ومن قال أننا نريد العودة إلى فلسطين؟

12:39:00 ص

لطالما تراءت لي المسافة إلى فلسطين بأنها بعيدة جدّا، كبعد تحرير فلسطين عن نوايا المتحدثين باسمها. إذْ كانت آخر وسيلة قياس دلّتنا على المسافة المؤدية إلى هناك، هي تلك التي وصلتنا على لسان الأجداد، ألا وهي عدد الليالي التي كانوا يمضونها على ظهور البغال، أو الأحصنة في أحسن الأحوال.
إلى أنْ جاء ذلك اليوم الذي تعرّفت فيه عن طريق صديق لي إلى برنامج Google Earth عام 2008، وكان قد مضى على إنتاجه ثلاثة أعوام تقريبا. وحدث أنْ تمّت إضافة أداة جديدة للبرنامج في حينه؛ بحيث تتيح للمستخدم قياس المسافة بين أي نقطة وأخرى على سطح الأرض.
أخذْت أجرّب هذا الاختراع المثير آنذاك؛ فأختار أماكناً لا على التعيين، بين دول ودولة أحياناً، وقارة وأخرى أحايين أخرى، إلى أنْ وجدت نفسي أتعرّف، ولأول مرّة، على مقدار المسافة الفاصلة بين منزلنا في مخيم اليرموك/جنوب دمشق، وقريتي المحتلة (فرعم/قضاء مدينة صفد) في فلسطين: 97 كم فقط.
سبع وتسعون كيلومتراً لأتأكد أكثر وأكثر بأنّنا مُسْتعمَرون كما الأرض، ولأدرك حجم المساحة من الأرض التي نخسرها إثر كل خطاب أو قمّة عربية ذُكرت فيها (فلسطين).
اليوم، ونحن ندخل الذكرى السادسة والستين للنكبة الفلسطينية، وفي ظلّ التناسي والتغاضي المُعلن عن ذكرها، وأكثر، إذْ تتم معاملة اللاجئ الفلسطيني بأقذر الوسائل من قبل الدول الشقيقة-اللدودة، وعدم الإعتراف بأوراقه الثبوتية، بل حتى أنّها في كثير من المواضع تُعد حيازتها تُهمة أو جرماً يودي بحاملها إلى الترحيل أو السجن، وفي ذلك أمثلة كثيرة.
نعم مرّ وقت طويل على الخروج الأول من البلاد، لكن، لمن لم يفهموا بعد، أقول لسادة الصراع العربي-الإسرائيلي (المُثلّج):
أنا المواطن الفلسطيني اللاجئ للمرّة الرابعة خلال 28 عاماً، (سوريا، ليبيا، سوريا مرة أخرى، لبنان، والآن فرنسا)، ورغم انتمائي للجيل الثالث للنكبة؛ ذاك الجاهل بجغرافيا البلاد، إلا أنّني لازلت أمازح صديقي بالقول: أرض المدينة مرصوفة بالبلاط عندكم في صفد، وآخر يقول لي: "كل ليلة، نمطر البحر بالرصاص عندنا في الطيرة".
نعم، نحن لم نعد نريد العودة إلى فلسطين، لأنّها في الأساس لم تخرج منّا.

محمد شعبان
كاتب (لاجئ) فلسطيني-سوري



شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا