوريّة التي يجاهر أبو راجي وأبناؤه ويفاخرون بها، وخصوصاً خلال التظاهرات عندما كان يهتف أبو راجي: «من فقري ومن جوعي بدّي إعمل شيوعي».
بالرّغم من أنّ قناعاته السياسيّة ومعتقداته الفكريّة استحوذت على جلّ اهتماماته وأوقات فراغه، فإنّ أبو راجي كان مولعاً بمشاهدة الأفلام الأجنبيّة والتي لم يكن يفهم لغتها ولا يُجيد قراءة ترجمتها، ويحضرها على تلفزيون «إسرائيل» حينذاك وفي زمن الأسود والأبيض وندرة المحطّات وغياب الفضائيّات. ولم يكتفِ بمشاهدتها بل كان يُصرّ على رواية أحداث تلك الأفلام فيلماً فيلماً، والتي غالباً ما تكون مواضيعها من نسج مخيّلته، يدبلجها حسب رؤيته وتقديره لمجريات الصورة، فيملأ مشاهدها بالسيناريو المناسب. وبناءً عليه، فجميع الأفلام عند أبي راجي تخضع لمعاييره السياسيّة، فتنقسم تلقائيّاً إلى «أبطال وحراميي» وأخيار وأشرار، وهذا ما تجلّى واضحاً عندما راح أبو راجي يسرد قصّة أحد الأفلام وكيف «زغت» البطل الحرامي من بداية الفيلم حتّى نهاياته، ليختمه أبو راجي بأنّ البطل «تأو للحرامي (أطلق النار) بالفرد ضرب هون وضرب هون» مشيراً إلى ركبتَيه (موضع الإصابة)، ثمّ قال البطل للحرامي مناولاً إيّاه المسبحة: «هذي المسبحة مباركة»... في إشارة إلى أنّ أحداث الفيلم دارت بمجملها حول سبحة.
خلال الأحداث الأليمة التي عصفت ببلدته، احترق بيت أبو راجي واحترقت معه صور ماركس ولينين وغيفارا، ولم يبق منها سوى ظلالها السوداء مطبوعة على الجدران، لكنها بقيت محفورة ومتوهّجة في قلب أبو راجي يعشقها حتّى الرمق الأخير...
جلس أبو راجي قبالة الصور المحروقة يتأملها، ثمّ أشاح نظره عنها، سرح في الخلّة، لف سيجارة وأشعلها عبّ منها نفساً عميقاً ثمّ ناداني قائلاً: «يا سيّد، إقرأ لي شو قايل بو أنيس".
* رئيس تحرير مجلة المغترب

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top