عائشة عجينة... أكره رائحة المصحات(*)

2:12:00 ص
اكره رائحة المصحّات، من يعرف بي غيري أنــا. سأشرّح لهم جسدي، سأُدمي معصمي إن اقتضى الأمر، سأُريهم بأن لا شيء يخبئه دمي غير شياطين تقيم كرنفال لواط. أحمل كذلك قلباً، لا لا… عضواً يضخ لي أقل مما تحتاجه شياطيني، لن أطالبه بالكثير. قناعتي كنز أدّعيه.
أدّعي أحداثاً لن تحصل. كم فرحت بعصفور يسبح، وبشعر مستعار. لمعان يسطع في المرآة.
لِمَ كل هذه الأمكنة الفارغة، ما أصعب القرار، أأجلس هنا، أم هناك. أفٍّ… لم أحضّر نفسي للإختيار. لن أجلس… سأعود لاحقاً، حين تمتلئ الأمكنة، سأدّعي تأففاً من مكان واحد شاغر، سأتسلقه ببطء واتبرم انزعاجاً من ضيقه وكثرة المتجمهرين حوله. سأصعد جبلاً أزرق، أصرخ من فوقه وأنتظر عودة صوتي علّني أصحو… يصحّيني، علّه يمحو وجوه من يثرثرن من حولي. وصوت آخر يقول لي: اخرسي.
الآن لا أستطيع التراجع. لن يسمح لي قلمي ولا هذه الأوراق، تورطت أنا بالكتابة… تورطت بسرد أحداثٍ لا تهم أحداً، ولا تهمني أيضاً. احتمال أن أمحو أخطائي… صفر(0)، أن أفاجئ نفسي… صفر(0). دائرة تحيطني من كل جهاتي، جدران الجحيم تلتصق بي. لا فرار… لا بأس، استسلمت…
عندما سيسألني عن تقاعسي سأتحجج بالدائرة. لا حول لي ولا أمل. رأسي مدوَّر، عيناي مدورتان، كواكب تحسم أمري مدورةٌ كذلك… لِمَ تتكبد الأشكال الأخرى عناء الظهور. سأقول:
ـ أعبد الدائرة.
بحاجة أنا لمركز أدور حوله، أقدم نذوراً لم أنطق بها. سأدور وأدور حتى أسقط… يسقط جسدي وانتهي. ليس هناك من يستطيع أن يدور معي، سأنفرد بدوائري…
مختلفةٌ، لا يعني أنني متميزة، هجرت القمح وذهبه، فقدت أرطالاً كنت أجرَّها ورائي. صوتها يرنُّ في أذني، تدعوني لأنظر في المرآة
ـ مرآتها ـ تريدني أن أتنفس برئتيها. لا أريد. أحاربها… تهزمني، كم أستكين لهزائمي. أماكن العبادة لا تستقبلني، علاّتي تقف بيننا ـ علاّتها. سأتجاهلها، سأخرج… إلى أين؟! دائماً السؤال يتكرر. قدمايَّ مسؤولتان عن كل خطاياي لا أنا. حاسبهما… لا أنا. أنا طفلة، عاطلة عن الأمل، مصيري مقروء، أخبرتني به عرافات الليل. لا الريح، وإنما قدمايَّ من تهبا بي لنجمة نائية أو لأرض حرام.
ـ أتنفس لأمر غير إرادي
إجلس معي قليلاً، تناول فنجان قهوة نيء، تحدث إليَّ، أنا بحاجة لإقامة حوار، بحاجة لمن يتفهمني لا من يفهمني. ادّعوا بأن لا إجابات خارجكَ. شكَّلْتني كما أردتَ ـ كما أرادوك. تحكَّمتَ بمصيري… كلّمني ولو من وراء حجاب. أُترك عرشك قليلاً، لن يقع. أنظر إليَّّ أخاف ترك سريري مع أنه لا يهرب، نادِني باسمي سأجيب، جرّبني سوف أخضع لمهزلة التجربة…
آه كم تشبهني، مثلي تخاف ترك الأشياء تقتنيها بعبثٍ… لا لسبب عظيم. لِمَ كل هؤلاء من حولك؟! ماذا أضافوا لك؟! لم تُضِف لي أشيائي غير المزيد من الأسماء غير المهمة.
تخفّف… خفّفني معكَ. ماذا تملك؟ كتباً!! أملك أفكاراً أنفخها بوجهك. تسكتُ دائماً… وهكذا أنا، يتجاهلوني… يتجاهلوكَ… أنا وأنت متورطان بهم.
تعالَ لنجلس قليلاً، لن تندم. تكلّم معي كلاماً جميلاً لن يفرحني… تعالَ فقط. لن أطلب منكَ أن ترفعني على صخرة وتدور بي الأوطان، لن أطلب خبزاً ولا خمراً، ولا سلوى لي أطلبها… كفاني ما فعله بي الكعب العالي.
الارتفاع عن الأرض مرهق، يشعرك أولاً بالزهو… ولا يلبث أن يعيدك إلى أرض عجْفاء. كم من حذاء خلعتُ وكم من وادٍ مقدس وطأتُ، وكم من شارع خلفي عبرتُ…
إنزل… المكان هنا أوسع، الطيران لا يليق بكَ، التحليق يُعميكَ…
ـ متى ستموت قتلاً؟؟
لا لا… لن تموت، أقلّه لن أستطيع قتلك! ماذا سأفعل بجثتك؟ أين أخبئها؟! وكيف سأسدُّ أنفي إن تسربت إليه رائحة عفنكَ؟!! كفاني ما أشمه هنا.
أنفي يُرهقني، اختزلَ كل حواسي، مرهقةٌ. بقي أنفي، كبُرَ أنفي، ازداد نشاطه… ازددتُ حسرةً، سوف أسده بخرقة من قطن أبيض، ربما… لن أحتاجك حينها.
وعدتني بكثير من الأمور، انتظرتُ وعودكَ. مسكين، الكلام أرخص الوعود وأجملها. رأسي المدوَّر مليء بها، يحياها كما يريد… لم تشترِ لي لعبة ولم يتحنَّن عليَّ أحد بواحدةٍ. حيّكتُ لعبة بلا رأس… عاشت، وطفل يثرثر، يسرق مني حرارة لا أملكها، يطالبني بالاهتمام…
يا لجريمتي!!! كيف سأعتني به هو، وأعتني بهم؟! يا لفداحة موقفي!!! سأخبئ الأنثى فيَّ، ولتحضر مدبرة منزل أو مربية لا فرق. الكل موجود، يكفي قليل من اللاسحر… وتحضر إحداهن.
سأنظف الحمام، سيشعرني هذا الفعل بالراحة، سأزيل عنه كل ما أضافته ـ هي ـ من الخراء. الخراء تكوينه واحد، ولكن ذلك الذي تنتجه مختلف. سأضيف الكثير من المنظفات، سأمسح حيطانه بالعطر، وأحفها بسيفٍ جلف. سأزيل عنه كل أقذارٍ إفتعلتها فيه. ولكن… إلى متى! ستعود وتدخله حتماً، وتتفنّن بإنتاج أعظم.
عجبي!!… كيف لكائنات خُلقت على رسمك أن تتجشأ! كيف لجنسٍ لطيف أن يتغوط! كم أكره الشعراء. لما نثرتَ حولهن أوهام واهية. لِمَ الفرق بين جميلة وقبيحة! أوَليست الجميلة مشروع لقبح منتظر! ما مصير قطعة الحلوى إنْ تذوقتها، أأنت أيضاً تتبرز؟! أم للسبب عينه تمتنع عن الطعام…
لِمَ لا نكون كالسيارات، يتبخر برازها في الهواء! لِمَ علينا دائماً أن نُنتج ما يُسيء لأنوفنا! لِمَ إحساسنا الدائم بالخطيئة! وحتى لِمَ لم تجعل إنتاجنا ألطف قليلاً… سوء هندسة الأشياء يُقرفني.
أوجدَّت من هم أذكى منكَ. عرفوا أخطاءك فصححوها. تركتني وحدي… أخطئُ ثم أخطئَ ثم… ولم أعرف يوماً تصحيح خطأ لك. لم يبقَ أمامي إلا كمّ من المنظفات، سأمزجها في وعاء، علّني… أنتهي منكَ.

مقطع من كتاب "انا حالة مستعصية" صدر عن دار الجمل

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا