زياد توبة... عن "السيّد سايمون"

12:51:00 ص
يتمدد الحقل تحت الشمس ويتلوّن بخِضْرته وبأكواخ خشبية مترامية مبعثرة كحبات الفطر. الفلاحون العبيد ساجدين وظهورهم الأفقية تستوي وخط الحقل المنتهي عند جبال منتصبة تمجّد سدرة الكون. رجل أسود يحمل فأسه بقبضات مفعمة بالحياة، ينهال على الخشب ليحيله حطباً، ليحيله فاكهة الشتاء.

        أربعة أطفال، أكبرهم ذو الخمس سنوات، يزيّنون الحقل بابتسامات كاللؤلؤ. تداعبهم الشمس بخفة ولطافة. الأم السمراء تدندن أغانٍ ورثتها مع لونها وبعض التعب من جدتها، ورثت قلادة تتأرجح في رقبتها وتلمع كنجمة ونيسة. شفتيها بارزتان بغلاظة فريدة تضفي على وجهها احمراراً أرجوانياً. لقد علّمتها جدتها بعض الحِكم المأثورة وطريقةً لصنع كعك العيد. يكرج العرق من جبينها الى أنفها ويتقطّر نقطة نقطة فوق تراب الحقل. فلاحو الحقل عبيده..لقد اعتادوا توليفة الحزن الأزرق والتعب وسرقة الفرح!
يخمد حراك الفلاحين حتى يكاد يقف، أجسادهم تنتصب شيئاً فشيئاً كشواهد في وسط الحقل. يرمي الجميع بعضهم بنظرات تشبه الإنذار المبكر لقدوم المطر او لوقوع زلزال على أبعد تقدير. وحدها الأم تنسج نظراتها شباكاً حول أطفالها..تُمسك بسلّة وضعت فيها طفلتها الرضيعة وتصرخ بالباقين ليقتربوا منها. حركة الفلاحين المتهاودة تنتظم على وقع صوت صهيل الأحصنة و دنوّها من الحقل.

        دقيقة، دقيقتان، يخرج من بين الأشجار المرصوفة عند نهاية الحقل جياد فازت بسباقها للتو يمتطيها رجال بيض بكامل اناقتهم. أحذيتهم الجلدية يكاد لا يفقدها بريقها سوى غبار الغابة، يحملوا بنادقهم على أكتافهم كالقيثارة، كرجال فرقة موسيقية من غرب الغرب. ثوانٍ تتبدى من خلفهم عربة خشبية يجلس فيها السيّد سايمون وتعلو وجهه ابتسامة محيّرة، يعتمر قبعة تضاهي قبعة الساحر أناقةً. ثيابه اشد زركشة من ألوان الحقل وفي يده عصاه. شاربه يعود لرجل اللوحات المرسومة في القرن السادس عشر كأنها تعبير عن انتصار ملتبس. يرفع يده لرجاله كإشارة للترجّل عن صهوات جيادهم وينتشروا في الحقل ككلاب صيد  رشيقة تنتظر انطلاق رصاصة لتتحرك باتجاه الطريدة. يقترب من عربته أضخم الرجال ليعاونه على النزول الى ارض يمتلكها بكل ما عليها من ثابت ومتحرك. يمتلك الناس ببيوتهم وثيابهم، بعرقهم وابتساماتهم. كل هذا مُلك ذاك الأبيض الوسيم. إنه يملك إعادة تدوير تعبهم.

يقف الرجال البيض كفزّاعات الحقول، أما الفلاحون العبيد فليسوا حتى طيوراً حرّة. إنهم طيور مهاجرة في حقل واحد. الكل يشبه اصناماً وطواطم منثورة باستثناء الام التي جرفت أطفالها من الحقل الى الكوخ حيث تنوي حمايتهم من المصادرة. حقول السيد تعج بالعبيد أما مصنعه فيحتاج سُمرة أطفال جدد..."أطفالكم ليسوا لكم" عبارة ينقلها السيد للعبيد دون ان ينبث ببنات شفتيه. يلوّح بسلسلة ذهبية ويلّفها على سبابته ويفلتها ويظلّ يعاود الكرّة وهو ينظر في عيون من حوله. ساعته، هي الأخرى، مربوطة بسلسلة ذهبية لتنتهي في جيبه..ساعته عداد ليرات ذهبية!

 ظلّ الحوار الصامت صامداً لحين اخترقته صرخة الأم من كوخها المحمولة بصراخ الأطفال وبكائهم. لم يعد يصدر اي صوت من الكوخ! رجال السيد سايمون يعيدوا تموضعهم ليشكلوا مع العبيد ثلّة شرف متراصفة على الميلين ليمر بها السيد ويستعرضها بقامة ممشوقة كقامات الجنرالات صانعي الحروب الكبرى. "إنه السيد سايمون، الرجل الذي لا يقهر" هي الجملة الوحيدة التي تجرأ احد العبيد ان يهمس بها في أذن صاحبه. لقد سمعه أحد الحراس فرمقه بنظرة لايمكن تحديد دلالتها.

        يمشي السيد سايمون بتؤدة كأنه يخشى إيقاظ حبيبته النائمة في سريرها في أحد الصباحات الزهرية. يتقدم من الكوخ يصل بابه ينزع قبعته كالداخل الى كنيسة ويسدل شعره الفضي ليزيده جمالاً. رجاله الأشاوس يشكلون خلفية كورالية . الأم في وسط الكوخ تضم طفلة السلّة الى صدرها وثلاثة أطفال غارقين في دمهم تحت قدميها.  الأطفال غارقون في موت من دم ودمع وعرق. لقد أرْدَتهم جميعاً بمجرفة الحقل التي تتأبطها! لقد حمتهم الى الأبد بحبها المتراكم، بوجع ثديها وحليبه الذي لم يجف قط...ابتلعت ارواحهم وجعلت أجسادهم قرابين السماء الماطرة.

        السيد سايمون...لا يرفّ له جفن ولا يقوى على الحراك...تنسلّ من عينه دمعة وحيدة لتعكّر صفو خده الزهري اللمّيع. يستجمع قواه ويزمّ شفتيه ليبصق بوجه الأم ويقول: حيوانة..انت فعلاً حيوانة متوحشة! والأم واقفة مرتاحة مطمئنة هادئة..فمستقبل اولادها بخير...انهم احرار في فلك يسبحون..يخرج السيد من الكوخ ليبحث من جديد في حقول مجاورة عن أطفال آخرين يمنحهم فرصة عمل...فرصة حياة!

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا