زكريا تامر| حقوق الطبع محفوظة!

9:36:00 ص

بوغت نزار قباني بالتلفون المحمول يرنّ بإلحاح في قبره، ولم يكن المتكلم واحداً من أصدقائه القدامى أو حبيبة سابقة بل كان رئيس تحرير جريدة يومية توزع في أقاليم الدنيا والآخرة، واقترح عليه أن يكتب للجريدة كلّ أسبوع ألف كلمة لقاء أجر مغر، فقال له نزار قباني بصوت معتذر إنه عاجز عن الكتابة في قبر شديد الظلمة، فذكّره رئيس التحرير بتهذيب أن المبدع يكتب مستضيئاً بنور بصيرته لا بنور الكهرباء والشمس والقمر، فقال نزار قباني إنه لا يملك أوراقاً بيضاً أو أقلاماً، فأكد له رئيس التحرير أن زمان الورق والقلم ولى، وأن الجريدة ستقدم له مجاناً أحدث كمبيوتر صغير، فقال نزار قباني إنه مبعد عن الحياة ولا يعلم ما هي مشكلاتها حتى يكتب عنها، فنبهه رئيس التحرير إلى أن الكاتب الجيد هو وحده المكتظ بكلمات وأفكار يرشح بعضها للنشر، فقال نزار قباني بصوت مترع بالقنوط إن حفرة القبر بالغة القبح لا تصلح لإنسان، ولا تحرض على الكتابة، وتلغي كلّ الكلمات، فاغتاظ رئيس التحرير من إخفاقه في الإقناع، وقطع مكالمته التلفونية ناقماً على ناكري الجميل، واستدعى كاتباً شاباً يتقن تقليد نزار قباني ممتلكاً غبار موهبة، وكلفه بالكتابة للجريدة، ففقدت الأرض صلابتها تحت قدمي الكاتب الشاب، وبحثت شفتاه عن يدي رئيس التحرير.
وتبين فيما بعد أن الجريدة لم تكن بالمغبونة، فالكاتب الشاب المقلّد زهيد الأجر، ومحنى الرأس باستمرار، ويُنهر ويُهان بغير أن يتذمر، ويكتب متقيداً بما يؤمر به، وكل قضاياه المصيرية هي أن يرى اسمه مطبوعاً.
أما نزار قباني، فقد اطلع على ما نشرته الجريدة من مقالات تقلده ببراعة وغباوة، وضحك ساخراً ممن يأكل قشر الفاكهة ويطرح لبّها.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا