الأربعاء، 7 مايو 2014

رلى

SHARE
من معرض حسين ماضي في مركز بيروت للمعارض
  التقيت رلى على درج الحانة، صافحتها، برغم الحرارة كانت أصابعها باردة، كانت في مشهد يدفع إلى السؤال عن أحوالها لكني لم أسألها، لم أكن أحب الاسئلة، أو تشعرني الأسئلة بالإرباك، ابتسمت قليلاً وابتسمت قليلاً، وجهها النحيل أظهر كأن فمها يمتد من الأذن إلى الأذن، فم بابتسامة مسروقة أو ضائعة، كان سؤالها عن مكان عملي وكان سؤال لها إلى متى تبقى في لبنان؟ أعطتني رقم هاتفها ومشت بجسد نحيل وقاتم. ذهبت وأنا أفكر بوجهها الذي يشبه الموت. بعدما غابت عني طويلاً، وبعدما كنت حائراً عن الطريقة التي أبدأ من خلالها الكتابة، وبعدما خططت لابتكار خدعة تكون مفتاح الرواية للولوج في متاهة الأحداث، قرأت بشكل مفاجئ على مواقع الفايسبوك أنها ماتت بعد صراع مع السرطان، حبوب "التيتانيوم" لم تقو على المرض الذي أصابها في الرئتين.
 خطفها الموت بعد أيام من دون أن تستسلم، وظلّت على رغم مضخات الأوكسيجين والمسكنات. لم أر صورة رلى في الحكاية، لكن رحت أتساءلُ عن مصائر كل الذين كتبت عنهم في روايتي. قبل موتها بشهرين كنت بدأت التواصل معها عبر الفايسبوك، اقتصر التواصل على عبارات السلام، لم أر صورتها، ولم أعرف بمرضها، لم أكن أطيق تذكر فترة عملنا سوياً في ذلك المبنى، ولم أخبرها أني أصدرت رواية، كنت أتردد في إهدائها كتابي، أخاف أن تعرف أني كتبت عنها، ومنذ رحلت صرت أتأمل تلك الشخصيات التي كتبت عنها أو التي نسيت الكتابة، كأني كنت على موعد مع المشقة، لم يبق شيء على حاله من أبطال الحكاية.
ماتت رلى قبل أن تكتمل الحكاية، وقبل أن تقرأ الرواية التي كنت أصدرتها وشعرت بسعادة عارمة لأني أتممتها بعد جهد وعناء، حملت الكتاب مثل مولود جديد ورحت أنظر إليه كما لو أني أرى كتاباً للمرة الأولى، لكني فرحتي لم تكتمل لأن اكتشفت أنها تتضمن الكثير من الأخطاء الطباعية والتحريرية، قلبت مزاجي وجعلتني أشك في نفسي وأفكر في طباعة الرواية من جديد. طوال فترة الكتابة كنت أبحث عن الأخطاء كمن يبحث عن إبرة في كومة القش لكن بعد طباعة الرواية كانت الأخطاء تصرخ: "أنا هنا، أنا هنا"، بدت الأخطاء الطباعية هي بطلة الرواية، إذ تصرف أنصار سيبويه مع الأخطاء في الرواية كأنهم يكتشفون شعرة في وليمه يشتهونها. من لم يهتم بالأخطاء راح يبحث عن الهوية الحقيقية للشخوص الذين كتبت عنهم أو تخيّلتهم، وبتّ خائفاً من أن تتحول الأمور نوعاً من تفضيح اجتماعي. كل صديق يريد معرفة أسراري الأدبية التي خضتها في الكتابة. كنت أتهرّب من ذكر التفاصيل لكني وبطريقة لاشعورية استقصي أحوال الذين ذكرتهم في الرواية بعد صدورها ربما للاستفسار عن أحوال الكلمات. كنت أظن أني لن ألتقي رلى، ولن أكتب عنها مرة أخرى، لكن الموت يصنع الكلمات، منذ قرأت أنها ماتت بعد صراع مع السرطان، صارت فكرة جديدة للكتابة، السرطان كائن أسود ينسل في العروق ويقتل، أنا لم اقتل رلى بالكلمات، السرطان كتبها.

محمد حجيري
SHARE

Author: verified_user

0 facebook: