الأربعاء، 2 أبريل 2014

زهير دبس(*) عن "ساعة أمي"

SHARE
ساعة أمي التي عرفتها منذ صغري لا تشبه غيرها من الساعات المعلقة على جدران المنازل والمثبّتة في حيطان الأماكن، لا شكلاً ولا توقيتاً، فساعة أمي التي تعلو الباب متوسّطةً الحائط المؤدي إلى غرفة نومها، تشبه طائراً تشرينياً إعتلى آخر غصنٍ في أعلى شجرة تعرّت من كل أوراقها إستعدادآً لملاقاة الشتاء. ساعة أمي تنتمي إلى زمنٍ مختلف لا يعترف بتوقيت صيفي أو شتوي، فلا تتقدم ساعة ولا تتأخر ساعة، ولم تسمع بالنظام الرقمي الذي اجتاح العالم ووقف عند حدود عريشتها التي تغطي الممر المؤدي إلى بيتها المركون في نهاية أرضها المزروعة ورداً وياسمين.
لا تكترث أمي كثيراً لساعتها، والأخرى لا تكترث لها أيضاً، لكنهما صديقتان حميمتان لا يفترقان أبداً، ثابتتان في زمانٍ ومكانٍ يشبههما ويدوران فيه. يقضيان معظم أوقاتهما معاً، فتمضي أمي معظم أوقاتها في ظل ساعتها فيما الأخرى تراقبها بعيون واسعة مستأنسة بها تضبط وقتها على إيقاع حركة أمي المتتالية صبحآً وظهراً ومساءً.
تشبه عقارب ساعة أمي عاشقين ملهمين فيتعانقان كل ساعة على مدار الساعة، تتمايل بتأنٍ وبخطوات هادئة، تعزف على وتر الوقت أغنية للريح وللشمس وترقص لضوءٍ ينبلج من نعس الليل متكسّراً صبيحة كل فجرٍ على «تصوينتها» المحاذية لنافذة غرفتها. تشبه حارسين يحرسان عمراً هارباً ولّى إلى غير رجعة، ولو قُدِّر لهما لعادا بعقاربه إلى الوراء ليرويا ماذا حصل.
لا تعترف ساعة أمي بالأنظمة الحديثة لحركة الساعات، وبالأخص المثبّتة على أبواب المكاتب والمؤسسات، والتي تحوّلت مع الوقت حارسةً له، تعلّبه وتعلّب الداخلين إليه وتجعلهم أرقاماً يدورون في فلكه المغلق، فلا يبدأ دورانه إلا بإذنها ولا يتوقف إلا بمشيئتها، تقيّدهم من خلال بصمة إصبع أو بطاقة ممغنطة وتغللّهم بأصفاد دوران أرقامها المتتالية. ساعة أمي تعترف بتوقيت واحد لا تعترف بسواه، توقيت يرقب الشمس والقمر ويتكتك مع أغاني الحصّادين وتغريدة حسّون، توقيت لم يبقَ منه شيء في قرانا الخاوية، التي تحوّلت بفعل زحف العمران الحديث إلى كل مفاصلها، أكواماً من إسمنت تحوّل معها كل تراث ساعة أمي، أثراً بعد عين.
تصحو أمي كل صباح قبل ساعتها... بساعة، تصلي بصوتٍ منخفض وتبتهل إلى الله... تخرج إلى الطريق التي كانت فيما مضى درباً سارت عليها طويلاً وتؤدي إلى الحقول الواسعة، فها هنا كانت «دير قبا» وههنا كانت «عين الزرافات» هنا كانت «خلة الصاحب» وهناك كانت «شَبَر تين» و«عين التين الفوقا» و«عين التين التحتا» وتحتهما الوادي و «عين الشقيّف». هنا كانت كروم التين وخلفها الزيتون وبين أفيائها كان يُنصب العرزال، وتُعقد السهرات.
تحوّلت ساعة أمي مع مرور الوقت إلى قطعة منسيّة مثبّتة على حائط الزمن، توارت خلف عقاربه المسرعة كل حكايا الأمس وحنين الذكريات... نهارات التعب وسهر الليالي... توارت خلف نبضاته القوية حياتنا المثقلة بألف همٍ وهمّ... زمن لم يعد فيه مكان إلا لساعات مجنونة مسرعة تلتهم الوقت بشراهة وتحوّله مساحاتٍ مضغوطة معلّبة تحوّل معه البشر قنابل موقوتة جاهزة للتشظّي، زمن لم يعد فيه متّسع من الوقت لا لساعة أمي ولا لغيرها.

خلال زيارتي الأخيرة نظرت إليها، رأيت في عيونها حزناً وأسى، رفعت ساعتي وضبطتها على توقيتها، بادرتني أمّي بالسؤال «يمّي قدّيش الساعة".

 * رئيس تحرير مجلة المغترب
SHARE

Author: verified_user

0 facebook: